جوزي مات يوم فرحنا.. وبعد أسبوع قابلته حيًا في الأتوبيس واكتشفت الحقيقة الصادمة

جوزي مات يوم فرحنا.. وبعد أسبوع قابلته حيًا في الأتوبيس واكتشفت الحقيقة الصادمة


جوزي مات يوم فرحنا.. وبعد أسبوع قابلته حيًا في الأتوبيس واكتشفت الحقيقة الصادمة

أنا اسمي ليلى… وعمري ما كنت أتخيل إن أسعد يوم في حياتي ممكن يتحول لكابوس بالسرعة دي. كنت بحب أحمد من كل قلبي… حب بدأ بسيط وكبر مع الأيام، أربع سنين كاملة عشناهم مع بعض، بين ضحك وخناقات صغيرة وأحلام كبيرة كنا بنرسمها سوا. كنا دايمًا بنقول إن يوم فرحنا هيبقى بداية الحكاية… مش نهايتها. لكن اللي حصل… كان أبعد من أي خيال.

يوم الفرح، كل حاجة كانت مثالية… القاعة منورة، الناس حواليّا مبسوطة، وأنا بفستاني الأبيض حاسة إني طايرة من الفرح. أحمد كان واقف جنبي، ماسك إيدي وبيبتسم نفس الابتسامة اللي وقعتني فيه من أول يوم. كنا لسه مخلصين كتب الكتاب والاحتفال، ولسه داخلين على فقرة التصوير… وفجأة، حسيت بإيده بتترعش… قبل ما ألحق أسأله، وقع قدامي على الأرض.

في الأول افتكرناها مجرد دوخة… ضغط اليوم… تعب طبيعي. الناس جريت عليه، حد جاب مية، حد حاول يفوقه… وأنا واقفة مش فاهمة حاجة. بس لما الدقايق عدّت وهو لسه ساكن… قلبي بدأ يغرق في خوف عمره ما حسه قبل كده. لما الإسعاف وصلت، المسعف بص له بسرعة وقال بصوت حاول يخليه هادي: “غالبًا أزمة قلبية مفاجئة”.

الكلمة دي كسرتني… حرفيًا حسيت الأرض بتتسحب من تحت رجلي. كنت واقفة بفستان الفرح… ببكي… والناس شايلة أحمد على النقالة… ومحدش فيهم عارف يقول لي كلمة تطمني. اللي كان المفروض يبقى أجمل يوم في حياتي… بقى بداية أسوأ كابوس.

عدى يومين زي الضباب… أنا مش فاكرة منهم غير صوت بكا، ووشوش مش واضحة، وإحساس تقيل في صدري. اتعملت الجنازة… وأنا اللي نظمت كل حاجة. وقفت قدام الناس، بثبات مزيف، وأنا شايفة النعش بيتقفل عليه… شايفة التراب بيتهال… وأنا جوايا حاجة بتتدفن معاه.

الغريب… إن أهله ماجوش. ولا واحد فيهم. لا أب ولا أم ولا إخوات… كأن أحمد ماكانش ليه عيلة أصلاً. وأنا ساعتها افتكرت كل مرة كنت بسأله عنهم… وكل مرة كان يغير الموضوع. كان دايمًا يقول إن في مشاكل قديمة… وإنه مش عايز يفتح السيرة دي تاني. ومع الوقت… بطلت أسأل. بس بعد اللي حصل… الموضوع بقى مش طبيعي.

بعد العزاء، قربت من ابن عمه اللي حضر وسألته بصراحة: “هو ليه أهله ماجوش؟” بص حواليه بتوتر، وقرب مني وقال بصوت واطي: “أهل أحمد ناس أغنيا جدًا… ومش هيسامحوه على الغلطة الكبيرة اللي عملها.” قبل ما أسأله يعني إيه… سابني ومشي. وسابني مع ألف سؤال بيكسروا في دماغي.

الليلة دي ماقدرتش أنام… كل ركن في البيت بيصرخ باسمه. هدومه… ريحته… حتى الكوب اللي كان بيشرب فيه قهوة. حسيت إني محبوسة في مكان مليان ذكريات بتخنقني. الصبح قررت أهرب… مش من المكان بس… من كل حاجة.

اشتريت تذكرة أتوبيس لأي محافظة بعيدة… من غير ما أفكر. حطيت شوية هدوم في شنطة صغيرة، وركبت بالليل. كنت قاعدة لوحدي، باصة من الشباك، والطريق طويل وساكت… زي اللي جوايا بالظبط. لحد ما الأتوبيس وقف في استراحة في نص الطريق… وطلع راجل لابس كاب… وقعد جنبي.

أول ما قعد… وصلت لأنفي ريحة مألوفة جدًا… ريحة برفان… أنا عارفاها كويس… ريحة أحمد. جسمي كله اتشد… قلبي بدأ يدق بعنف. حاولت أقنع نفسي إنها صدفة… إن ده مجرد وهم… بس لما الراجل لف وشه ناحيتي شوية… الدنيا وقفت.

كان أحمد.

بصيت له وأنا مش قادرة أتنفس… ولا أتكلم… ولا حتى أصرخ. قبل ما أعمل أي رد فعل، حط إيده على بوقي وقال بهدوء: “ليلى… لو سمحتي ما تصرخيشي… لازم تعرفي الحقيقة كلها.”

دموعي نزلت لوحدها… وصوتي طلع مكسور: “إنت… إنت حي؟! طب اللي حصل ده كله كان إيه؟ أنا دفنتك بإيدي!” أحمد غمض عينه لحظة، وكأنه بيجمع شجاعة مش موجودة، وقال: “أنا آسف… بس كان لازم أعمل كده عشان تعيشي.”

بدأ يحكي… وكل كلمة كانت بتقلب كياني. قال إن عيلته مش مجرد ناس أغنيا… دي شبكة شغل مشبوه… حاجات أكبر بكتير من اللي كنت أتخيله. وإنه لما رفض يكمل معاهم… وقرر يبعد ويتجوزني… اعتبروا ده خيانة. هددوه بيا… قالوله إن أنا هكون نقطة ضعفه… وإنهم ممكن يأذوني.

وقال إنه مالقاش حل غير إنه “يموت”… قدام الكل. اتفق مع دكتور ومسعف… وأخد حقنة بتوقف ضربات القلب مؤقتًا… تبان كأنها وفاة حقيقية. كان لازم الكل يصدق… عشان يسيبوني في حالي.

صرخت فيه: “وأنا؟! أنا كنت فين من كل ده؟! كنت ناوي تسيبني أعيش في الجحيم ده لوحدي؟!” مسك إيدي وقال: “كنت مراقبك… من بعيد… ومستني اللحظة اللي أقدر أخدك فيها ونمشي بعيد… نبدأ حياة جديدة… بعيد عنهم.”

الأتوبيس بدأ يهدّي… وقال لي: “القرار ليكي… يا إما تنزلي وتعيشي حياتك من غيري… يا إما تيجي معايا ونبدأ من جديد… بس هنفضل طول عمرنا مستخبيين.”

وقفت… قلبي بيتشد في اتجاهين. نزلت درجة من الأتوبيس… والهوا خبط في وشي… حسيت إني ممكن أهرب… أرجع لحياة طبيعية… بس من غيره. وبعدين… افتكرت كل حاجة بينا… كل لحظة… كل وعد.

لفيت… ورجعت.

قعدت جنبه من غير كلام… بس القرار كان واضح. قلت له: “أنا مش مسامحاك… بس مش قادرة أعيش من غيرك.” ومن اللحظة دي… حياتنا بدأت من جديد… بس حياة مش شبه أي حياة.

وصلنا مدينة صغيرة… محدش يعرفنا فيها. غيرنا أسامينا… بدأنا من الصفر. شقة بسيطة… شغل بسيط… وحياة هادية. بس جوه الهدوء ده… كان في خوف دايم… إحساس إن الماضي ممكن يرجع في أي لحظة.

الأيام عدت… وأنا بحاول أرمم نفسي… أحاول أصدق إنه معايا بجد. كنا بنتكلم كتير… بنحاول نرجع الثقة اللي اتكسرت. بس الحقيقة… الجرح ماكانش سهل.

وفي ليلة… بعد شهور من الهدوء… رجع الكابوس.

كنت واقفة في المطبخ… لما لمحت عربية سودا واقفة تحت البيت… فيها ناس بيبصوا لفوق… قلبي وقع. جريت على أحمد وقلت له. وشه شحب فجأة… وقال جملة واحدة: “هم وصلوا.”

في اللحظة دي فهمت… إن الهروب عمره ما كان حل نهائي… وإن الماضي… حتى لو دفناه… ممكن يرجع يطالبنا بكل حاجة.

بصيت له… وهو بيجهز شنطة بسرعة… وقال: “لازم نمشي حالًا.” مسكت إيده… وقلت له: “المرة دي… مش هنفضل نهرب طول عمرنا.”

لأول مرة… حسيت إني مش الضحية… أنا جزء من المواجهة.

ومن ساعتها… حياتنا اتحولت من هروب… لحرب.الليلة دي كانت أول مرة أحس إننا مش بس بنهرب… إحنا داخلين على حاجة أكبر بكتير من قدرتنا على الاستيعاب. صوت العربية اللي كانت واقفة تحت البيت فضل ثابت في دماغي حتى بعد ما أحمد قفل الستارة بإيده المرتعشة. كان واضح إنه متأكد… مش مجرد شك. الناس دول وصلوا فعلًا.

أحمد بدأ يتحرك بسرعة غير طبيعية… يفتح الدولاب، يطلع شنطة، يحط فيها هدوم عشوائية، أوراق، فلوس… وأنا واقفة أراقبه، مش مصدقة إن اللحظة اللي كنا خايفين منها جات بسرعة كده. بس المرة دي… كان في حاجة مختلفة جوايا. حاجة رافضة الهروب.

قلت له بهدوء غريب: “إحنا هنفضل نهرب لحد إمتى يا أحمد؟ كل شوية نغير مكان… اسم… حياة؟”
وقف فجأة، وبص لي كأني قلت كلمة ماكانش مستعد يسمعها. عينه كان فيها خوف… مش عليّا بس… عليه هو كمان.

قال وهو بيقرب مني: “إنتي مش فاهمة هما مين… الناس دي مش بتهزر… لو وصلوا لينا هنا، يبقى كانوا بيراقبونا بقالهم فترة.”
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت: “وأنا مش هفضل طول عمري مستخبية… أنا تعبت يا أحمد… تعبت من الخوف.”

الصمت اللي حصل بعد كلامي كان تقيل… تقيل لدرجة إني حسيت بصوت قلبي أعلى من أي حاجة. أحمد سكت شوية، وبعدين قعد قدامي وقال بصوت واطي: “طيب… لو قررنا نواجه… يبقى لازم نبقى مستعدين ندفع التمن.”

سألته: “يعني إيه نواجه؟”
رد بعد تردد: “يعني نكشفهم… نطلع كل اللي عندي من أدلة… نروح للجهات المختصة… بس ساعتها… إحنا مش هنبقى مستخبيين… إحنا هنبقى هدف مباشر.”

الكلام كان مخيف… بس لأول مرة… حسيت إن في طريق غير الهروب. طريق صعب… بس واضح. قعدت جنبه وقلت: “وأنا معاك… بس مش هرجع أعيش نفس اللي عشته تاني… مش هرجع أدفنك بإيدي مرة تانية.”

كلماتي خلته يغمض عينه للحظة… كأنه لسه حاسس بالذنب اللي جواه. وبعدها قال: “أنا عندي نسخة من ملفات… تسجيلات… حسابات… كل حاجة تثبت شغلهم… كنت محتفظ بيها كضمان… لو حصل حاجة.”

في اللحظة دي… صوت خبط خفيف على باب الشقة قطع كلامنا.
اتجمدنا إحنا الاتنين.

الخبط تكرر… أهدى شوية… بس أوضح.
بص لي أحمد… وبص للباب… وقال بهمس: “مافيش حد يعرف إحنا هنا غير…”
ماكملش الجملة.

قلبي كان بيدق بجنون… كل السيناريوهات الوحشة عدت في دماغي في ثانية. خطوة واحدة من أحمد ناحية الباب كانت كفيلة تخلي أنفاسي تتقطع.
سأل من ورا الباب بصوت حذر: “مين؟”

جاله صوت راجل هادي: “افتح يا أحمد… إحنا مش جايين نأذيك.”

الاسم… اتقال بمنتهى الثقة.
عرفوا مكانه… وعارفين اسمه.

رجع أحمد خطوة لورا، ووشه فقد لونه. بص لي وقال بصوت مبحوح: “دول هم… أو حد منهم.”
مسكت إيده بقوة… مش عشان أطمّنه… يمكن عشان أتمسك بأي حاجة ثابتة في اللحظة دي.

الخبط بقى أقوى شوية… والصوت قال: “إحنا عارفين إنك جوا… ومش جايين نعمل مشاكل… بالعكس… إحنا جايين نعرض عليك فرصة.”

فرصة؟
الكلمة كانت أغرب من التهديد نفسه.

بصيت لأحمد، وشوفت في عينه صراع واضح… بين إنه يفتح ويعرف… أو يهرب تاني.
لكن المرة دي… أنا اللي قلت:
“افتح.”

بص لي بصدمة: “إنتي مجنونة؟!”
قلت بثبات: “لا… أنا زهقت من الهروب… خلينا نعرف هم عايزين إيه.”

عدت ثواني… كانت أطول من أي وقت عشته في حياتي… وبعدين أحمد قرب من الباب ببطء… وإيده على المقبض بتترعش.
لف لي نظرة أخيرة… كأنها بتسألني متأكدة؟
هزيت راسي.

وفتح الباب.

واقف قدامنا راجل في الخمسينات… لابس بدلة شيك… ملامحه هادية بشكل يخوف… وابتسامة خفيفة على وشه كأننا أصحاب قدام.
بص لأحمد وقال:
“وحشتنا يا ابني.”

الكلمة وقعت علينا زي الصاعقة…
وأحمد همس:
“بابا…؟”

في اللحظة دي… فهمت إن اللي جاي… مش مجرد مواجهة…
دي بداية حرب حقيقية… بين الماضي اللي حاولنا ندفنه… والحياة اللي كنا بنحاول نبنيها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان