رسالة من هاتف زوجي الراحل… الحقيقة التي ظهرت بعد 3 شهور قلبت حياتي بالكامل
ماكنتش متخيلة إن قطعة صغيرة زي تليفون مكسور، ممكن تكون السبب في إن حياتي تتقلب رأسًا على عقب بالشكل ده. كنت فاكرة إن أقصى وجع عشته هو لحظة وقوفي قدام باب المستشفى، وأنا مستنية دكتور يخرج يقولي إن جوزي بقى كويس… لكنه خرج وقال جملة واحدة بس خلّت الدنيا كلها تسود في عيني: “البقاء لله”. من وقتها وأنا حاسة إن جزء مني اتدفن معاه، وإن كل حاجة بعده بقت ناقصة، باهتة، ومفيهاش طعم. التليفون بتاعه كان آخر حاجة فضلت مني ليه… آخر حاجة لمسها بإيده، وآخر حاجة كانت قريبة منه قبل ما يمشي ويسيبني أنا والعيال لوحدنا في الدنيا.
قعد التليفون في درج هدومي تلات شهور كاملين. كل مرة كنت بفتحه، كنت بقفله تاني بسرعة، كأني بخاف منه. مش من الجهاز نفسه… لكن من الذكريات اللي جواه. كنت بحس إن مجرد لمسه بيخليني أرجع لنقطة الصفر، لنقطة الألم الأول، لنقطة الخبر اللي كسّرني. لكن في نفس الوقت، كان في حاجة جوايا بتقولي إن التليفون ده مش مجرد ذكرى… فيه حاجة مستخبية جواه، حاجة لسه ماعرفتهاش.
في يوم، صحيت الصبح وقررت أخد خطوة كنت بأجلها بقالها كتير. حماتي كانت محتاجة تليفون، والتليفون القديم بتاعها اتكسر، وأنا كنت عارفة إننا مش معانا فلوس نجيب واحد جديد. قلت لنفسي: “ليه لأ؟ أصلح تليفونه وأديه لها… يمكن يبقى صدقة جارية على روحه”. الفكرة كانت بسيطة، لكن قلبي كان تقيل بشكل غريب وأنا بلبس هدومي وبحط التليفون في شنطتي.
وصلت الورشة وأنا حاسة إن رجلي تقيلة، كأن كل خطوة بتاخد مني مجهود كبير. المكان كان صغير، بسيط، فيه ريحة إلكترونيات مختلطة بشوية غبار، وصوت مراوح خفيفة بتلف في السقف. الفني كان راجل في الأربعينات، وشه هادي وعينيه فيها طيبة غريبة. سلمت عليه واديته التليفون، وشرحت له إنه واقع من حادثة ومحتاج شاشة جديدة. بص عليه شوية، وقالي بهدوء: “يتصلح إن شاء الله… استني ساعة بس”.
قعدت على كرسي خشب قديم في الركن، وبصيت من الشباك. الدنيا كانت بتمطر مطر خفيف، والشارع شبه فاضي، والناس ماشية بسرعة كأن كل واحد بيجري من حاجة. سرحت في ولادي… في شكلهم وهم رايحين المدرسة، في صوتهم وهم بينادوني، في خوفهم اللي بيستخبوا وراه لما يسألوني: “بابا فين؟”. كنت بحاول أكون قوية قدامهم، لكن الحقيقة إني كنت منهارة من جوايا.
الفني بدأ يفكك التليفون بحرص شديد، كأنه بيشتغل على حاجة غالية مش مجرد جهاز مكسور. كل حركة بإيده كانت محسوبة، وكل قطعة بيشيلها كان بيحطها جنب التانية بترتيب. وأنا كنت بتفرج عليه كأني بتفرج على عملية جراحية… عملية ممكن ترجع حاجة من اللي ضاع.
بعد نص ساعة تقريبًا، ركب الشاشة الجديدة، ووصل الشاحن، وضغط على زر التشغيل. الشاشة نورت فجأة، وظهر عليها صورة أنا وهو والعيال… صورة قديمة كنا فيها بنضحك بقلوبنا. قلبي دق بسرعة، وابتسمت غصب عني، لكن الابتسامة دي ماكملتش.
التليفون اتهز فجأة في إيد الفني. في الأول ماخدتش بالي، لكن لما بصيت لوشه، حسيت إن في حاجة غلط. ملامحه اتغيرت، عينيه وسعت، وفضل باصص للشاشة كأنه شايف حاجة مش طبيعية. سألته بقلق: “في إيه؟ الجهاز فيه مشكلة؟”. ما ردش فورًا… سكت شوية، وبعدين بصلي بنظرة غريبة وقال: “يا مدام… الأفضل إنك تقري بنفسك”.
قلبي وقع. أخدت التليفون من إيده وإيدي بتترعش. بصيت على الشاشة… كانت رسالة مفتوحة، لكن مش رسالة عادية. كانت في “المسودات”. يعني اتكتبت… لكن ما اتبعتتش. أول سطر قريته خلاني أحس إن الدنيا بتلف بيا:
“يا حبيبتي… أنا عارف إني مقصر معاكي الفترة اللي فاتت…”
ماقدرتش أكمل. الدموع نزلت من غير ما أقدر أتحكم فيها. ساندت على فترينة المحل عشان ما أقعش. حسيت إن صوتي اختفى، وإن قلبي بيدق بعنف كأنه هيخرج من صدري. حاولت أتماسك، وبدأت أقرأ باقي الرسالة:
“وعارف إنك شاكة إن فيه حاجة شاغلة بالي… أنا فعلاً مخبي، بس مخبي ليكي مفاجأة عمري… الشقة اللي كان نفسك فيها… أنا اشتريتها النهاردة باسمك وباسم العيال… الورق في التابلوه بتاع العربية… سامحيني على أي لحظة قلق… بحبك.”
في اللحظة دي، حسيت إن الزمن وقف. كل حاجة حواليّا اختفت. الصوت، المكان، الناس… كله اختفى. فضلت واقفة، مش مصدقة. هو كان بيحبني بالشكل ده؟ كان شايل كل ده لوحده؟ وأنا كنت فاكرة إنه بعيد، أو مش مهتم، أو مشغول عني!
الفني قطع صمتي وقال بصوت واطي: “في تسجيل كمان…”. فتحت التسجيل بإيد مرتعشة، وسمعت صوته. صوته اللي وحشني بشكل يوصفهش كلام. كان بيتكلم وهو سايق، وفرحان:
“يا هدى… أنا طالع من عند المحامي… أخيرًا هنرتاح من الإيجار… أنا جاي في السكة… جهزي العيال…”
وفجأة… صوت خبطة. وسكون.
وقفت. ماقدرتش أتنفس. حسيت إن اللحظة دي هي آخر لحظة عاشها… آخر لحظة كان فيها فرحان… آخر لحظة كان بيفكر فيّا وفي العيال. انهرت تمامًا. قعدت على الأرض وأنا بعيط، مش بس عليه… لكن على نفسي، وعلى كل لحظة ظلمته فيها بفكري، وعلى كل مرة شكّيت في حبه.
الفني رفض ياخد فلوس. قاللي: “ده رزق العيال”. خرجت من عنده وأنا حاسة إن في حاجة اتغيرت جوايا. الألم لسه موجود… لكن بقى فيه نور صغير وسط الضلمة.
جريت على بيت حماتي، حكيت لها كل حاجة، ودورنا في متعلقاته… ولما فتحنا التابلوه، لقينا الظرف. كان موجود فعلًا. الورق باسمي وباسم العيال. الحقيقة كانت قدامنا، واضحة، وموجعة وجميلة في نفس الوقت.
حماتي حضنتني وفضلت تعيط، وقالت جملة عمري ما هنساها: “ابني كان راجل… كان شايلنا كلنا في قلبه”. وأنا حضنتها ورجعت أعيط… بس المرة دي مش بس حزن… كان فيه فخر، وفيه امتنان، وفيه إحساس إن حبه لسه عايش معايا.
من يومها، التليفون ما بقاش مجرد جهاز. بقى رسالة. بقى دليل إن الحب الحقيقي ما بيموتش، حتى لو صاحبه غاب. بقى صوت بيطمني كل ما أضعف، ويقولّي إننا مش لوحدنا، وإن كل تعب اتعمل بحب… عمره ما بيضيع.
عدّى أسبوع على اليوم اللي صلّحت فيه التليفون… أسبوع بس، لكنه كان كأنه عمر كامل. كل حاجة حواليا بقت مختلفة، حتى نفس الشوارع اللي كنت بمشي فيها كل يوم، بقيت شايفاها بعين تانية. مش عارفة أقول إنها بقت أحلى… بس أكيد بقت أصدق. بقيت حاسة إن في حاجة جوايا اتبدلت، كأن جملة واحدة بس كانت كفيلة تغيّر كل أفكاري: “هو كان بيحبني بجد”. الجملة دي كانت بتتكرر في دماغي طول الوقت، وبتخليني أراجع كل حاجة فاتت… كل موقف، كل كلمة، كل نظرة.
كنت قاعدة في الصالة، والتليفون في إيدي، بفتحه كل شوية على نفس الرسالة… أقراها كأني بسمع صوته. مش مجرد كلام مكتوب، لا… ده كان اعتراف متأخر، أو يمكن رسالة وصلت في وقتها بس أنا اللي ماكنتش جاهزة أفهمها. بقيت أفتكر كل مرة كنت بزعل منه عشان تأخيره، وكل مرة كنت بقول في نفسي إنه مش مهتم… وابتسم بوجع. كنت غلطانة، وهو كان بيحب بطريقته، بطريقة هادية، ساكتة، بس عميقة لدرجة توجع.
في الليلة دي، وأنا نايمة، حلمت بيه لأول مرة من يوم ما مات. كان واقف قدامي، بنفس ابتسامته، بنفس الهدوء اللي كان بيطمني دايمًا. ماقالش حاجة، بس كان باصص لي بنظرة مليانة راحة. صحيت وأنا قلبي بيدق، بس لأول مرة… ماكنتش خايفة. كان جوايا إحساس غريب بالسكينة، كأن الحلم ده مش مجرد حلم… كأنه رسالة تانية.
تاني يوم، قررت أروح أشوف الشقة. مش بس عشان هي باسمي… لكن عشان دي كانت حلمنا سوا. خدت العيال وروحنا. المكان كان بسيط، لسه مش متشطب بالكامل، وفيه ريحة دهان خفيفة، بس كان فيه حاجة مميزة… إحساس إن ده بيتنا بجد. العيال جريوا في الأوضة، بيضحكوا وبيستكشفوا المكان، وأنا واقفة في النص، ببص حواليّا، وحاسة إن كل ركن فيه بيحكي حكاية.
دخلت أوضة النوم، وقفت في النص، وغصب عني دموعي نزلت. افتكرت كلامه في التسجيل: “هترتاحي من الإيجار”. الكلمة دي كانت بسيطة، لكن معناها كبير. هو كان شايف تعبي، شايف خوفي، شايف كل حاجة… حتى لو ماكانش بيقول. حسيت وقتها إن الشقة دي مش بس جدران وسقف… دي آخر هدية منه، آخر حضن حقيقي سابه لينا.
رجعت البيت وأنا حاسة بطاقة غريبة. لأول مرة من شهور، حسيت إني عايزة أبدأ من جديد. مش أنساه… لا، عمري ما هنساه. لكن أكمل بطريقته، أعيش بالقوة اللي كان بيحاول يدهالي. بدأت أنظم حياتي، أركز مع العيال، أضحك معاهم أكتر، وأحكي لهم عنه بطريقة مختلفة… مش كحد مات، لكن كحد لسه موجود جوانا.
في يوم، ابني الكبير سألني: “ماما… هو بابا كان بيحبنا؟”. السؤال كسرني، بس ابتسمت ومسكت إيده وقلت: “أكتر مما تتخيل… بابا كان بيعمل كل حاجة علشانكم، حتى وهو ساكت”. ساعتها حضني وبكى، وأنا بكيت معاه… بس الدموع دي كانت مختلفة. ماكنتش بس وجع… كان فيها دفا.
بقيت كل ليلة قبل ما أنام، أفتح التليفون، وأسمع التسجيل. مش علشان أتوجع… لكن علشان أفتكر. أفتكر إن الحب الحقيقي مش دايمًا بيكون في الكلام، أحيانًا بيكون في الأفعال اللي ما بنفهمهاش غير متأخر. وأفتكر إن في ناس بتمشي من حياتنا، بس بتسيب جوانا نور يكفينا عمر كامل.
ومع مرور الأيام، بدأت أفهم حاجة مهمة جدًا… إن النهاية اللي كنت فاكرة إنها نهاية، كانت في الحقيقة بداية. بداية لفهم أعمق، لحب أنضج، ولحياة يمكن تكون أصعب… لكنها أصدق بكتير. التليفون اللي كنت خايفة ألمسه، بقى هو دليلي… وصوته اللي سكت فجأة، بقى هو أكتر صوت بيطمني.