كنت بدفع لأمي فلوس عشان تهتم بمراتي.. لكن اللي شوفته وهي بتاكل خلاني أكتشف الحقيقة المرعبة
اليوم ده كان المفروض يبقى يوم عادي جدًا، لكن أوقات الحياة بتقرر فجأة تقلب كل حاجة رأسًا على عقب من غير مقدمات. الكهربا قطعت في الشغل، والمدير قال نمشي بدري، فقلت دي فرصة أرجع البيت وأفاجئ مراتي “هنا”، خصوصًا إنها لسه والدة، وكنت حابب أشوفها مبسوطة حتى لو بحاجة بسيطة. وأنا راجع، عدّيت على السوق وجبت لها علبة لبن مستورد الدكتور كان موصي بيها، وكنت متخيل شكل فرحتها لما تشوفها، كنت متخيل ضحكتها، ويمكن حتى دموعها من الامتنان، لأن الفترة اللي بعد الولادة كانت صعبة عليها جدًا، وكنت بحاول بكل طاقتي أهونها عليها حتى لو بحاجات صغيرة.
أول ما وصلت قدام الشقة، لاحظت إن الباب موارب شوية، وده كان غريب لأن أمي دايمًا حريصة تقفله كويس، خصوصًا مع وجود طفل صغير في البيت. دخلت بهدوء، كان فيه سكون غريب، مش السكون المريح اللي بييجي مع النوم، لا… سكون تقيل يخوف. قلت يمكن الطفل نام أخيرًا، وأمي نزلت عند الجيران زي عادتها، فحطيت علبة اللبن على الترابيزة، وقررت أدخل المطبخ أسخن لها حاجة تاكلها قبل ما تصحى. لكن أول ما قربت من باب المطبخ، وقفت مكاني كأني اتصدمت في حيطة مش شايفها، لأن اللي شفته قدامي ما كانش طبيعي.
هنا كانت قاعدة على الترابيزة، جسمها منحني، وبتاكل بسرعة غريبة جدًا، بسرعة حد خايف الأكل يتاخد منه، أو حد ما صدق لقى لقمة. إيديها كانت بترتعش، وعينيها مش مركزة في أي حاجة، غير الطبق اللي قدامها، والدموع كانت نازلة على خدها من غير صوت، وكل شوية تمسحها بسرعة وكأنها خايفة حد يشوفها. المنظر كان موجع بطريقة مش مفهومة، لأن دي مش واحدة بتاكل… دي واحدة بتصارع الجوع. وقفت لحظة مش فاهم، وقلت بصوت عالي شوية: “إنتي بتعملي إيه؟ بتاكلي كده ليه؟”
اتخضت لدرجة إن المعلقة وقعت من إيدها، وبصت لي بوش شاحب، وكأنها اتقفشت في جريمة كبيرة. حاولت تغطي الطبق بإيدها، وقالت بتوتر: “أنا… كنت باكل بس.” لكن نبرتها كانت مكسورة، ونظرتها فيها خوف مش طبيعي. قربت منها من غير كلام، وشدت الطبق من قدامها، وأول ما بصيت فيه حسيت إن قلبي وقع. رز بايت… ناشف… ومخلوط برؤوس سمك وعظم صغير حاد، منظر ما يتقدمش حتى لحيوان، فكيف لإنسانة لسه والدة؟
وقفت مصدوم، مش فاهم اللي بيحصل، أنا كنت بدفع لأمي مبلغ كبير كل شهر، عشان تهتم بمراتي، تأكلها أحسن أكل، وتخليها ترتاح بعد التعب اللي شافته، فإزاي ده الأكل اللي بتاكله؟ بصيت لها وقلت بصوت متكسر: “ده إيه؟ إنتي بتاكلي كده ليه؟” سكتت شوية، وبعدين قالت وهي بتعيط: “كنت جعانة بس…” الكلمة دي ضربتني أكتر من أي حاجة، لأنها مش مجرد كلمة… دي إدانة لكل حاجة كنت فاكرها صح.
صرخت فيها وأنا مش قادر أسيطر على نفسي: “جعانة؟! إزاي تبقي جعانة وأنا بدفع فلوس عشانك؟! أمي فين؟!” هنا بدأت تحكي، وهي بتترعش من الخوف، وقالت إن أمي كانت بتاخد الأكل الطازة وتديه لأختي، وتسيب لها البواقي، وتقول لها إن ده “نعمة” ولازم تاكله. كل كلمة كانت بتطلع منها كانت بتكسرني، لأن الحقيقة كانت أبشع من أي شك مر عليا قبل كده. أنا كنت فاكر إني بأمن بيتي، لكني كنت بسلّم مراتي لظلم من أقرب الناس ليا.
في اللحظة دي، سمعنا صوت مفتاح الباب، وأمي دخلت وهي بتضحك، لكن أول ما شافتني، ضحكتها اتجمدت. بصت للطبق في إيدي، وبصت لهنا وهي بتعيط، وساعتها بس فهمت إنها اتكشفت. قلت لها بهدوء مرعب: “تعالي شوفي الأكل اللي كنتي بتأكليها ليه.” حاولت تبرر، لكني ما سبتهاش تكمل، لأن اللي شفته كان أكبر من أي تبرير. رميت الطبق على الأرض، وقلت لها إن الفلوس دي كانت أمانة، وهي خانتها، مش بس في مراتي… لكن فيا أنا كمان.
في اللحظة دي، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت ومش هتتصلح تاني، لأن الخيانة لما تيجي من غريب بتوجع، لكن لما تيجي من أم… بتكسر. أخدت هنا في حضني، وكانت بتترعش، وساعتها فهمت إن القرب مش بالدم، القرب بالرحمة، وإن اللي مافيش في قلبه رحمة… حتى لو كان أقرب الناس… ما يستاهلش مكان في حياتك. ومن اليوم ده، قررت إن بيتي يبقى أمان للي جواه… حتى لو كان التمن إني أقفل الباب في وش ناس كنت فاكرهم سندي.
اللي حصل بعدها ما كانش مجرد خناقة عادية بين أم وابنها، ولا حتى مواجهة عابرة ممكن تتنسي مع الوقت، ده كان كسر حقيقي في حاجة جوه قلبي أنا شخصيًا. قعدت في الصالة وأنا ساكت، وهنا في حضني بتهدى بالعافية، وأمي واقفة قدامي بتحاول تلاقي كلام تلم بيه اللي حصل، لكن ولا كلمة كانت قادرة تغير اللي شوفته بعيني. لأول مرة أحس إن البيت اللي كنت فاكره أمان، فيه زاوية مظلمة أنا ما كنتش شايفها. كل حاجة بدأت تترتب في دماغي بشكل مخيف… نظرات هنا اللي كنت بفتكرها تعب، سكاتها اللي كنت بحسبه هدوء، فقدان شهيتها اللي كنت ببرره بالولادة… كله كان بيقول حاجة واحدة: إنها كانت بتتأذى وأنا مش واخد بالي.
قومت من مكاني بهدوء غريب، دخلت أوضتي، وفتحت الدولاب، وطلعت الفلوس اللي كنت مجهزها للشهر الجديد، نفس الفلوس اللي كنت ناوي أديها لأمي زي كل مرة، لكن المرة دي مسكتها في إيدي وبصيت لها وكأنها بقت بلا قيمة. الفلوس دي اللي كنت فاكرها بتشتري راحة مراتي، كانت في الحقيقة بتشتري وجعها. رجعت للصالة، حطيت الفلوس على الترابيزة قدام أمي، وقلت لها بصوت ثابت: “الفلوس دي مش ليكي تاني… لأنك ما حافظتيش على الأمانة.” كانت بتبصلي بصدمة، يمكن مش متخيلة إن الموضوع كبر للدرجة دي، أو يمكن كانت فاكرة إني هعديها زي كل مرة، لكن المرة دي كانت مختلفة… المرة دي أنا شفت الحقيقة.
أمي حاولت تقرب، حاولت تمسك إيدي وتقول كلام عن “النية” و”النعمة” و”الظروف”، لكن كل كلمة كانت بتطلع منها كانت بتفقد معناها قبل ما توصلني. لأن اللي شفته ما كانش سوء تصرف، كان إهمال متعمد، كان قسوة مغلفة بكلام دين، وكان استغلال لثقتي بشكل ما ينفعش يتغفر بسهولة. قلت لها بهدوء: “أنا كنت بسيب مراتي في إيدك عشان أكون مطمن… مش عشان ترخصيها.” الكلمة دي وقفتها مكانها، وكأنها لأول مرة تفهم إن الموضوع مش مجرد أكل، الموضوع كرامة إنسانة كانت تحت رعايتها.
الليلة دي، ما خليتهاش تقعد في البيت، ما قدرتش أبص في وشها وأنا فاكر منظر هنا وهي بتاكل كده، وهي خايفة تتكشف، وهي بتمسح دموعها بسرعة كأنها عاملة حاجة غلط. أمي خرجت وهي مش مصدقة اللي حصل، وأنا قفلت الباب وراها بإيدي، وإحساس تقيل جدًا جوايا، إحساس إن القرار ده كان لازم يتاخد، حتى لو كان صعب. رجعت لهنا، لقيتها قاعدة ساكتة، عينيها فيها خوف ولسه مش مصدقة إني وقفت في صفها، لأن يمكن جواها كانت متوقعة إني أصدق أمي، أو ألومها هي، أو أعدي الموضوع. لكن أنا قعدت جنبها، ومسكت إيدها، وقلت لها بهدوء: “من النهاردة… محدش هيكسر خاطرك وأنا موجود.”
الأيام اللي بعد كده كانت مختلفة، البيت بقى أهدى، لكن الهدوء ده كان فيه نوع من الحذر، لأن الثقة لما بتتكسر مش بترجع بسهولة. بدأت أهتم بكل حاجة بنفسي، أجيب الأكل، أطبخ أوقات، أرتب البيت، مش عشان أثبت حاجة، لكن عشان أعوض جزء من اللي فاتني وأنا مش واخد بالي. وهنا بدأت ترجع واحدة واحدة، صحتها اتحسنت، لون وشها رجع، وبقت تاكل من غير خوف، بس رغم كده، كان فيه حاجز صغير بيننا… حاجز اسمه “اللي حصل”، حاجز محتاج وقت عشان يتشال.
وفي يوم، وأنا قاعد لوحدي، سألت نفسي سؤال وجعني أكتر من أي حاجة: “أنا كنت فين؟” إزاي ما خدتش بالي؟ إزاي ما سألتش؟ إزاي ما لاحظتش؟ الحقيقة كانت مرة… إني كنت مشغول، مشغول بالشغل، بالفلوس، بالمسؤوليات، لدرجة إني نسيت أبص كويس على اللي بحبهم. فهمت وقتها إن مش كل الإهمال بيبقى مقصود، لكن نتائجه بتبقى قاسية بنفس الدرجة. ومن اليوم ده، وعدت نفسي إن عمري ما هسيب حد بحبه تحت رحمة حد تاني، حتى لو كان أقرب الناس ليا.
اللي حصل ما خلانيش أكره أمي… لكن خلاني أشوفها بشكل مختلف، خلاني أفهم إن مش كل حب بيبقى رحمة، ومش كل قرب بيبقى أمان. وفي نفس الوقت، خلاني أقرب أكتر لهنا، مش كزوج بس، لكن كشخص مسؤول عن أمانها وكرامتها. يمكن اللي حصل كان قاسي، لكن علمني درس عمره ما هيتنسي: إن البيت مش بس سقف وفلوس… البيت إحساس بالأمان، ولو الأمان اتكسر، يبقى كل حاجة تانية مالهاش معنى.