الهروب الكبير: ليلة المطاردة والخيانة

الهروب الكبير: ليلة المطاردة والخيانة


الهروب الكبير

الصرخة دي لسه عالقة في ودني: “شيلي بنتنا واجري من البيت حالاً.. دلوقتي!” كنت قاعدة على الكنبة، قلبي متوقف، الموبايل في إيدي بيرعش، وده صوت محمود، جوزي، اللي قلب الدنيا حواليا وشل حركتي تمامًا. بعد حوالي عشر دقايق، الشارع كله اتقلب إلى فوضى، سراين بوليس، عربيات مسلحة، والبيت اللي جنبنا محاصر بالكامل.

الحكاية بدأت عادي، يوم عادي مليان ضحك وفرح. كنت قاعدة عند أختي هناء، وكانت قايمة حفلة عيد ميلاد ليلى الصغيرة، بنتها. البالونات متعلقة في كل حتة، ريحة التورتة مالية الصالة، والضحك والفرح ماليين المكان. فجأة، رن الموبايل. محمود.

رديت على المكالمة كده عادي: “أيوة يا حبيبي، إحنا عند هناء وبنحتفل بعيد ميلاد ليلى.” سكت. السكتة كانت غريبة، تخوف، حاجة كده خلت جلدي يقشعر. بعد شوية، نطق بصوت مكتوم، غريب، مش طبيعي: “اسمعي اللي هقولك بالحرف.. خدي سلمى واطلعي من البيت ده فوراً.. حالاً يا سارة!”

ضحكت بتوتر، حاولت أتهكم: “إيه يا محمود؟ إنت بتهزر؟” زعق بيستيريا هزت الموبايل في إيدي: “نفذي اللي بقولك عليه! من غير ولا كلمة أسئلة!” وفي اللحظة دي قلبي وقع في رجلي، حسيت الخوف حقيقي وملموس.

شلت سلمى من حضني وبدأت أتحرك ناحية الباب، ضربات قلبي كانت سريعة لدرجة إني كنت خايفة أي حد حوالي يسمعها. سألني محمود: “إنتي فين بالظبط؟” بصيت حوالي، شفت هناء بتوزع حاجات ساقعة على الضيوف، البنات فتحوا الهدايا، والضحك مالي الصالة. قلت له وهمس: “قلتلك عند هناء.. في عيد ميلاد ليلى، فاكر؟”

سكت تاني.. أطول من المرة الأولى، وبعدين قال بصوت جاف يخوف: “خدي سلمى واطلعي برا البيت.. دلوقتي.” ارتعش صوتي وقلت: “في إيه يا محمود؟ فهمني!” قال بسرعة وبصوت كأنه بيختنق: “سارة! مفيش وقت! اطلعي حالاً!” عمر حياتي، ما شفت محمود بالحالة دي، لا غضب ولا توتر، ده رعب حقيقي.

مقدرتش أجادل أكتر، رسمت ابتسامة صفراء على وجهي، وقلت لهناء: “رايحين الحمام وجايين يا هنوءة”. هزت دماغها وهي مشغولة مع المعازيم، وبدل ما ندخل الحمام، سحبت بنتي وطلعت على باب الشقة. سلمى همست بخوف: “ماما.. إحنا رايحين فين؟” قلت وأنا إيدي بتبل: “مفيش يا روحي.. هننزل نتمشى شوية.”

أول ما خطيت برا الباب، سمعتها. سراين.. مش واحدة ولا اتنين، ده كله زفة مرعبة بتقرب بسرعة البرق. جسمي اتجمد في مكاني، وسلمى اتنفضت في حضني: “ماما.. إيه ده؟” فجأة الشارع اتقلب، عربيات سودا بتهيج، ووراها عربيات البوليس، والنور الأحمر والأزرق صبغ حيطان الشارع كله. الجيران طلعوا في البلكونات ببيجاماتهم مش فاهمين إيه اللي بيحصل.

الموبايل رن تاني.. محمود. قال بلهفة: “خرجتي؟!” قلتله وأنا بلهث: “أيوة.. في إيه يا محمود؟! البوليس مالي الشارع!” قال بسرعة: “اركبي العربية فوراً، اقفلي الأبواب، واطلعي من هناك.. ومتوقفيش مهما حصل، فاهمة؟!”

ركبت العربية بسرعة، ربطت حزام الأمان لسلمى بالعافية، وبدأت أدوس البنزين بقوة. بصيت في المراية، البوليس كان حاصر بيت هناء بالكامل، ظباط مسلحين وقوات خاصة بيقتحموا المكان، وصراخهم مالي الدنيا. لكن الصدمة الحقيقة مكنتش هنا، كانت في الحاجة اللي كانوا بيدوروا عليها. مش شخص، حاجة مستخبية جوه البيت.

كنت طايرة بالعربية، مش شايفة قدامي من الدموع والرعب، وسلمى ساكتة، عينيها واسعة من الخوف. فجأة الموبايل رن تاني، محمود. فتحت الإسبيكر وأنا بصوت مرتعش: “محمود! البيت ولّع نار! البوليس مكسر الدنيا! إحنا عملنا إيه؟! قولي إنت عملت إيه؟!” رد بصوت هادي شوية بس فيه كسرة: “سارة.. اهدي. إنتي بعيد دلوقتي؟” قلت له بنهجان: “طلعت على المحور.. قولي في إيه؟” قال جملة واحدة خلتني أدوس فرامل في نص الطريق: “الشنطة اللي هناء خبيتها عندك في المخزن الأسبوع اللي فات.. فيها مُصيبة يا سارة. البوليس مش بيدور على مجرمين.. البوليس بيدور على شحنة آثار مهربة، واللوكيشن طلع من بيت أختك!”

الدنيا اسودت في عيني. هناء؟! أختي الطيبة اللي دايمًا بتضحك وبتعمل كل حاجة بحب؟ قلت له بصوت مخنوق: “إنت بتقول إيه؟ أختي أنا؟!” قال بصوت واطي: “أختك وجوزها كانوا مخزن لعصابة كبيرة.. وأنا عرفت بالصدفة من واحد صاحبي في الجهاز.. كان لازم أخرجك قبل ما يقتحموا، لأنك كنتِ هتروحي في الرجلين. هما دلوقتي بيقلبوا البيت حتة حتة.. ولو لقوا الشنطة، هناء مش هتشوف الشمس تاني.”

بصيت في المراية اللي ورا، لقيت عربية جيب سوداء زجاج معتم ماشية ورايا من ساعة ما طلعت من الشارع، بتزود سرعتها كل ما أزود، وتهدي كل ما أهدي. قلت لمحمود بصوت ميت من الرعب: “محمود.. في عربية ماشية ورايا.. هما مش بوليس، هما شكلهم العصابة وعايزين البنت!” رد بيصرخ: “سارة! اوعي تقفي! ادخلي على أقرب كمين!” الخط قطع. العربية السوداء خبطت ضهر عربيتي بقوة، وسلمى بدأت تصرخ.

السيطرة على العربية ضاعت مني شوية، وكنت ماشية بسرعة عمري ما جربتها، الدموع مغمية عيني. فجأة، عربية ميكروباص أبيض خرجت من العدم وصدمت العربية السوداء، الحادثة كانت بشعة. ركنت ورا شجرة كبيرة، نزلت تحت الكرسي وأخدت سلمى في حضني. كنا بننهج إحنا الاتنين زي اللي خرجوا من معركة.

فتحت الموبايل، لقيت خمسين مكالمة فائتة من هناء. رديت: “هناء.. إنتي فين؟ البوليس عمل فيكي إيه؟” ردت بصوت هادي جدًا: “سارة.. محمود كدب عليكي.. الشنطة مش آثار.. فيها أوراق تخص شغل محمود القديم.. هو اللي ورطنا كلنا عشان يهرب هو!” الدنيا دارت بي. مين بيكدب؟ أختي ولا محمود؟

وفجأة، خبطة على زجاج العربية. شفت واحد لابس بدلة سودة ونظارة، بيبص لي ببرود: “مدام سارة.. الشنطة اللي في العربية دلوقتي.. تخصنا إحنا. انزلي بالذوق بدل ما نضطر نستخدم أسلوب تاني مع بنتك.” أنا مرعوبة، مش فاهمة حاجة. نزلت وفتحت الشنطة، وفعلاً كانت شنطة سوداء كبيرة ما كانتش موجودة الصبح.

الراجل قرب بخطوات باردة، لسه هيكلم، وفجأة نور الشارع كله انفتح، قوات خاصة طلعت من كل حتة، الراجل رمى السلاح ورفع إيده، وأنا وقعت من كتر الخوف. وفجأة، عربية سوداء تانية وقفت، ونزل منها محمود، لابس رسمي، واضح إنه معاهم. جري عليا وشالني وشال سلمى، حضننا بقوة: “أنا آسف يا سارة.. كان لازم أخرجك بأي تمن.”

كنت مذهولة: “محمود؟! إيه اللي بيحصل؟ وهناء؟ البوليس اللي حاصر بيتها؟” محمود بص لي بحزن: “يا سارة، هناء وجوزها كانوا شغالين مع شبكة غسيل أموال وتجسس، وأنا بقالي سنة شغال عميل سري عشان أقضي عليهم. النهاردة كانت ساعة الصفر.” قلتله بذهول: “يعني إنت اللي بلغت عنهم؟ وهناء؟” قال: “هناء كانت عايزة تستغلك تهربي الشنطة فيكي، المكالمة اللي عملتها كانت عشان ألحقك قبل ما العصابة توصل ليكي.”

الشنطة؟ محمود فتحها، كانت فيها هارد ديسك وأوراق بأسماء ناس كبيرة بتحرك كل حاجة. أختي هناء ما كانتش ضحية.. كانت هي اللي بتدير العملية كلها، مستعدة تضحي بيا وببنتي عشان تهرب بالأسرار دي.

النهاية: شهور طويلة وأنا مش مصدقة إن أقرب الناس ليا كانت بتستغلني. محمود ساب شغله الخطير ده عشاننا، وأختي دلوقتي ورا القضبان بتدفع ثمن طمعها. اتعلمت إن مش كل اللي بيضحك في وشك حبيب، ومش كل اللي بيصرخ فيك عدو.. أحيانًا الصرخة بتكون طوق النجاة الوحيد.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي