أول مرة شميت فيها الريحة، افتكرت إن الموضوع عادي. يمكن الأنبوبة فيها حاجة، يمكن ماسورة الصرف طالعة منها نفس تقيل، يمكن الملاية متكومتش كويس بعد ما نشرتها، أو يمكن أنا اللي أعصابي تعبانة من السهر والوحدة. لكن الليلة دي، وأنا نايمة جنب محمود، حسّيت إن الريحة مش جاية من برّه ولا من الشقة ولا حتى من الأوضة كلها، لأ… كانت جاية من مكان محدد جدًا، من الناحية اللي بينام فيها هو، من تحت جسمه، من عمق المرتبة نفسها كأنها بتتنفس عفن وتطلعه على دفعات. كنت وقتها مغمضة عيني، بحاول أستسلم للنوم بعد يوم طويل من شغل البيت والطبخ والرد على مكالمات أمه اللي عمرها ما كانت بتتصل إلا وفي آخر الكلام طلب أو عتاب أو مقارنة بيني وبين واحدة تانية، وفجأة لقيت بطني بتتقلب ونفسي مكتوم. قمت نص قعدة، سحبت الملاية، قربت وشي من الوسادة، شمّيتها، ما لقيتش حاجة. قمت بصيت على محمود وهو نايم على ضهره، بيفتح بقه سنة صغيرة وبيتطلع منه نفس منتظم، وشه هادي بشكل غريب، وملامحه بريئة لدرجة تخليني أكره نفسي على مجرد شكي فيه. قلت يمكن أنا متوترة وخلاص. فتحت الشباك، رشيّت شوية معطر، وشربت مية، ورجعت نمت. لكن من الليلة دي، ما بقاش فيه نوم طبيعي في البيت.
يمكن اللي زوّد قلقي مش الريحة نفسها، لكن حاجات صغيرة بدأت أربطها ببعض بعدين. محمود بقى يغير مكان موبايله كل شوية، ما يسيبوش بعيد عن إيده ثانية. لو دخل الحمام ياخده، لو قام يجيب كوباية مية يرجع يبص فيه، ولو رنّ وبصيت تلقائيًا للشاشة، يطفيها بسرعة ويقلب وشه. مرة صحي الفجر على رنة وخرج البلكونة يتكلم بصوت واطي جدًا، ولما سألته تاني يوم، قالي: “عميل من الشركة”. ما اقتنعتش، بس برضه سكت. مرة تانية لقيته بيطلع من الدولاب كيس صغير أسود ويحطه جوه شنطة السفر بسرعة أول ما دخلت الأوضة، ولما سألته قال دي عينات شغل. ابتسم وقتها ابتسامة باهتة مش بتوصل لعنيه. أكتر حاجة خلتني أتوتر بجد، إني في بعض الليالي كنت أصحى على إحساس غريب، ألاقيه قاعد على طرف السرير من ناحيته، ضهره ليّا، ساكت تمامًا، كأنه بيبص على الأرض أو بيكلم نفسه من غير صوت. مرة ناديته باسمه، فالتفت لي بسرعة مخضوضة وقال إنه كان بيفكر في الشغل. لكن ملامحه وقتها ما كانتش ملامح واحد بيفكر في تقرير مبيعات. كانت ملامح واحد شايل حمل تقيل أو ذنب أو سر، ومش عارف يهرب منه.
حاولت أتكلم معاه بهدوء في نهار من الأيام. كنت عاملة له غدا بيحبه، ملوخية ورز وفراخ محمرة، وقلت أختار لحظة يكون فيها رايق. قعد ياكل، وأنا راقبته شوية وبعدين قلت له بهدوء: “محمود، أنا عايزة أسألك سؤال ومش عايزة عصبية. فيه حاجة مستخبية عني؟” رفع عينه من الطبق وبصلي بنظرة طويلة ما قدرتش أفهمها. بعدها ضحك ضحكة قصيرة جافة وقال: “مستخبية؟ زي إيه يعني؟” قلت: “أي حاجة… الشغل، الفلوس، حد مضايقك، مشكلة، أي حاجة. أنت بقالك فترة مش أنت.” حط الشوكة، مسح بقه، واتكلم ببطء محسوب: “إنتي مكبرة الموضوع. كل الناس عندها ضغوط.” قلت له: “طيب والريحة؟” وقتها وشه اتشد مرة واحدة، وكأنه كان متوقع السؤال ده ومستنيه. قال بعصبية مكتومة: “زهقت من الموضوع ده! ما فيش ريحة. ولو فيه، تبقى من الماسورة ولا الجيران. إنما كل شوية تقوليلي الريحة، الريحة… إنتي هتجننيني.” وبعدها قام من على الأكل قبل ما يخلصه، ودخل الأوضة وقفّل على نفسه. ساعتها، ولأول مرة، ما حستش إني ست قلقة بتهوّل، حسّيت إني ست واقفة قدام باب مقفول بإحكام، واللي جوه الباب ده لو اتفتح حياتها كلها ممكن تتشق نصين.
من بعدها، بدأت أراقب أكتر من غير ما أبين. مش مراقبة الزوجة اللي بتدور على خيانة تقليدية وبس، لأ، كنت بدور على أي خيط يفهمني إحنا عايشين مع إيه. فتحت دولابه يوم وهو في الشغل، لقيت هدومه متعلقة كالمعتاد، ريحة البرفان بتاعه في القماش، لكن في الدرج التحتاني لقيت ورق مطوي بعناية. قلبي دق، فتحته بسرعة، طلع إيصالات تحويلات بنكية ومبالغ مش قليلة اتبعتت لأسماء ما أعرفهاش. فيه اسم ست اتكرر مرتين، وفيه اسم راجل مكتوب تحته “مستحقات”. وقفت شوية أحاول أفهم، لكن الإيصالات لوحدها ما قالتليش حاجة كاملة. لقيت كمان ورقة عليها عنوان في منطقة شعبية بعيدة عننا، مكتوب بخط مش خط محمود، وتحت العنوان جملة قصيرة: “بعد العشاء أفضل”. رجعت كل حاجة مكانها قبل ما يرجع، لكن بقيت طول اليوم أفكر: هل فيه ست؟ هل فيه ديون؟ هل فيه مصيبة أكبر؟ وفي نص كل الاحتمالات دي، كانت الريحة لسه موجودة، كأنها الدليل الوحيد الحقيقي على إن فيه شيء مادي وملموس بيشاركنا السرير والحياة والليل.
بعدها بأسبوع، حصل موقف خلاني أخاف منه فعلًا. كنت بنفض الملاية في الصبح، ولقيت حاجة صلبة تحت القماش من ناحيته. مدّيت إيدي اتحسس، لقيتها مش حاجة صغيرة، كأن فيه كتلة أو جسم مستخبي جوه المرتبة نفسها. لسه كنت هضغط أكتر علشان أعرف شكلها، لقيت صوته من عند باب الأوضة بيقول بحدة مرعبة: “بتعملي إيه؟” التفتّ لقيته واقف، كان راجع بدري بشكل مفاجئ، والباب لسه مفتوح ووراه نور الصالة. قلت بتلعثم: “ولا حاجة… حسيت إن فيه حاجة ناشفة جوه.” قرب مني خطوتين، وبص ناحية المكان اللي لمسته، وبعدين بصلي، نظرة طويلة خلتني أحس إني اتقفشت متلبسة في جريمة. قال بنبرة واطية أخطر من الزعيق: “متقربيش من المرتبة دي تاني. فاهمة؟” قلت وأنا بحاول أتماسك: “ليه؟” سكت ثانية، وبعدها رد رد غريب جدًا: “علشان اللي جواها مش ليكي.” الجملة دي نزلت على قلبي زي تلج ونار مع بعض. قبل ما ألحق أستوعبها، هو بنفسه سحب الملاية وسوّى السرير بعصبية، وبعدها خرج كأنه ماقالش حاجة. طول اليوم الجملة دي فضلت ترن في ودني: “اللي جواها مش ليكي.” أومال لمين؟ وإيه اللي ممكن يتحط جوه مرتبة في بيت زوجين، ويتقال عليه بالشكل ده؟
الليلة اللي قبل سفره كانت الأتقل. الجو كان خانق رغم إننا في آخر الشتا، والأوضة مقفولة بطريقة غريبة، كأن الهواء نفسه رافض يدخل. محمود كان ساكت زيادة عن اللزوم، قاعد على طرف السرير، بيبص للموبايل ويطفيه ويفتحه، وأنا قاعدة على التسريحة أسرح شعري وقلبي مقبوض. فجأة سألته من غير مقدمات: “إنت بتحبني يا محمود؟” السؤال نفسه فاجأني قبل ما يفاجئه. بصلي من المراية وقال بعد ثواني: “أكيد.” قلت: “طيب ليه حاسة إن فيه حاجة كبيرة بينا إنت مخبيها؟” نزل بعينه، وقام وقف وراح عند الشباك. كان ضهره ليّا وهو بيقول: “فيه حاجات لما تتعرف بتبوظ كل حاجة.” قمت له ووقفت بعيد عنه سنة، قلت: “طب ما يمكن اللي بيبوظ كل حاجة هو السكوت.” التفت وبصلي، وكان في عينه وقتها شيء ما شفتوش قبل كده، مش بس غضب ولا خوف، لكن تعب أسود، زي واحد ماشي في طريق غلط وبقى عارف إنه غلطان بس كمل فيه لآخره. وبعدها قال: “بلاش تفتحي أبواب مقفولة.” ونزلت الكلمة على قلبي تقيلة، لأنها كانت تاني مرة يستخدم تعبير شبه ده. باب مقفول… واللي جوه المرتبة مش ليا… والريحة… والسهر… والإيصالات… كل حاجة بقت كأنها قطع من صورة واحدة وأنا لسه مش شايفاها كاملة.
الصبح قال إنه مسافر بورسعيد تلات أيام. جهز شنطته بسرعة ملحوظة، وباس راسي وهو خارج وقال بنبرة حاول يخليها عادية: “خلي بالك من نفسك، واقفلي الباب كويس.” الجملة دي عادية جدًا، أي راجل ممكن يقولها لمراته وهو نازل، لكن لسبب ما حسّيتها تهديد مش نصيحة. يمكن لأن صوته كان بارد أوي، أو لأن عينه ما ثبتتش في عيني، أو لأني كنت أصلًا عايشة على حافة الشك. وقفت في البلكونة أراقبه وهو نازل السلم، بعدين شفته من الشباك ماشي في الشارع بخطوات ثابتة، وما بصش لفوق مرة واحدة. أول ما اختفى من آخر الشارع، البيت سكت سكة ثقيلة، السكة اللي بتحصل لما تبقي لوحدك فعلًا، من غير نفس تاني ولا حركة تانية، وتكتشفي إنك خايفة من جدران بيتك أكتر من الشارع كله. فضلت ساعة كاملة أحاول أقنع نفسي أسيب الموضوع. قلت أهو راجع بعد تلات أيام، وأي حاجة أكيد هتظهر لوحدها، وأنا مالي وجع القلب. لكني ما عرفتش. كل ما أبص على السرير، أحس إنه بيستدعيني. كل ما أدخل الأوضة، الريحة تضربني كأنها تقول لي: “أنا هنا… تعالي لو عندك جرأة.” وفي الآخر، الغلبة كانت للرعب المختلط بالفضول. جبت القطر من درج المطبخ، لبست جوانتي مطبخ كأني داخلة أعمل عملية، وسحبت المرتبة لمنتصف الأوضة.
وأنا ببدأ أول غرزة في القماش، إيدي كانت بتترعش بطريقة فضحتني قدام نفسي. ماكنتش بطلة، ولا حتى شجاعة، أنا كنت مرعوبة. لكن الخوف ساعات بيبقى هو نفسه اللي بيزقك تعملي الحاجة. أول ما القماش اتفتح شوية، خرجت نفحة خنقتني لدرجة إني سعلت ودموعي نزلت. الريحة كانت مركزة، قديمة، ملبدة، فيها عطن وشيء معدني وشيء عضوي محروق ومتعفن في نفس الوقت. وسّعت الفتحة وأنا حاسة إن قلبي بيخبط في ضلوعي، وبدأت أزيح طبقات الإسفنج واحدة واحدة. كل طبقة أشيلها كانت كأنها بتكشف لي سنة زيادة من الكذبة اللي أنا عايشاها. وفجأة، خبطت صوابعي في شيء صلب ومكور. بعدت الإسفنج أكتر، وظهر طرف شنطة بلاستيك سودا كبيرة، مربوطة بحبل. كان عليها بقع خضراء وسودا كأن العفن مسك فيها من زمان. للحظة فكرت أقفل كل حاجة وأجري، أنزل لأي جارة، أنده حد، لكن فضولي كان سبقني. سحبت الشنطة بصعوبة لحد ما طلعت جزء كبير منها من جوه المرتبة. كانت أتقل مما توقعت. ركعت على الأرض، وأنا بالكاد قادرة أتنفس، وفكيت الحبل. كل حاسة فيا كانت بتقول لي توقفي، لكني كملت.
لما فتحت الشنطة، ما لقيتش جثة زي ما خيالي الأسود كان متوقع، ولا فلوس، ولا مخدرات، ولا حتى أوراق شغل سرية. لقيت حاجة أبشع لأنها كانت شخصية جدًا وغامضة جدًا في نفس الوقت. كان فيه كيس قماش صغير مربوط، وحواليه خصلات شعر طويلة متشابكة، في منها الأسود والبني والأصفر المصبوغ، وكأنها متجمعة من أكتر من ست. كان فيه صور ليا أنا شخصيًا، صور قديمة وحديثة، بعضها من فرحنا، وبعضها وأنا واقفة في المطبخ أو في بلكونة الشقة، صور ما اعرفش اتاخدت إمتى ولا إزاي. وكان فيه صور تانية لستات ما أعرفهمش، لكن كلها متقطعة من الأطراف أو ملامحها متشوهة بمادة سودة كأن حد حاول يمسح وشوشهم. إيدي كانت بتغوص جوه الشنطة وأنا مش مصدقة، لحد ما وصلت للكيس القماش الصغير اللي الريحة كانت طالعة منه بشكل مركز. فتحته، وقلبي وقف حرفيًا. كان جواه شيء ملفوف بسلك نحاس، ومعاه ورق مطوي فيه خطوط وحروف غريبة وطلاسم ورسومات باهتة، وفي النص قطعة لحم ناشفة أو عضو صغير متيبس، شكله قريب من لسان حيوان، ومكتوب على الورقة اسمي “هناء” بحبر لونه بين الأحمر والبني، وحواليه نقاط وعلامات ما فهمتهاش. في اللحظة دي، حسيت إن العالم كله مال بيّا. مش بس لأن المنظر مرعب، لكن لأن كل حاجة فجأة خدت معنى واحد: محمود مخبي في مرتبتنا حاجة مقصود بيها أنا. أنا شخصيًا. حياتي. اسمي. وجودي.
رجعت بظهري لورا وأنا مخضوضة، وكأني لو بعدت جسمي شوية هيبقى اللي شوفته أقل حقيقة. دماغي جريت في ألف اتجاه في لحظة: هل هو دجال؟ هل حد عامل له حاجة؟ هل دي خيانة مع واحدة مجنونة؟ هل هو بيأذيني؟ هل كان عايزني أفضل تعبانة وخايفة؟ افتكرت حاجات قديمة كنت بعدّيها زمان على إنها مصادفات: إسقاطي اللي حصل من سنتين في أول حمل وما عرفناش سببه، الكوابيس المتكررة اللي رجعتلي من شهور، الصداع اللي كان يمسكني بعد نص الليل، والخناق اللي بيحصل كل ما أحاول أقرب من الناحية دي في السرير. لأول مرة حسّيت إن الجواز كله، السنين كلها، يمكن تكون مبنية على حاجة أنا ما كنتش شايفاها. ماكنتش حتى لاقية نفسي أعيط. الصدمة ساعات بتبقى أنشف من الدموع. وقفت بالعافية، بصيت حواليّ كأني صحيت في بيت مش بيتي. أوضة النوم اللي عشت فيها تمان سنين بقت فجأة مسرح جريمة أو قبر حي. وكان أول شيء منطقي جه في دماغي: لازم أطلع من هنا حالًا.
جريت ناحية الدولاب أجيب شنطتي أو حتى موبايلي، لكن قبل ما أوصل، سمعت الصوت اللي شق ضهري نصين: تكة المفتاح في باب الشقة. اتجمدت. في البداية قلت يمكن خيال، يمكن جار، يمكن الباب اللي برّه، لكن لا… كان صوت بابي أنا. وبعدها صوت الخطوات اللي حافظاها: هادية، محسوبة، قريبة. قلبي بقى يدق لدرجة حسّيته هيفضح مكاني. بصيت بسرعة ناحية الساعة، ولسه النهار بدري جدًا، مستحيل يكون رجع من سفر طبيعي. معنى كده شيء واحد: هو ما سافرش أصلًا. كان بيختبرني. كان متأكد إني هفتح المرتبة أول ما يمشي. في اللحظة دي، كل شعرة في جسمي وقفت. الأوضة كانت فوضى، المرتبة متشرحة، الشنطة مفتوحة، وأنا واقفة في نص الكارثة متلبسة بمعرفة ماكانش مسموح لي أعرفها. سمعت باب الأوضة بيتفتح ببطء، والتفتّ.
دخل محمود بهدوء يخوف أكتر من أي هجوم. ما كانش متعصب، ما كانش بيجري، ما كانش حتى متفاجئ. وقف عند الباب ثواني، عينه نزلت على المرتبة المفتوحة، على الشنطة، على الأوراق، على الكيس، وبعدين طلعت عليّا. الملامح اللي قدامي ما كانتش ملامح الراجل اللي عشت معاه، ولا حتى النسخة المتوترة منه في الشهور الأخيرة. كانت ملامح جامدة، باهتة، كأن كل مشاعر الإنسان العادي اتسحبت منها. وبعدين ابتسم. ابتسامة صغيرة، صفراء، لا فيها دفا ولا سخرية، مجرد اقتناع إن اللي كان متوقعه حصل بالظبط. قال بصوت واطي: “قلتلك يا هناء اقفلي الباب كويس وخلي بالك من نفسك.” ما قدرتش أرد. لساني كان لازق في سقف بوقي. كمل وهو بيتقدم خطوة: “بس إنتي ماعرفتيش تسمعي الكلام.” قلت بالعافية: “إيه ده؟” ضحك ضحكة قصيرة وقال: “سؤال متأخر.” قلت وأنا أتراجع: “إنت مجنون؟ إنت كنت مخبي ده تحتنا؟ ده باسمي أنا… إيه اللي إنت عامله؟” سكت لحظة، وكأنه بيفكر يرد ولا لأ، وبعدين قال: “فيه ناس ما بتتفهمش بالحب ولا بالستر.” فهمت من نبرته إنه مش شايف نفسه مجرم، شايف نفسه صاحب حق. ودي كانت أبشع لحظة من كل اللي قبلها.
قلت له وأنا حاسة بركبتي بتسلم: “أنا هصرخ. هلمّ الجيران. هبلغ الشرطة.” رفع حاجبه كأن الكلام ده ساذج، وبص حواليه على الأوضة وبعدين قال: “هتقولي لهم إيه؟ إنك فتحتي مرتبتك ولقيتي حاجات ما تعرفيهاش؟ وإن جوزك بيعمل لك عمل؟” قرب أكتر، وبقى بيني وبينه أقل من خطوتين. “إنتي فاكرة الناس هتصدقك؟ ولا هتقولي عليهم طلاسم؟ ولا شعر؟ ولا صور؟ هتلاقي نفسك إنتي اللي متهمة بالجنون.” كان بيتكلم بثقة مرعبة، ثقة واحد فكر في السيناريو ده من قبل. وقتها فهمت إن الموضوع ما كانش لحظة تهور ولا نزوة. ده ترتيب. ده شيء متبني من زمان. شيء اتعمل وهو عارف أنا ممكن أتصرف إزاي لو اكتشفته. ساعتها، ولأول مرة من بداية الرعب، حاجة جوه دماغي اشتغلت صح: لو هو متوقع انهياري، يبقى لازم ما انهارش. لازم أشتري وقت.
فغيّرت نبرتي فجأة، وقلت وأنا أرجع خطوة وأحاول أبين إني أهدى: “أنا… أنا مش فاهمة، بس لو فيه حاجة قولي. يمكن أكون ظلمتك.” عينه ضاقت سنة، كأنه بيقيس صدقي. قلت بسرعة: “أنا بس اتخضيت. المنظر يخض. إنما لو فيه تفسير… أنا عايزة أفهم.” يمكن كان غروره، ويمكن إحساسه بالسيطرة، لكني شفته بيرخي كتفه شوية. قال: “مش كل حاجة ينفع تتفهم. فيه شغل بيتعمل علشان البيت يفضل واقف، علشان الست ما تخرجش عن طوع جوزها، علشان المشاكل ما تكثرش، علشان اللي في البيت يفضل في البيت.” وأنا بسمعه، أحسست بحاجة أبرد من الخوف نفسه: الاشمئزاز. يعني هو شايفني شيء يُربط ويُسكت ويُدار؟ شايف الجواز قفص، وأنا عصفور يتخيط جناحه بطلاسم؟ اتكلمت وأنا ثابتة بصعوبة: “مين اللي عمل لك ده؟” قال: “ناس بتفهم.” قلت: “وليه أنا؟ أنا عملت لك إيه؟” هنا اتبدلت ملامحه لحظة وطلع الغضب من تحت الجمود، وقال: “من ساعة ما بقيتي تسألي كتير، وتبصي في حاجتي، وتعملي فيها فاهمة كل حاجة… البيت ما بقاش هادي. أنا كنت عايز راحة.” كلماته نزلت عليّ كصفعة أقسى من أي ضرب. يعني كل ده… علشان راحته؟
وأنا واقفة قدامه، اتفتحت قدامي سنين كاملة كنت بفسرها غلط. مشاهد صغيرة كانت بتمرّ عليّ على إنها عصبية شغل أو ضغط أو اختلاف طباع، وفجأة شفتها بمعنى تاني. إلحاحه القديم إني أسيب الشغل بعد الجواز، تضايقه من زياراتي لأهلي، طريقته وهو بيحب يعرف أنا فين ومع مين، زعله المبالغ فيه لو اتأخرت برا البيت، تعليقاته اللي كنت أعديها على إنها غيرة وهو بيقول: “أنا عايزك ليا وبس.” كنت فاكرة دي أنانية محب، طلعت أنانية سجان. والريحة؟ الريحة كانت يمكن أول مرة السر نفسه يتمرد ويخرج من مخباه. أول مرة الشيء اللي خباه حرفيًا جوه المرتبة يقرر يفضحه. لولا الريحة، كان يمكن أفضل نايمة سنين فوق الرعب من غير ما أعرف.
وأنا بفكر، كانت إيدي اتحركت من غير ما أبين ناحية التسريحة، ناحية موبايلي اللي كنت حطاه هناك من بدري. هو كان مركز في وشي، في رعشتي، في الكلام، وده اداني ثانية محتاجاها. مسكت الموبايل وضغطت بسرعة على زر الاتصال من غير ما أبص، لأختي فاطمة، آخر رقم كنت مكلمة بيه الصبح. ما عرفتش هل الاتصال تم فعلًا ولا لأ، لكني سمعته بيقول: “بتعملي إيه؟” رفعت عيني له وقلت: “ولا حاجة.” وقتها قرب أسرع، ومد إيده، فصرخت بأعلى صوت عندي. صرخة واحدة خرجت من مكان أعمق من صدري، من كل ليلة اتخنقت فيها وأنا ساكتة. الصرخة شقت العمارة. وهو مد إيده على موبايلي وقع على الأرض، لكني صرخت تاني وثالث، وبدأت أخبط على الدولاب وعلى الحيطة، وأنده بأسماء الجيران. في عمارة زي عمارتنا، الصوت ما بيضيعش. ما فاتتش ثواني إلا وكان فيه خبط على باب الشقة، وصوت أم علاء من بره بتنادي، وصوت راجل بيقول: “افتح يا أستاذ محمود!” وشفت في عينه لأول مرة ارتباك حقيقي. ارتباك اللي حساباته ما جتش كاملة.
اتحرك ناحية باب الأوضة بسرعة، وأنا استغليت اللحظة وجريت للصالة وفتحته قبل ما يلحقني. الجيران دخلوا متكدسين، أم علاء بملاءتها، وابنها، والحاج مدبولي من الشقة اللي قدامنا، ووراهم بنتين من الدور التالت. كنت منهارة، شعري مبهدل، ووشي أصفر، وبإيدي الورقة اللي عليها اسمي من غير ما أحس إني شايلها. محمود وقف ورايا في الصالة، حاول يركّب وش طبيعي وقال إن في سوء تفاهم، إني فتحت المرتبة واتخضيت، لكن منظري كان بيقول غير كده، والريحة اللي خرجت من الأوضة كانت بقت مالية الشقة كلها، لدرجة إن أم علاء غطت مناخيرها وقالت: “إيه ده يا نهار إسود!” دخلوا الأوضة، وشافوا المرتبة مفتوحة والشنطة طالعة من جواها، وكل شيء انفضح دفعة واحدة. ماعرفش بالضبط مين اتصل بالشرطة، يمكن الحاج مدبولي، يمكن بنت من البنات، لكن اللي أعرفه إن اللحظة دي كانت أول مرة من شهور أحس إن فيه هواء دخل صدري من غير عفن.
بعد الليلة دي، حياتي ما رجعتش زي الأول، وطبيعي ما ترجعش. قعدت فترة عند أختي، ما كنتش بعرف أنام غير والنور مفتوح، وأي ريحة غريبة مهما كانت بسيطة كانت بترجع لي الرعشة. التحقيقات خدت وقت، والكلام كتر، وكل واحد حكى الحكاية بطريقته. فيه اللي قال محمود اتضحك عليه من ناس نصابين، وفيه اللي قال كان داخل في سكة سودة من زمان، وفيه اللي أضاف من عنده حكايات وبهارات زي ما الناس بتعمل. أنا ما بقيتش يهمني تفسيرهم. اللي كان يهمني شيء واحد: إني نجيت. نجيت قبل ما أضيع أنا كمان جوه مرتبة، أو جوه بيت، أو جوه جواز اسمه ستر وهو في الحقيقة دفن. عرفت بعدين إن الشجاعة مش إنك ما تخافيش؛ الشجاعة إنك تعترفي بخوفك وما تسيبيهوش يكممك. وعرفت كمان إن الست ساعات كتير بتحس إن فيه حاجة غلط قبل ما تملك دليل، والناس كلها تقول لها: أوهام، تعب، حساسية، توتر. لكن الإحساس نفسه، ذاك الصوت الداخلي الصغير، ممكن يكون الشيء الوحيد الصادق وسط جبل الكذب.
أوقات لسه بصحى بالليل وأفتكر التكة بتاعة المفتاح، والابتسامة الصفراء على وشه، والشنطة السودا وهي طالعة من جوه المرتبة كأنها بطن البيت نفسها فتحت واتكلمت. وأفتكر نفسي قبلها، هناء اللي كانت دايمًا تبرر وتعدّي وتقول: “معلش، أكيد ضغط، أكيد شغل، أكيد سوء فهم.” وأحزن عليها شوية، لكني ما بلومهاش. لأنها كانت بتحاول تحافظ على بيتها، وده اللي اتعلمناه كلنا: استحملي، اعدّي، سِتري، ما تكبريش الموضوع. بس الحقيقة إن بعض البيوت ما بتتسترش، بعض البيوت لازم تتفتح شبابيكها مرة واحدة لحد ما الغبار والعفن والسرّ يطلعوا بره. وأنا لما فتحت المرتبة يومها، ما كنتش بفتح قماش وإسفنج وبس، كنت بفتح وهم سنين كاملة. ويمكن المشهد كان مرعب، ويمكن اللي شفته وقف قلبي فعلًا، لكن لو ما كنتش شفته، كان قلبي هيقف بطريقة أبطأ وأقسى، كل ليلة وأنا نايمة جنب ريحة الموت من غير ما أفهم.
لذلك، لو للحكاية دي معنى، فهو إن الرائحة لا تكذب. العفن لا يخرج من فراغ. والأسرار مهما اتخبت في أعمق مكان، بين طبقات القماش والإسفنج، بين وسادة ووسادة، بين كلمة حلوة وابتسامة باهتة وسفرية شغل ملفقة، لا بد في يوم من الأيام أن تجد طريقها إلى السطح. قد تظهر في هيئة ريحة غريبة، أو خوف مبهم، أو نظرة مش في محلها، أو جملة متكررة فيها تهديد مستتر. لكنّها تظهر. وعندما تظهر، لا يجب أن نعتذر عن خوفنا منها، ولا أن ندفن رؤوسنا في العادي والمألوف. لأن بعض الأشياء لا تحتاج إلى إثباتات كثيرة كي نعرف أنها شر. يكفي فقط أن تشمّها روحك قبل أن تشمّها أنفك. وأنا، من يومها، كل ما سألني أحد عن بداية الحكاية، لا أقول إن بدايتها كانت في الشنطة ولا في الطلاسم ولا في رجوع محمود المفاجئ. أقول ببساطة: بدأت من ليلة، وأنا نايمة جنب راجل حسبته سندي، وشميت في سريري ريحة لم تكن ريحة قماش متسخ… بل ريحة الحقيقة وهي تتعفن تحت رأسي.