اتفاق الموت في ليلة العيد.. حكاية كرموز التي لم يحتملها قلب
الليل كان ساكن بشكل غريب، سكون تقيل كأنه بيخبي جواه حاجة سودا، والساعة عدّت نص الليل بشوية… في شوارع كرموز بالإسكندرية كانت الحياة ماشية بشكل طبيعي جدًا، أصوات ضحك طالعة من الشباب اللي بيشتروا لبس العيد، محلات لسه فاتحة رغم الوقت، أمهات بيحضّروا الكعك، وأطفال بيجربوا هدومهم الجديدة قدام المراية بفرحة بريئة. كل حاجة كانت بتقول إن بكرة عيد… وإن الفرح على الأبواب.
لكن في شقة قديمة في دور عالي، في بيت متهالك شوية، كان فيه مشهد تاني خالص بيتكتب… مشهد مفيهوش لا عيد ولا فرحة ولا أمل. كان فيه وجع متراكم سنين، ساكن في الحيطان، ومستخبي في العيون، ومستني اللحظة اللي يخرج فيها… بس مش خروج عادي، خروج مدمر.
“ر.و.م”، شاب عنده عشرين سنة، رجع البيت متأخر، خطواته كانت تقيلة كأن كل خطوة شايلة هم الدنيا كلها. الباب صوّت وهو بيتفتح، لكنه ما سمعش حد… البيت كان هادي بشكل غريب. دخل بص على إخوته الخمسة، كل واحد فيهم نايم بطريقته، طفل حاضن المخدة، والتاني مكور نفسه من البرد، والتالت نايم بابتسامة خفيفة كأنه بيحلم بحاجة حلوة… منظرهم كان المفروض يطمن، لكنه زوّد وجعه أكتر.
عدّى عليهم واحد واحد، وقف عند كل سرير ثواني، يبص في وشوشهم كأنه بيحفظ ملامحهم… يمكن لأول مرة يشوفهم بتركيز كده. وبعدين خرج للبلكونة، لأن فيه حاجة جواه بتسحبه ناحية أمه… أو يمكن ناحية القرار اللي كان بيتكوّن جواه من غير ما يحس.
البلكونة كانت ضلمة، والبرد داخل فيها بقسوة، لكن أمه كانت قاعدة هناك لوحدها، ساكتة، عينيها في الفراغ، كأنها شايفة حاجة محدش غيرها شايفها. كانت مريضة، التعب باين على وشها، وجسمها أضعف بكتير من إنها تشيل كل ده… لكن الحياة ما سألتهاش إذا كانت قادرة ولا لأ.
قعد جنبها من غير كلام… لحظة طويلة عدت بينهم، مليانة صمت تقيل. هو كان مستني منها كلمة، أي كلمة، حاجة تشيله من اللي هو فيه، تطبطب عليه، تطمنه إن بكرة ممكن يبقى أحسن… لكنها قالت كلمة واحدة بس، بصوت هادي ومكسور:
“معلش…”
الكلمة كانت صغيرة… لكن وقعها كان زي صاعقة. الكلمة دي كانت إعلان استسلام، اعتراف بالعجز، نهاية كل أمل. في اللحظة دي، حاجة جواه اتكسرت، أو يمكن حاجة كانت مكسورة أصلًا وكملت انهيارها.
بدأ الكلام بينهم يطلع ببطء… الأول عن التعب، عن الفقر، عن الأب اللي سابهم واتجوز، عن الإحساس إنهم لوحدهم في الدنيا، محدش شايفهم ولا حاسس بيهم. الكلام اتحول من شكوى لفكرة… ومن فكرة لخطة.
“نرتاح…”
الكلمة خرجت من حد فيهم، ومحدش فيهم رفضها.
بدأوا يتكلموا عن “الراحة الأبدية”، عن إنهم ينهوا كل ده مرة واحدة، من غير جوع ولا خوف ولا مذلة. الفكرة كانت مرعبة… لكنها في عينيهم بقت مخرج. مفيش حد فيهم وقف، مفيش حد قال “لا”، مفيش حد رجع خطوة… بالعكس، كل كلمة كانت بتقربهم أكتر من النهاية.
الاتفاق اتعمل في لحظة ضعف… لكنه كان أخطر من أي قرار في حياتهم. قرروا إن الإخوة الخمسة “يرتاحوا” الأول… وبعدهم الأم… وبعدها هو.
رجع الشاب للداخل، قلبه بيدق بسرعة، لكنه كان متماسك بشكل مرعب. البيت لسه ساكت… إخواته نايمين، مش حاسين بحاجة. اللحظة دي كانت فاصلة… بين إن كل حاجة تفضل زي ما هي، أو إن كل حاجة تنتهي للأبد.
واللي حصل بعد كده… كان كابوس حقيقي.
الهدوء اتكسر فجأة… صرخات، حركة، ارتباك… الأطفال صحيوا على حاجة عمرهم ما تخيلوها. كانوا بيبصوا له بعيون مليانة خوف، مش فاهمين إيه اللي بيحصل، ولا ليه. واحد منهم قال بصوت متقطع:
“ارحمنا يا أخويا…”
الكلمة دي كان ممكن توقف الزمن… لكن الزمن ما وقفش. والقلب اللي كان المفروض يلين… كان خلاص اتحول لحاجة تانية.
الأم كانت موجودة… شايفة كل حاجة. عيونها كانت ثابتة، مفيهاش دموع، مفيهاش اعتراض، كأنها خرجت من المشهد وهي لسه فيه. يمكن كانت شايفة إن ده الحل… أو يمكن كانت فقدت القدرة على الرفض.
كل حاجة حصلت بسرعة… وببطء في نفس الوقت. لحظات اتكتبت في ثواني، لكنها هتفضل عايشة سنين في ذاكرة كل اللي سمع عنها.
بعد ما انتهى كل شيء… ساد الصمت تاني. صمت أبشع من الأول. الشاب وقف وسط المكان، كأنه مش مصدق اللي حصل… أو يمكن كان مصدق، لكن مش حاسس.
بص لأمه… جه دورها. لكنها ما قاومتش. ما حاولتش تهرب، ما قالتش كلمة. كأنها كانت مستنية اللحظة دي. كأنها وافقت من الأول، وسابت النهاية تمشي لحد آخرها.
في لحظة، كل حاجة انتهت… أو هكذا كان مفروض تنتهي.
طلع السطوح… الهواء كان بارد جدًا، والمدينة من فوق شكلها هادي، كأنها مش عارفة حاجة عن اللي حصل تحت. وقف على الحافة، وبص لتحت… يمكن لأول مرة يحس بالخوف، أو يمكن لأول مرة يفكر.
لكن قبل ما يكمل… الناس شافته.
صوت صراخ، جري، حد مسكه، حد شده لورا… النهاية ما كملتش زي ما كانت مرسومة. وقع على الأرض وهو منهار، بيقول بكلام متقطع:
“معرفش طلعوا لي منين…”
اللي حصل بعد كده كان صدمة لكل الناس… الجيران، الشارع، المدينة كلها. الكل بيسأل: إزاي ده حصل؟ إزاي أم توصل لكده؟ إزاي ابن يعمل ده؟
لكن الإجابة ما كانتش بسيطة.
الجيران قالوا إن الأم كانت مريضة… سرطان بيأكل في جسمها، وفقر بيأكل في روحها. كانت شايلة مسؤولية أكبر من طاقتها، ومفيش حد واقف جنبها. كل يوم كانت بتصحى على نفس الهم، ونفس الخوف… وخوف أكبر على ولادها.
كانت بتبص لهم وتحس إن المستقبل مقفول في وشهم، وإن الدنيا مش هترحمهم… ومع الوقت، الإحساس ده كبر، وسيطر عليها، لحد ما بقى أقوى من أي غريزة تانية.
وفي ليلة… بدل ما تستنى العيد… قررت تهرب.
بس الهروب ده… كان أبشع نهاية ممكنة.
البيت اللي كان من شوية مليان همس وصراخ… بقى ساكن بشكل يخوف أكتر من أي صوت. الهدوء اللي رجع مكانش راحة، كان تقيل، خانق، كأنه شاهد على كل حاجة حصلت ومش قادر ينساها. الحيطان نفسها كأنها شافت وسجلت، والأرض شايلة أثر لحظات ما ينفعش تتنسي، لحظات كسرت كل معنى للبيت، لكل كلمة “أم” و”أخ” كانت المفروض تبقى أمان.
في الساعات اللي بعد الواقعة، الدنيا برا الشقة كانت لسه ماشية… ناس بتضحك، ناس بتجهز للعيد، أطفال نايمين مستنيين بكرة بفرحة، محدش فيهم يعرف إن في بيت قريب منهم، العيد اتحول فيه لكابوس عمره ما هيخلص. المفارقة كانت قاسية… إن الفرح كان على بُعد أمتار، لكن جوه الشقة كان فيه نهاية كل حاجة.
الابن كان قاعد على الأرض، ضهره مسنود للحيطة، عينه مفتوحة لكن مش شايفة، كأنه خرج من نفسه ومبقاش موجود بالكامل. إيده كانت بترتعش، مش من البرد… لكن من حاجة أعمق، حاجة اسمها “إدراك متأخر”. إدراك إن اللي حصل مش حلم، وإن مفيش رجوع. وإن القرار اللي اتاخد في لحظة ضعف، خلق واقع مفيهوش أي مخرج.
السطح اللي كان ناوي ينهي عليه كل حاجة، بقى شاهد على لحظة الانكسار الأخيرة. لما الناس مسكته، ما كانش بيقاوم… بالعكس، كان بيبص حواليه بذهول، كأنه مش فاهم هو لسه هنا ليه. كأنه كان مستني يكون في مكان تاني… مكان قال لنفسه إنه “راحة”، لكنه فجأة بقى بعيد جدًا عنه.
صوته وهو بيقول “معرفش طلعوا لي منين” ما كانش مجرد جملة… كان اعتراف كامل إنه فقد السيطرة من زمان، وإن اللحظة دي كانت أول مرة يرجع يحس بالحقيقة. الحقيقة اللي موجعة، اللي مفيهاش تبرير ولا تفسير كفاية.
الجيران لما عرفوا، اتجمعوا تحت البيت، كل واحد فيهم بيحاول يفهم… بس محدش قادر يستوعب. واحدة بتقول: “دي كانت طيبة… عمرها ما أذت حد”، والتانية ترد: “بس كانت شايلة هم كبير أوي”، ورجل واقف ساكت، بيبص للأرض، كأنه فاهم إن اللي حصل مش لحظة… ده تراكم سنين.
كل حكاية عن الأم بدأت تطلع… مرضها اللي كان بياكل فيها واحدة واحدة، الليالي اللي كانت بتسهر فيها لوحدها، خوفها من بكرة، من مصاريف، من أكل، من عيال بتكبر وهي مش قادرة توفر لهم أبسط حاجة. إحساسها إنها بتغرق… ومفيش حد بيمد لها إيده.
لكن اللي محدش كان شايفه، هو اللحظة اللي اتكسرت فيها من جوه. اللحظة اللي اقتنعت فيها إن النهاية أسهل من الاستمرار. اللحظة اللي خلتها توافق على فكرة ما تتخيلش… فكرة ما ينفعش تتقبل بأي شكل.
وفي وسط كل ده، السؤال فضل معلق: هل كانت شايفة إنها بترحمهم؟ ولا كانت بتهرب من وجعها هي؟ هل كانت واعية بكل حاجة؟ ولا الألم غطى على كل حاجة لحد ما بقت مش شايفة غير طريق واحد؟
المدينة صحيت تاني يوم على خبر صادم… العيد جه، بس الفرحة اتكسرت. في بيوت كتير، الناس حضنت عيالها أكتر، بصوا لهم بنظرة مختلفة، وكأنهم بيقولوا: “الحمد لله إننا لسه مع بعض”.
أما البيت ده… ففضل ساكت. بابه مقفول، لكن حكايته اتفتحت في كل مكان. حكاية مش عن جريمة وبس… لكن عن وجع اتساب يكبر، وعن صمت فضل سنين لحد ما انفجر في لحظة ما ينفعش تتصلح بعدها أي حاجة.