كنت بسمع كلام أمي وأصدق إن مراتي ضعيفة.. لحد ما الكاميرا كشفت الحقيقة

كنت بسمع كلام أمي وأصدق إن مراتي ضعيفة.. لحد ما الكاميرا كشفت الحقيقة


كنت بسمع كلام أمي وأصدق إن مراتي ضعيفة.. لحد ما الكاميرا كشفت الحقيقة

قصة إنسانية طويلة عن زوج عاش فترة يصدق أن زوجته بعد الولادة “كسولة” ولا تتحمل المسؤولية، إلى أن كشفت له كاميرا الغرفة الحقيقة الكاملة، وحوّلت نظرته للحياة ولأقرب الناس إليه.

أنا اسمي تامر، ولو حد سألني إمتى حسّيت إني خسرت نفسي فعلًا، مش هقول يوم اتجوزت بدري، ولا يوم الديون زادت، ولا حتى يوم ابني اتولد والدنيا اتقلبت فوق دماغي. اللحظة الحقيقية كانت وأنا قاعد في مكتبي في الشغل، ماسك الموبايل بإيد بتترعش، وبشوف بعيني مشهد عمري ما كنت أتخيل إنه يحصل في بيتي، ولا على إيد أمي، ولا قدام مراتي اللي كنت فاكر إني عارفها كويس. أنا طول عمري كنت فاكر إن أكبر خوف في الدنيا إن الراجل يطلع فقير أو عاجز أو مش قادر يشيل بيته، لكن الحقيقة طلعت أسوأ بكتير. أسوأ حاجة إنك تكتشف إنك كنت واقف تتفرج على ظلم بيحصل تحت اسمك، وإنك من كتر ثقتك في أقرب الناس ليك، ساهمت من غير ما تحس في كسر إنسانة كان المفروض تكون أنت سترها وحمايتها. ويمكن عشان كده كل ما أفتكر اللي حصل، مش بيوجعني بس اللي أمي عملته، بيوجعني أكتر إني أنا كمان كنت جزء من الصورة، حتى لو بالغفلة.

مريم مراتي عمرها ما كانت من النوع اللي يشتكي كتير. من أول يوم عرفتها فيه وهي شخصيتها هادية، مش بتحب المواجهات، ولا بتحب تدخل في خناقات، ولا حتى ترد الإساءة بسرعة. كانت دايمًا من الناس اللي يبلعوا الوجع ويسكتوا، يستخبوا في المطبخ أو الأوضة أو الصلاة أو الدموع بدل ما يفتحوا قلبهم ويولعوا الدنيا. ويمكن دي كانت أول حاجة شدتني لها، وخلتني أحس إنها زوجة هتعيش في هدوء وما تعملش مشاكل. لكن بعد الجواز، اكتشفت إن الهدوء ساعات بيكون نعمة، وساعات تانية بيكون لعنة، لأن الناس القاسية بتفهمه ضعف، والناس المسيطرة بتاخده مساحة أكبر تدخل فيها وتتمدد وتكسر من غير ما تلاقي حد يوقفها. أمي من النوع التاني. الست اللي كانت قدام الناس نموذج للأم المصرية المضحية، الست الجدعة اللي شايلة البيت، اللي بتصحى بدري، وتطبخ، وتستقبل الضيوف، وتدي نصائح في التليفون عن التربية والجواز والدين والصبر، لكن جوه البيت كانت شخص تاني خالص، شخص شايف إن أي ست تدخل حياة ابنها يبقى جاية تنازعها على ملكية خاصة.

أنا مكنتش شايف ده بوضوح في الأول، أو يمكن كنت بشوف ومش عايز أفهم. من بعد جوازنا واحنا عايشين في شقة العيلة في شبرا، الدور اللي فوقينا خالي، والدور اللي تحته عمتي، والشقة نفسها كبيرة نسبيًا، لكن الخنقة فيها كانت أكتر من اتساعها. مريم كانت بتحاول تتأقلم، تحترم أمي، ترد عليها باحترام، تساعد في البيت، وتثبت إنها مش داخلة تاخد ابنها منها. وأمي كانت في الأول بتتعامل بنوع من الرسمية الثقيلة، اللي هو لا هو حب ولا هو عداء صريح. لكن بعد حمل مريم، الموضوع بدأ ياخد شكل تاني. مريم تعبها كان صعب، وخصوصًا في الشهور الأخيرة. كانت بترجع من زيارة الدكتور تعبانة، تنام ساعات طويلة، تقوم تتقيأ، تتوجع، وترجع تكتم، وأمي طول الوقت تلمح قدامي: “البنت دي جسمها تعبان”، “مش متربية على الشيل”، “أنا خلفتكم وربيتكم من غير دلع البنات ده”. وأنا كنت أسمع وأسكت، وأحيانًا أقول لمريم: “استحمليها شوية، دي طريقتها”. والجملة دي النهارده لما أفتكرها بحس إني أكره نفسي، لأنها كانت نفس الجملة اللي كنت برمي بيها مراتي في النار وأنا فاكر إني بطفّيها.

بعد الولادة، الدنيا اتشقلبت أكتر. ابننا كان طفل جميل، لكن كثير البكاء، ونومه متقطع، ومريم خرجت من الولادة أضعف من أي وقت في حياتها. جسمها كله واجعها، الرضاعة سحبت من صحتها، ووشها بقى شاحب بطريقة تخض، وعينيها دايمًا محمرين كأنها ما نامتش من سنين. هي فعلًا ما كانتش بتنام. كانت تقول لي بالليل وهي بتحاول تفضل فاتحة عينيها: “أنا مبقتش عارفة أنا عايشة إزاي يا تامر”. وأنا كنت أحسبها من ضغط البيبي، من اكتئاب ما بعد الولادة، من تغير الهرمونات، من أي حاجة إلا الحقيقة. وأمي طول الوقت شغالة على ودني: “مراتك ضعيفة”، “مراتك مش نافعة للأمومة”، “الولد هيتعب منها”، “هي نايمة نص اليوم وأنا اللي شايلة البيت”. وكانت تقول الكلام ده قدام الجيران، قدام خالاتي، في التليفون، وحتى قدام صحابي لما يزورونا. ومع الوقت، الكلمة لما تتكرر كتير، بتبدأ تعمل صدع في عقلك حتى لو كنت رافضها. بقيت أرجع من الشغل ألاقي مريم فعلًا تحت البطانية، وساعات المطبخ مش مترتب، وساعات أمي عاملة نفسها مرهقة وهي شايلة الواد، فبقيت مشوش. أدافع شوية، أشك شوية، أضايق من نفسي، وأرجع أقول: يمكن أمي معاها حق في جزء، ويمكن مريم لازم تكون أقوى.

مريم كانت تطلب مني كتير نمشي من البيت ونستقل. ما كانتش تطلبها بصيغة أمر، بل بخوف. تقول لي وهي بتبص في الأرض: “لو سمحت يا تامر، خلينا نأجر أي حاجة صغيرة، أنا مش مرتاحة”. ولما أسألها ليه، كانت تقول كلام عام: “حاسّة إني مخنوقة”، “مش عارفة أرتاح”، “نفسي أقعد مع ابني من غير توتر”. وأنا كنت دايمًا أرد الرد الجاهز: “مش دلوقتي”. الإيجار غالي، الشغل مش ثابت، أمي ساعدتنا في مصاريف الولادة، وأقل واجب نستحمل شوية. كنت فاكر إني منطقي، وإنها هي المتوترة. ماكنتش أعرف إن الست اللي قاعدة قدامي وبتطلب النجدة من غير ما تقولها بصريح العبارة، كانت كل ليلة بتعيش جحيم صغير وأنا نايم أو في الشغل أو مشغول عن ملاحظته.

موضوع الكاميرا بدأ بحسن نية خالص. ابننا كان بيصحى كتير بالليل، وأحيانًا يبكي فجأة بلا سبب، فركبت كاميرا في الأوضة عشان أبقى مطمن عليه وأنا في الشغل، وعشان لو مريم احتاجتني أشوف الدنيا ماشية إزاي. بعدين نسيت الكاميرا تقريبًا. بقيت موجودة كده في الخلفية، زي أي جهاز في البيت، لحد الليلة اللي جالي فيها إشعار متأخر وأنا في الشغل تاني يوم. الساعة كانت 2:13 الفجر من الليلة اللي قبلها، والإشعار من الكاميرا بيقول إن في حركة اتسجلت. فتحت الفيديو وأنا في الأول مش متوقع حاجة، يمكن البيبي صحى، أو مريم قامت ترضعه، أو أمي دخلت تبص عليهم. الفيديو بدأ ضلمة، وبعد ثواني الباب اتفتح بحدة، ودخلت أمي.

اللي صدمني مش مجرد إنها دخلت، لكن طريقة دخولها. ما كانش في هدوء أم حنينة جاية تساعد، ولا مشية واحدة خايفة تصحي البيبي. لا، كانت داخلة بعصبية واضحة، راحت مباشرة ناحية السرير، شدّت الملاية بعنف من على جسم مريم، وولعت النور كله مرة واحدة. مريم فاقت مفزوعة، رفعت إيدها ناحية سرير الطفل بحركة غريزية، قبل ما حتى تستوعب هي فين. سمعتها بتقول بصوت متقطع من النوم: “في إيه؟”. وأمي واقفة فوقها والبيبي في إيديها، تقول لها بجفاء: “قومي. المطبخ مقلوب، وأنا عايزة أنام. الواد ده مشكلتك الليلة دي”. مريم كانت شبه غايبة، ردت وهي بتتوسل: “أنا لسه مدياله رضاعة… بالله عليكي… أنا ما نمتش خالص”. فردت أمي بجملة قاطعة: “يبقى تبطلي دلع وتتحركي”.

فضلت باصص للشاشة وأنا مش مستوعب. قولت أكيد دي مرة، أكيد حصل ظرف، أكيد فيه حاجة ناقصة من الصورة. فتحت فيديو تاني. وبعده تالت. وبعدين رابع. وكل مرة نفس الباب يتفتح، نفس النور يتولع، ونفس الملاية تتشد، ونفس مريم تقوم من نومها المقطوع أصلًا، تقوم تغسل، ترتب، تسخن أكل، أو تشيل البيبي، أو تنظف حاجة أمي أصرت إنها تتعمل في نص الليل كأن البيت مش مستني للصبح. لقيت ليلة أمي بتصحّيها عشان تطلع لها هدوم من الغسالة وتنشرها الساعة 3 الفجر. وليلة تانية عشان “الصينية لسه في الحوض”. وليلة تالتة عشان “الولد عامل صوت وأنا عايزة أنام”. وفي كل فيديو، مريم كانت بتقوم متكسرة، تمشي وهي ماسكة ضهرها أو جنبها أو بطنها، واضح عليها وجع الولادة اللي لسه ما خلصش، ووشها فيه الذهول بتاع حد مش مصدق إن عليه يقوم تاني.

وأنا بقلب في الفيديوهات، كنت حاسس إن نفسي بيضيق. كل مرة كنت أفتكر صباحات كتير شفت فيها مريم نايمة، أو عينيها مغمضة وهي قاعدة، أو إيدها بترتعش وهي بتعمل شاي، وسألتها ببرود: “إنتِ لسه تعبانة؟”. كل مرة كنت أسمع أمي تقول لي: “شوف مراتك، دايمًا نعسانة”، وأنا أتنهد وأقول في نفسي إن مريم لازم تبقى أقوى. الحقيقة كانت أبشع مما أتخيل. مريم ما كانتش كسولة، كانت منهارة. ما كانتش بتمثل تعب، كانت محروقة من السهر والإذلال. أمي مش بس ما كانتش بتساعد، دي كانت بتتأكد إن البنت ما تاخدش دقيقة راحة. وفي فيديو من أسبوع فات، وصلت اللحظة اللي هدت الباقي اللي جوايا.

شفت مريم واقعة على ركبتها جنب السرير. كانت بتعيط من الإرهاق، عياط صامت مكسور، وإيدها ساندة على الأرض عشان تعرف تقوم. وأمي واقفة قدامها، تقول ببرود مرعب: “لو ما قومتيش دلوقتي، هخلي تامر يطلقك ويرميكي في الشارع، وآخد أنا الواد أربيه بعيد عنك”. الجملة نزلت عليّ كأن حد خبطني في صدري. كان نفسي أطلع من الموبايل وأخنقها. شفت مريم وهي بترتعش، تقف بالعافية، وتقول لها: “حرام عليكي يا ماما… أنا والله ما قادرة أقف على رجلي… سيبيني بس أنام ساعة واحدة”. فردت أمي بضحكة قاسية لحد النهارده بسمعها في ودني: “تنامي؟ ده أنا هخلي عيشتك سواد لحد ما تسيبي البيت ده بكرامتك. أنا مش عايزة واحدة فقرية زيك تشاركني في ابني”. ساعتها بس فهمت إن الموضوع مش سوء تفاهم بين حما وكنة، ولا شد وجذب عادي، دي حرب. حرب ممنهجة في الضلمة، وأنا كنت متسجل باسمي على لافتتها من غير ما أعرف.

قفلت الموبايل وأنا جسمي كله بيترعش. ما قدرتش أكمل الشغل، ولا حتى أتكلم مع حد. ركبت عربيتي وخرجت زي المجنون، الطريق من الشغل للبيت ما افتكرش منه غير إشارات مكسورة وصوت نفسي العالي. وصلت البيت قبل الفجر، فتحت الباب بهدوء، وكانت الشقة غرقانة في ضلمة ثقيلة، لكن سمعت صوت مواعين، وصوت بكاء مكتوم، وصراخ البيبي جاي من الصالة. دخلت المطبخ، لقيت مريم واقفة قدام الحوض، ظهرها منحني، وشعرها ملموم بسرعة، ووشها منور بالدموع أكتر من نور المطبخ. أول ما شافتني اتخضت، مسحت وشها بسرعة وقالت بتوتر: “تامر! إنت جيت بدري ليه؟ أنا… أنا كنت بخلص المواعين بس عشان…” وما كملتش، لأني ما سبتهاش.

سحبتها من إيدها برفق لكن بحزم، وطلعت بيها على أوضة أمي. خبطت الباب برجلي بعنف، أمي قامت مفزوعة، وعينيها زايغة، ولسه بتقول: “في إيه يا تامر؟ يا كافي البلا!”، طلعت الموبايل من جيبي ورميته قدامها والفيديو شغال. نور الشاشة كان كفاية يفضحها قبل ما الفيديو نفسه يعمل. قلت لها وأنا حاسس صوتي جاي من مكان بعيد جوايا: “في إن الكاميرا كشفتك يا أمي. كشفت الكسولة اللي كنتي بتشهري بيها، وكشفت الحنية اللي كنتي بتدعيها”. وشها اصفرّ فجأة، واتلجلجت، وحاولت تتماسك وتقول: “يا بني دي كانت بتدلع… أنا كنت بعلمها تشيل المسؤولية”. الكلمة دي فجرتني. صرخت فيها صرخة هزتني أنا نفسي: “تعلميها بالذل؟ تعلميها بإنك تصحيها كل ليلة بعد الولادة وتكسريها وتخوفيها بابنها؟ تعلميها بإنك تهدديها ببيتها وجوزها؟”

أمي حاولت تتحول بسرعة لدور الضحية، بدأت تعيط وتقول إني اتغيرت، وإن مراتي قلباني عليها، وإن الستات اليومين دول بيعرفوا يجروا ابنها من حضنها. لكن أنا لأول مرة ما كنتش سامعها. كنت باصص لمريم بس، للست اللي كنت بشك فيها وأنا المفروض سندها، للست اللي استحملت عشان بيتنا ما يتهدش. قلت وأنا دموعي نازلة بمرارة: “مريم اللي كنتي بتقولي عليها ضعيفة، طلعت بطلة. بطلة لأنها استحملت قسوتك وسكتت عشان ما تخربش بيتي. وأنا اللي طلعت ضعيف… لأني صدقتك وشكيت فيها”. مريم كانت واقفة جنبي مذهولة، كأنها مش مستوعبة إن حد أخيرًا شاف اللي كانت عايشاه. قربت منها وقلت: “حقك عليا يا مريم. حقك عليا في كل ليلة، وكل كلمة، وكل مرة قلتلك استحملي”.

في الليلة دي ما استنتش الصبح. لميت هدومنا، وشوية حاجات تخص البيبي، وأي أوراق مهمة، ومريم كانت لسه مش مصدقة إننا فعلًا هنمشي. أمي كانت ماشية ورانا في الصالة تصرخ: “هتمشي وتسيب أمك عشان خاطر دي؟ بعد كل اللي عملته معاك؟” والجملة دي كانت آخر محاولة منها ترجعني لنسختي القديمة، النسخة المطيعة، اللي بتخلط البر بالعمى. لكني كنت خلاص شفت. وقفت عند باب الشقة، من غير ما أبص لها، وقلت بهدوء حاد: “أمي اللي أعرفها ما تبنيش راحتها على كسر غلابة. مريم مش بس مراتي، دي اللي شالت سري وصبرت على ظلمك. ومن النهارده، مفيش قوة في الأرض هتقدر تلمس شعرة منها”. وقفلت الباب وأنا حاسس إني بسيب ورايا مش شقة، لكن عمر كامل من الوهم.

أول أسبوع بعد ما خرجنا كان صعب بشكل ما يتوصفش. روحنا قعدنا عند واحد صاحبي في شقة صغيرة مؤقتًا، لحد ما أتصرف. مريم كانت لسه بتصحى مفزوعة بالليل، أول ما النور يشتغل أو الباب يتحرك، ترتبك وتشد الطفل في حضنها كأنها خايفة حد ياخده منها. كانت بتعتذر لي حتى وهي الضحية. تقول لي: “أنا ماكنتش عايزة أوقعك بينها وبيني”. والجملة دي كانت بتكسرني أكتر، لأنها كانت لحد اللحظة الأخيرة بتحاول تحميني من أذى أمي. بدأت أفهم قد إيه الست دي كانت وحدها فعلًا. بدأت ألاحظ إني لما أقرب من سريرها بالليل، أحيانًا كانت تتوتر قبل ما تهدأ. الجسد نفسه كان حافظ الخوف. ودي حاجة محدش يعرف يصلحها في يومين.

أنا كمان كنت بتعذب بطريقتي. كنت أرجع من الشغل وأقعد أبص في الفيديوهات تاني، كأني بعاقب نفسي. كنت أفتكر كل مرة قالت لي فيها: “أنا مش بنام”، وأنا رديت: “كله بيمر بكده”. كل مرة طلبت نسيب البيت وأنا قلت “مش دلوقتي”. كل مرة أمي لمّحت قدامي وأنا سكت. السكوت ساعات مش حياد، السكوت خيانة بطيئة، وأنا اتعلمت الدرس ده متأخر قوي. لكني قررت إن التأخير مايبقاش نهاية، يبقى بداية تصليح. بدأت أدور على شقة حتى لو صغيرة، واشتغلت شغل إضافي، وبعت موبايل قديم ودهبتي ساعة كنت بحبها، وعملت أي حاجة عشان أوفر مقدم محترم لمكان يليق بيهم.

وأمي ما سكتتش طبعًا. بدأت ترن، تبعت ناس، خالاتي وعماتي، كلام عن العقوق، وعن الست اللي فرقت بيني وبين أمي، وعن الجحود، وعن “مرات اليومين دول”. لكني لأول مرة ما فتحتش باب النقاش. أرسلت لها الفيديوهات كلها في رسالة واحدة من غير كلمة. وبعدها عملت حظر. لأني فهمت إن في لحظة معينة، التبرير بقى إهانة للحقيقة. واللي انكشف بالصوت والصورة ما يحتاجش مناظرة. واللي انكشف بالصوت والصورة ما يحتاجش مناظرة. الغريب إن بعض القرايب سكتوا بعد ما شافوا، وبعضهم حاول يلم الدنيا، وبعضهم اختار يصدقها هي. وده ما بقاش يهمني زي الأول. أنا ما عدتش بجري على رضا الناس، أنا بجري على أمان بيتي.

بعد شهرين تقريبًا، روحنا شقتنا الجديدة. كانت صغيرة، في دور رابع من غير أسانسير، والدهان فيها قديم، والمطبخ أضيق من مطبخ شقة أمي، لكن عمري ما دخلت مكان وحسيت إنه واسع زيها. أول ليلة هناك، مريم نامت خمس ساعات متواصلة. خمس ساعات كاملين. لما صحيت كانت مستغربة من نفسها، كأن جسمها نسي إحساس النوم الآمن. بصت لي وقالت بعينين مبلولين: “أنا نمت من غير ما أفزع”. الجملة دي بالنسبة لي كانت أهم من أي نجاح في الدنيا. لأن معنى كده إن البيت بدأ يبقى بيت، مش ساحة حرب متنكرة في شكل عيلة.

مريم احتاجت وقت عشان ترجع لنفسها. وأنا احتجت وقت عشان أتعلم أكون زوج حقيقي، مش مجرد راجل بيصرف ويرجع تعبان ويفتكر إن ده كفاية. بقيت أقوم أنا بالليل مع البيبي ساعات، أعمل أكل، أغسل مواعين، أبدّل، أودّي الدكتور، وأقول لها تنام. في البداية كانت بتبصلي باستغراب، وكأنها مش متعودة إن حد يساعدها من غير ما يعايرها. ومع الوقت، بدأت ترجع تضحك. بدأت عينيها فيها حياة. بقيت تلبس وتسرّح شعرها لنفسها، مش عشان حد، لكن عشان رجعت تحس إنها موجودة. وأنا كل ده كنت بشوف المعنى الحقيقي للقوة. القوة ما كانتش في أمي وهي بتتحكم وتكسر، القوة كانت في مريم وهي متوجعة وساكتة وتحاول تحافظ على بيتها، وفي اللحظة اللي قررت فيها رغم وجعها إنها لسه قادرة تحب وتكمل.

يمكن اللي حصل هدّ حاجات كتير بيني وبين أمي، ويمكن عمرها ما ترجع زي زمان، لكن في المقابل بنى حاجة أهم بيني وبين مراتي. بنى صدق متأخر، لكنه حقيقي. وأنا لو عندي كلمة أقولها لأي راجل، فهي إن أمك مكانتها كبيرة، أكيد، لكن مراتك أمانة، والأمانة لو اتكسرت على إيد بيتك وأنت واقف ساكت، يبقى لازم تبص لنفسك الأول قبل ما تلوم حد. أنا كنت فاكر إني بار بأمي، لكن البر عمره ما كان معناه إنك تسيبها تظلم غيرها باسمك. وكنت فاكر إن مراتي ضعيفة، لكن الكاميرا كشفت إن الضعيف الوحيد في الحكاية كان أنا… لحد ما فوقت. والنهارده، كل ما أشوف مريم نايمة بهدوء جنب ابننا، أعرف إن القرار اللي وجعني وأنا باخده، هو أكتر قرار أنقذ بيتي في حياتي.

 

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان