كنت عامل بناء فقير.. واتجوزت بنت المعلم مقابل كل حاجة
أنا كنت مجرد عامل بناء غلبان، لا معايا شهادة ولا حتى حد يقولي اتفضل يا ابني اقعد، بس كان معايا إيدين متعودين على الشغل وظهر شايل سنين من التعب كأنهم عمر كامل، أنا من قرية صغيرة في سوهاج، من الأماكن اللي الشمس فيها بتطلع بدري عشان تلحق تعب الناس، والليل بييجي متأخر عشان الناس تفضل تشتغل، كبرت وأنا شايف الرجالة بتتعب عشان تجيب لقمة عيش، وفي الآخر يا دوب تكفي، فكان طبيعي لما كبرت شوية أحس إن الدنيا دي مش مكاني، وإن لازم أخرج أدور على فرصة، حتى لو الفرصة دي في مكان معرفوش ولا حد فيه يعرفني، عشان كده سافرت القاهرة وأنا عندي 18 سنة، معايا شنطة صغيرة فيها هدوم قليلة، وجزمة قديمة باين عليها المشي، وقلب مليان جوع… مش جوع أكل بس، جوع لحياة أحسن، لحلم بسيط أوي اسمه “أبقى بني آدم”.
أول سنتين في القاهرة كانوا كفيلين يكسّروا أي حد، كنت عايش في أوضة ضيقة في عزبة النخل، أنا وناس زيي، كل واحد فينا شايل همه ومش فاضي يسمع هم التاني، كنا بننام جنب بعض لدرجة إنك ممكن تحس إن أنفاسنا داخلة في بعض، مفيش مساحة، مفيش راحة، مفيش غير شغل طول اليوم، شيل أسمنت، واطلع طوب، وانزل رمل، والشمس فوق دماغك كأنها بتعاقبك، والليل ييجي وانت جسمك مش قادر يتحرك، ومع ذلك تصحى تاني تاني يوم وتعيد نفس الدوامة، كنت باكل أرخص أكل في الشارع، وأبعت باقي الفلوس لأهلي، وأقنع نفسي إن ده مؤقت، وإن بكرة هيبقى أحسن، بس الحقيقة إن بكرة كان شبه امبارح… مفيش فرق غير في التعب اللي بيزيد.
عمري ما كنت بحلم بحاجات كبيرة، لا فيلا ولا عربية ولا شهرة، أنا كنت عايز بس حيطة ودرية أستخبى فيهم من الدنيا، مكان أنام فيه مرتاح، أكل آكله وأنا مش قلقان، وواحدة تسترني وأسترها، حلم بسيط أوي بس كان بعيد، لحد اليوم اللي المعلم إبراهيم الدالي طلبني في مكتبه، الراجل ده كان ليه هيبة تخليك تحس إنك واقف قدام جبل، دخلت عليه وأنا قلبي بيدق، فاكر إني غلطت في حاجة أو هيطردني، بس اللي قاله كان أغرب من أي حاجة تخيلتها، بص لي شوية وقال من غير مقدمات “اتجوز بنتي يا صابر، وهديك فرع الشركة، وشقة، وعربية”، ساعتها حسيت إن الدنيا بتلف، أنا؟ أنا اللي بشتغل باليومية؟ فجأة أبقى صاحب شركة؟ الموضوع كان أكبر مني بكتير، بس الصدمة الحقيقية كانت لما عرفت إن بنت المعلم هي “هدى”، الاسم اللي الناس كانت بتهمس بيه، اللي كل ما تعدي الناس تبص لها بنظرة شفقة أو سخرية، كانوا بيتكلموا عن وزنها وعن شكلها وكأنها مش إنسانة أصلاً، والمعلم كان واضح، قالها كأنه بيعرض صفقة “لو وافقت حياتك هتتغير، لو رفضت هتفضل زي ما إنت”، الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل، قعدت أفكر أنا ببيع نفسي؟ ولا بشتري فرصة؟ أنا راجل عملي ولا واحد كسره الفقر فبقى مستعد يقبل بأي حاجة؟ وفي الآخر… قلت موافق، لأني كنت شايف إني معنديش حاجة أخسرها.
الجواز كان هادي بشكل يوجع، جامع صغير، ناس قليلة، مفيش فرح ولا زفة، أهلي ماجوش، والوحيد اللي كان واقف جنبي صاحبي حمادة، وكان باصص لي كأني داخل على مصير مش مفهوم، ولما شفت هدى بالفستان الأبيض حسيت بحاجة غريبة، مش جمال زي اللي بنشوفه، بس في حاجة في عينيها شدتني، انكسار ممزوج بعزة نفس، وخوف واضح إنها اتجرحت كتير قبل كده، دخلنا أوضة النوم وأنا مش خايف منها، أنا كنت خايف من رد فعلي، خايف أكون سبب وجع جديد ليها، لكن في نفس الوقت واخد قرار إني أكون راجل، مهما كان سبب الجواز، لازم أصونها، قربت منها وهي متوترة، رفعت الغطا… وصرخت، بس مش من القبح زي ما كنت متوقع، أنا صرخت من الصدمة، لأن الحقيقة اللي شفتها ماكانش حد قالي عليها، هدى كانت مريضة، مش مجرد وزن زايد، ده كان أثر كيماوي، آثار عمليات، جهاز طبي، جسم بيحارب مرض شرس، بصت لي بدموع وقالت بصوت مكسور إنها عندها كانسر وإن أبوها كان بيدور على سند مش عريس، وفي اللحظة دي حسيت إن كل الحسابات اللي كنت عاملها وقعت، الفلوس راحت من دماغي، الشقة والعربية اختفوا، اللي فضل قدامي إنسانة محتاجة حد يقف جنبها، مش حد ياخد منها.
مسكت إيديها وقلت لها من قلبي إني مش هسيبها، وإن يمكن ربنا ما بعتنيش عشان آخد، يمكن بعتني عشان أكون سبب في راحتها، ومن اليوم ده بدأت رحلة مختلفة تمامًا عن اللي كنت متخيله، رحلة فيها تعب من نوع تاني، تعب نفسي، تعب خوف، تعب أمل، كنت معاها في كل جلسة علاج، في كل لحظة ضعف، في كل مرة كانت تبكي وأنا أحاول أطبطب عليها، وواحدة واحدة بدأت تتغير، مش بس جسمها، روحها كمان بدأت ترجع، الضحكة بقت تطلع من قلبها، والنظرة اللي كانت مليانة خوف بقت فيها أمل، وأنا كمان كنت بتغير، بقيت شايف الدنيا بشكل مختلف، بقيت فاهم إن الرجولة مش في القوة بس، الرجولة في إنك تكون سند، وبعد شهور طويلة من الصبر، بدأت حالتها تتحسن، والدكاترة قالوا إن في أمل كبير، وأنا حسيت لأول مرة إن ربنا بيجازي التعب، مش بالفلوس، لكن بحاجة أهم.
بعد سنة، حياتي اتغيرت فعلًا، بقيت مدير فرع، بقيت عندي فلوس، بس المفاجأة إن الحاجات دي ما كانتش أهم حاجة بالنسبة لي، الأهم كان هدى، اللي بقت واقفة على رجليها، قوية، مبتسمة، بقت شريكة حياة حقيقية، والناس اللي كانت بتضحك عليها بقت تحترمها، واللي كانوا بيبصوا لها بشفقة بقى في عينيهم تقدير، وقبل ما المعلم إبراهيم يموت قال لي جملة هتفضل محفورة جوايا طول عمري، قال لي إنه ما اشتراش راجل بفلوسه، لكنه لقى راجل يستاهل بنته، وساعتها فهمت إن الرزق الحقيقي مش فلوس ولا شقق ولا عربيات، الرزق الحقيقي إنك تلاقي قلب يحتويك، وإنك تكون سبب في شفاء حد كان محتاجك، وإن البيت مش بيتبني بالطوب بس، بيتبني بالرحمة، وبالصبر، وبإنك تبقى إنسان قبل أي حاجة.
لكن الحقيقة إن الحياة مش دايمًا بتمشي في خط مستقيم، ومش كل نهاية سعيدة بتفضل سعيدة للأبد، بعد السنة اللي عدت وكنا بدأنا نحس إن الدنيا أخيرًا ابتسمت لنا، حصل اللي مكنش في الحسبان، في يوم عادي جدًا، كنت قاعد في المكتب في فرع الشركة، براجع حسابات الشغل، وهدى كانت معايا، بتساعدني وبتتعلم واحدة واحدة، فجأة لاحظت إنها سكتت، بصيت لها لقيت وشها شاحب بطريقة خوفتني، عينيها بتزوغ وكأنها مش شايفاني، وقبل ما أنطق، جسمها مال قدامي ووقعت على الأرض، اللحظة دي رجعتني لأول يوم شفتها فيه مريضة، رجعتلي كل الخوف اللي كنت فاكر إنه خلاص اختفى، جريت عليها وأنا بنادي باسمها، قلبي كان بيدق بطريقة مرعبة، وحسيت إن الدنيا كلها بتضيق حواليا تاني، نقلناها بسرعة على المستشفى، وأنا طول الطريق ماسك إيديها وبكلمها كأنها سامعاني، بقولها إنها قوية، وإنها مش هتسيبني، وإننا لسه عندنا حياة طويلة نعيشها سوا.
الدكتور خرج بعد الفحوصات، وبص لي بنفس النظرة اللي شفتها قبل كده، النظرة اللي فيها كلام كتير مش عايز يتقال، قال إن في احتمال إن المرض رجع تاني، وإن لازم نبدأ رحلة علاج جديدة، أقوى وأصعب من الأول، ساعتها حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي، مش عشان التعب، لكن عشان فكرة إن كل اللي بنيناه ممكن ينهار، لكن لما بصيت لهدى وهي نايمة، ضعيفة، ووشها شاحب، عرفت إن مفيش وقت للانهيار، لازم أبقى واقف، لازم أبقى السند اللي وعدتها بيه، رجعت جنبها، مسكت إيديها، وقلت لنفسي إن المرة دي مش هسمح للخوف يكسب.
الأيام اللي بعدها كانت أصعب من أي حاجة عدت علينا، العلاج كان أقسى، والتعب كان واضح عليها بشكل أكبر، بس الغريب إنها كانت أهدى، كأنها تقبلت الحرب دي، وأنا كنت معاها في كل لحظة، في كل جلسة، في كل دمعة بتحاول تخبيها، كنت بضحكها حتى لو أنا من جوايا مكسور، كنت بحكيلها عن أحلامنا، عن البيت اللي هنعيشه فيه، عن الحياة اللي لسه مستنيانا، وفي وسط كل ده، حصل موقف عمري ما هنساه، في يوم وأنا قاعد جنبها، قالت لي بصوت ضعيف لكنها واثقة، “لو تعبت يا صابر ومقدرتش أكمل، إوعى تفتكر إنك خسرت، إنت كسبتني، وأنا كسبتك”، الجملة دي كسرتني، بس في نفس الوقت قوّتني، خلتني أحارب أكتر.
الشهور عدت ببطء، كل يوم كان اختبار، كل نتيجة تحليل كانت بتحدد مصيرنا، وفي يوم، كنا قاعدين قدام الدكتور، وأنا مستني الحكم، وهو بيبص في الأوراق، سكت شوية، وبعدين رفع عينه وقال بابتسامة خفيفة إن العلاج بدأ يجيب نتيجة، وإن الحالة مستقرة وبتتحسن، ساعتها حسيت إن الحمل اللي على صدري اتشال، لأول مرة بعد شهور، قدرت أتنفس بجد، بصيت لهدى لقيت عينيها بتلمع، مش من الدموع بس، من الأمل اللي رجع.
خرجنا من المستشفى وإيدها في إيدي، نفس الإيد اللي مسكتها أول مرة ووعدتها إني مش هسيبها، بس المرة دي كان في فرق، المرة دي أنا عارف إن الحياة مش سهلة، وإن السعادة مش دائمة، بس كمان عارف إن في حاجة أقوى من كل ده، حاجة اسمها “الاختيار”، أنا اخترتها وهي اختارتني، واخترنا نكمل رغم كل حاجة، وساعتها فهمت إن الرجولة مش بس في إنك تشيل، الرجولة في إنك تفضل واقف حتى لما الدنيا كلها تحاول توقعك، وإن الحب الحقيقي مش اللي بيبدأ بسهولة، الحب الحقيقي هو اللي بيكمل رغم الألم.