أخويا سرق بطاقتي وسحب 38 ألف جنيه من حسابي وطردني من البيت.. لكن النهاية كانت صادمة للجميع

أخويا سرق بطاقتي وسحب 38 ألف جنيه من حسابي وطردني من البيت.. لكن النهاية كانت صادمة للجميع


أخويا سرق بطاقتي وسحب معاشي كله قدام أهلي.. لكنهم ماكانوش يعرفوا إنهم بدأوا حرب مش هتنتهي لصالحهم

في اللحظة اللي أخويا رمى فيها بطاقتي في وشي وقال بصوت كله استهانة واستخفاف: “دورك خلص… خدنا اللي عايزينه… متفكريش ترجعلنا تاني… يا بااي دا انتي عالة يا بنت”، حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت، مش مجرد فلوس اتسرقت، لكن إحساس الأمان نفسه اتسحب من تحت رجلي فجأة، والأسوأ من كل ده إن أهلي كانوا واقفين وراه، مش بس ساكتين، لكن بيضحكوا وبيشجعوه كأنهم بيشهدوا انتصار، كأنهم أخيرًا خلصوا من حمل تقيل كان عليهم، وأنا واقفة قدامهم مش قادرة أستوعب إن دول نفس الناس اللي كنت فاكرة إنهم سندي في الدنيا، ونفس الوجوه اللي كنت بجري لها كل ما الدنيا تضيق بيا، ونفس الحضن اللي كنت متخيلة إنه آخر مكان ممكن يتخلى عني.

القصة بدأت بشكل عادي جدًا، يوم الخميس اللي قبله كان يوم مرهق زي باقي الأسبوع، أنا مريم، أخصائية علاج تنفسي، شغلي مش سهل أبدًا، بين أجهزة التنفس، والمرضى اللي محتاجين متابعة دقيقة، والشيفتات اللي بتتضاعف فجأة من غير إنذار، كنت بقالي أيام مش بنام غير ساعات قليلة، وجسمي كله مرهق، لكن كنت بتحمل لأن عندي هدف واضح قدامي، فلوس بحوشها عشان أكمّل دراستي وأسافر وأعمل لنفسي مستقبل أحسن، حلم صغير لكنه كان بالنسبالي أكبر من مجرد شهادة أو سفر، كان محاولة أخيرة أخرج بيها من دايرة الاستنزاف اللي كنت عايشة فيها، وأثبت لنفسي قبل أي حد إن تعبي مش هيروح هدر.

صحيت الصبح بدري كعادتي، وأنا لسه في بيت أهلي في المنصورة، لبست سكراب الشغل الأزرق بسرعة، وربطت شعري بإيدين تقال من السهر، وبصيت في المراية للحظة لقيت وشي شاحب وعيوني غرقانة في الإرهاق، لكن برغم كل ده خرجت جاري علشان ألحق النوبتجية، لأن المستشفى مايعرفش تعب حد، والمرضى ماينفعش يستنوا حالتك النفسية تتحسن، اليوم كان طويل جدًا، حالات داخلة وحالات خارجة، أجهزة إنذار بتصوت، أهالي مذعورين، وزمايل مرهقين زيي، ووسط كل ده كنت بحاول أتمسك بهدوئي المهني، وبقول لنفسي زي كل مرة: لما اليوم يخلص هرجع البيت، آخد دُش، آكل أي حاجة، وأنام وأنسى كل اللي حصل.

لكن اللي استناني في البيت ماكانش راحة ولا هدوء ولا حتى شوية صمت أرتاح فيهم، أول ما دخلت الشقة بعد الساعة تسعة بالليل، وأنا رجلي فعلًا مش شايلاني ودماغي بتدق من الصداع، لقيت شنطتي محطوطة جنب الباب، وقفت مكاني وبصيت لها كأني مش مستوعبة، في الأول حاولت أقنع نفسي إن أمي يمكن نقلتها علشان تنظف أو ترتب، لكن لما قربت منها اتجمدت مكاني، الشنطة كانت متوضبة بعناية مريبة، هدومي متطبقة جوه، شاحن اللاب متحطوط في الجنب، أدواتي الشخصية متقفلة في كيس صغير، حتى الحاجات اللي بسيبها مبعثرة من التعب كانت متجمعة بشكل مرتب زيادة عن اللزوم، وفي اللحظة دي فهمت إن ده مش ترتيب… ده طرد، حد كان بيجهز خروجي من البيت وأنا لسه برة، وحد أخد القرار من غير حتى ما يكلّف نفسه يستناني.

وصلني ضحك جاي من المطبخ، ضحك خفيف لكنه كان كفاية يخلّي أعصابي تتشد وتوتري يزيد، مشيت ناحيته بخطوات مترددة، ولما دخلت لقيت أخويا الكبير كريم قاعد مع أمي وأبويا، قاعدين بمنتهى الراحة، كأنهم في سهرة عادية، أكواب الشاي قدامهم، وملامحهم هادية بشكل مستفز، أمي بصتلي وابتسمت ابتسامة باردة وقالت: “أهو جيتي”، كلمة بسيطة جدًا، لكنها في اللحظة دي كانت أشبه بصفعة، لأن نبرة صوتها ماكانتش فيها لا قلق ولا حرج ولا حتى محاولة تمهيد، سألت وأنا قلبي بينزل برجلي: “إيه اللي شنطتي بتعمله برة؟”، وقتها كريم مال ورا في الكرسي، وبصلي بثقة مستفزة وقال بكل بساطة: “انتهى دورك”.

الكلمة نزلت عليّ كأنها حكم نهائي مكتوب من غير استئناف، اتسمرت مكاني ومش فاهمة، قلت له: “بتقول إيه؟”، لكن قبل ما يرد أبويا ضحك وقال: “ما تعمليش نفسك مش فاهمة”، وفجأة كريم مد إيده في جيبه وطلع بطاقتي البنكية، نفس البطاقة اللي كنت بحافظ عليها كويس لأنها شايلة تعبي وساعات شغلي الإضافي وخطط شهور طويلة، ورماها على الترابيزة قدامي كأنه بيرمي حاجة مالهاش قيمة، في اللحظة دي فعلًا حسيت إني مش قادرة أتنفس، مش مجرد انفعال، لكن ضيق حقيقي في صدري، ورجفة سريعة مشت في إيدي، قلت له وأنا صوتي مخنوق: “إنت سرقت بطاقتي؟!”، فهز كتفه وقال بضحكة باردة: “استلفتها… وفضّيت الحساب”.

ماقدرتش أتحكم في رد فعلي، جريت أمسك البطاقة لكنه سبقني وحط إيده عليها وقال: “اهدي… دي فلوس العيلة أصلًا”، صرخت من غير ما أحس: “لأ… دي فلوسي!”، لكن أمي تدخلت بهدوء مستفز وقالت: “قرار كويس… إنتي عايشة هنا بقالك سنتين وبتحوشي لنفسك”، في اللحظة دي الدنيا كلها بردت حواليا، حسيت كأن الكلام بييجي من مكان بعيد، وسألت وأنا ببص بينهم واحد واحد: “سحبتوا كام؟”، كريم هز كتفه بمنتهى اللامبالاة وقال: “كله”، الكلمة دي رغم قصرها كانت أتقل من أي شتيمة، مسكت موبايلي بإيد بتترعش وفتحت التطبيق بسرعة، يمكن في غلطة، يمكن في مبلغ فاضل، يمكن اللي سمعته مش حقيقي، لكن الشاشة كانت أصدق من أي كلام، الرصيد 0.43 جنيه، والحساب التاني 12 جنيه، وكل التحويلات والسحوبات مرصوصة قدامي واحدة ورا التانية لحد ما الرقم وصل لحوالي 38 ألف جنيه.

وقفت أبص في الشاشة وأنا مش قادرة أصدق، الفلوس دي ماكانتش مجرد أرقام، دي كانت ورديات زيادة، ونزول في أيام أجازات، وحرمان من حاجات نفسي فيها، ومشاوير مترحلتش علشان أوفر، وتعب متراكم على شهور طويلة، همست بصوت واطي كأني بكلم نفسي: “دي فلوس دراستي”، لكن كريم وقف قدامي وقال ببرود قاتل: “مش بتاعتك خلاص”، رفعت عيني فيه وقلت من بين أسناني: “رجّعها”، فرد بمنتهى البساطة: “لأ”، كأننا بنتكلم على حاجة مستعارة بسيطة، مش على حلمي، مش على حقي، مش على الأمان الوحيد اللي كنت بحوشه لنفسي.

في اللحظة دي قام أبويا من مكانه وقال بنبرة كلها حسم: “إنتي قعدتي هنا كتير… أكل وشرب وكهربا… كده الحساب اتصفّى”، الكلام نزل على قلبي كسكين بطيء، لأنهم ماكانوش بس بيسرقوا فلوسي، هم كمان بيعيدوا تعريف وجودي كله كأنه حمل، كأن كل مرة رجعت فيها البيت مرهقة وساكتة كنت بالنسبة لهم فاتورة بتتراكم، قلت وأنا صوتي بيتكسر من الصدمة: “إنتوا عمركم ما طلبتوا مني إيجار!”، فردت أمي من غير ما ترمش: “ما كناش محتاجين نطلب”، الجملة دي كشفت كل حاجة، كشفت إن الموضوع ماكانش لحظة غضب، ولا تصرف فردي من كريم، لكن قرار قديم، متفق عليه، ومؤجل تنفيذه لحد ما ييجي الوقت المناسب.

بصيت في وشوشهم واحد واحد، كنت بدور على أي علامة ندم، أي ارتباك، أي لمعة بسيطة تقول إن ضميرهم لسه عايش، لكني مالقيتش غير برود، بل إن أخويا كان مستمتع بالمشهد، وأمي متماسكة زيادة عن اللزوم، وأبويا شايف نفسه صاحب حق، وقتها فهمت إن الصدمة الحقيقية مش في الفلوس، لكن في إن البيت اللي كنت بدخله كل ليلة وأنا تعبانة وأقول لنفسي “الحمد لله عندي أهل”، كان من زمان مجرد مكان مؤقت، وإن الحنية اللي كنت أفتكرها موجودة كانت في الغالب عادة أنا اللي متخيلّاها، مش حقيقة هما بيعيشوها.

حبست دموعي بالعافية، مش لأن الوجع قليل، لكن لأن الانهيار قدامهم كان هيبقى هدية مجانية ليهم، أخدت البطاقة من قدام كريم وهو بيبتسم ابتسامة انتصار، ومسكت شنطتي اللي مرمية عند الباب، وبصيت لماما للحظة طويلة، لحظة كان فيها تاريخ كامل بيني وبينها بيتشال من مكانه، وقلت بصوت هادي وواضح: “تمام يا ماما… الحساب اتصفّى فعلًا، بس مش بس فلوس… الحساب اتصفّى من ناحيتي أنا كمان”، وما استنيتش رد من حد، لأن أي كلمة زيادة كانت هتبقى إهانة جديدة، وأنا كنت بالفعل واخدة فوق احتمالي.

خرجت من البيت والجو كان ساقع، والمنصورة في الوقت ده من الليل بتبقى هادية بشكل يخليك تسمع أفكارك بوضوح موجع، مشيت شوية من غير اتجاه، وبعدين ركبت أول ميكروباص قابلني، وأنا فعلًا ماكنتش عارفة رايحة فين، لكن كان عندي يقين واحد بس: إني ماينفعش أرجع، قعدت جنب الشباك وبصيت للشارع اللي كنت عارفاه طول عمري، لكنه في اللحظة دي كان غريب زيي، حسيت بمزيج قاسٍ بين الوجع والراحة، وجع الخيانة اللي جت من أقرب ناس، وراحة إني أخيرًا خرجت من مكان كان بيستهلكني باسم العيلة، وأنا ساكتة ومصدقة إن السكوت فضيلة حتى لو كان بيموتني حتة حتة.

في نص الطريق فتحت الموبايل، ووسط الدموع المكتومة والخنقة اللي لسه ماسكة صدري، ظهرت على وشي ابتسامة صغيرة لأول مرة من ساعة ما خرجت، لأن الحقيقة اللي كريم مايعرفهاش، واللي هما كلهم ماكانوش يعرفوها، إن الـ 38 ألف جنيه اللي سحبهم ماكانوش كل حاجة، دول كانوا مجرد جزء من اللي بحوشه، حساب جاري فرعي بسيب فيه مبلغ معلوم للمصاريف القريبة والخطة الدراسية اللي قدامهم، لكن حسابي الأساسي، اللي بينزل عليه بدلات الشغل الإضافي والمكافآت والحوافز، كان في بنك تاني خالص، ومحدش في البيت يعرف عنه أي حاجة، لأني من زمان، من غير ما أوضح حتى لنفسي، كنت مأمنة جزء مني بعيد عنهم، كأني من جوايا كنت حاسة إن اليوم ده جاي مهما حاولت أنكره.

طلعت رقم سارة صاحبتي في المستشفى، وهي أكتر واحدة شافتني في لحظات التعب الحقيقي، وأكتر واحدة تعرف إني لما بسكت مايبقاش معناه إني ضعيفة، أول ما ردت قلت لها من غير مقدمات: “سارة… أنا جاية لك السكن، ومحتاجة بكرة الصبح نكلم المحامي اللي تبع النقابة… فيه محضر سرقة وتحويلات بنكية لازم يتعمل حالًا”، سكتت ثواني لأنها فهمت من صوتي إن المصيبة كبيرة، لكني كملت بهدوء محسوب: “الموضوع مش هيعدي كده”، كانت دي أول مرة من بداية الليلة أحس إن في خيط صغير من السيطرة بيرجع لإيدي، وإن اللي حصل مهما كان موجع، مش هيعدي بلا حساب.

أنا مريم، اللي ناس كتير كانت فاكراني طيبة عشان بسكت، ومسالمة عشان بافوت، لكن الحقيقة إن شغلي نفسه علّمني حاجة مايتعلمهاش غير اللي عاش تحت الضغط يوميًا، علّمني إن النفس مش مجرد هواء داخل وخارج، النفس قرار، توقيت، ونجاة، وأنا كأخصائية علاج تنفسي عارفة كويس جدًا إمتى أدي فرصة للحياة، وإمتى أتدخل بحسم، وإمتى ماينفعش أسيب اللي قدامي يستهين لأنه متخيل إن هدوئي غفلة أو إن صبري ضعف، كريم كان فاكر إنه لما فضّى الحساب وطردني من البيت يبقى كده كسرني، لكنه ماكانش يعرف إنه في الحقيقة فتح لي باب الخروج من السجن ده للأبد.

طول الطريق كنت برجع في دماغي مواقف قديمة كتير فهمتها فجأة بشكل مختلف، تعليقات أمي عن إني “بحوش كتير لنفسي”، نظرات كريم كل ما يشوفني راجعة من الشغل تعبانة ومعايا أكل من برة، سؤال أبويا المتكرر عن المرتب والبدلات والمكافآت، ومحاولاتهم المستمرة يعرفوا تفاصيل أكتر عن خطتي للسفر والدراسة، كل حاجة كانت باينة قدامي دلوقتي كأنها سلسلة واحدة، وأنا اللي كنت بغطيها بحسن نية، كنت بقول لنفسي إنهم بيهتموا، إنهم خايفين عليا، إن السؤال من حقهم، لكن الحقيقة إن بعض القلوب ما بتسألش من باب الحب، بتسأل من باب الحسبة، من باب عايزين يعرفوا إيه اللي ليهم وإمتى ياخدوه.

وصلت عند سارة وأنا مش قادرة أحدد هل أنا منهارة ولا ثابتة، لكني كنت متأكدة من شيء واحد: إن اللي بدأوه النهاردة مش هيخلص على مزاجهم، لأن السرقة في الورق ليها اسم، وليها عقوبة، والتحويلات البنكية ليها أثر، والابتزاز العاطفي باسم الأهل ما بيمحيش الحق، بالعكس، أحيانًا بيخلّي المواجهة أوضح، وأنا طول عمري باهرب من الصدام علشان أحافظ على الباقي من الروابط، لكن لما الروابط نفسها تتحول لسلسلة بتخنقك، يبقى قطعها مش قسوة… يبقى نجاة.

في الليلة دي وأنا قاعدة على سرير سارة المؤقت، والشنطة جنبي، والموبايل في إيدي، لأول مرة حسيت إن الخسارة اللي حصلت مش نهاية، بالعكس، كانت بداية كشف كبير، بداية أشوف بيها الناس على حقيقتهم من غير فلتر العِشرة، ومن غير خوف الوحدة، ومن غير وهم إن الدم بيمنع الأذى، لأن في ناس فعلًا تشاركك الاسم والبيت والذكريات، لكن أول ما يشوفوا تعَبك اتحول لرقم، يحسبوه مكسب متاح، وأنا وقتها قررت إن حقي مش هسيبه، لا علشان الفلوس بس، لكن علشان نفسي اللي اتدهست، وثقتي اللي اتهانت، وكرامتي اللي اترمت مع البطاقة على الترابيزة كأنها شيء بلا قيمة.

ومن سخرية القدر إنهم كانوا فاكرين إنهم خلصوا مني، وإنهم صفّوا الحساب بطريقتهم، لكنهم ماكانوش يعرفوا إنهم بالمشهد ده تحديدًا حرروني من آخر قيد كان بيربطني بيهم، وإن الفلوس اللي خدُوها ماكانتِش غير جزء صغير، أما الجزء الأكبر فكان لسه في أمان، والأهم من الحساب البنكي كله إن إرادتي نفسها كانت لسه سليمة، ويمكن أقوى من أي وقت فات، ولأنهم مايعرفوش ده، هييجيلهم الوجع من المكان اللي ماحسبوش له حساب، مش بالصراخ، ولا بالفضايح، لكن بالقانون، وبالهدوء اللي بيخوف أكتر من أي انفجار.

كريم كان فاكر إنه كسرني، وأهلي كانوا مقتنعين إنهم أخيرًا أخدوا حقهم من “بنت قاعدة في البيت وبتحوش لنفسها”، لكن الحقيقة إن اللي عملوه كان أكبر غلطة في حياتهم، لأنهم ماخدوش بس قرار سرقة، هم كمان اختاروا يطردوا بنت كانت لسه لحد آخر لحظة بتصدق إن البيت بيت، وإن الأهل أهل، وده النوع من الخسارة اللي مافيش رجوع بعده، ومهما حاولوا بعد كده يرقعوا، فيه حاجات لما بتنكسر ما بترجعش أبدًا، وأنا من اللحظة دي بطلت أدور على رجوع، وبدأت أدور على عدل.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان