رد القلم.. في ليلة العمر
اليوم ده كان المفروض يبقى نهاية حكاية طويلة من التعب… مش مجرد يوم تخرج عادي. أنا كنت شايفة اليوم ده كأنه وعد قديم بيني وبين نفسي، وعد إني مهما الدنيا لفت بيا، ومهما اتكسرت أو اتوجعت، في الآخر هقف اليوم ده رافعة راسي، وأقول لنفسي: “أنا قدرت.”
من بدري وأنا بصحى على تفاصيل اليوم، مش بس تجهيزات الحفلة، لكن ذكريات سنين فاتت كلها كانت بترجعلي. وأنا بلبس الفستان الأخضر، افتكرت أول مرة دخلت بيها مدرسة ياسين، وأنا شايلة هم المصاريف. وأنا بحط الميك أب، افتكرت ليالي كنت بصحى فيها على صوته وهو بيذاكر، وأعمله شاي وأقعد ساكتة علشان ما أشتتوش. كل تفصيلة صغيرة كانت ليها معنى.
القاعة كانت فعلاً جميلة… مش الجمال المبالغ فيه، لكن الجمال اللي فيه روح. الإضاءة دافية، والناس بتتحرك بخفة، والضحك طالع من غير تصنع. صوت الأغاني كان بيغطي على أي توتر جوايا… أو يمكن أنا كنت بحاول أصدّق كده.
وقفت وسط الناس، بس حاسة إني لوحدي مع اللحظة دي. لحظة إني خلاص وصلت. مش أنا بس… إحنا. أنا وياسين.
لما شوفته قدامي، حسيت إن الزمن جري فجأة. بقى راجل… واقف ببدلة شيك، بس عينه لسه فيها نفس النظرة القديمة. قربت منه، وعدلت الكرافتة بإيدي، يمكن علشان أطوّل اللحظة شوية، يمكن علشان أأكد لنفسي إنه لسه ابني.
قلت له بهدوء: “شرفتني يا بشمهندس… رفعت راسي.” وسكت شوية قبل ما أكمل “…وراس أبوك.”
الجملة دي تحديدًا خرجت مني وأنا مش متأكدة أنا بقولها ليه… يمكن علشان العادة، يمكن علشان الصورة، يمكن علشان كنت لسه متمسكة بحاجة جوايا رغم كل الشكوك اللي كانت بتكبر يوم عن يوم.
لأن الحقيقة… إن إحساسي كان بيقول لي إن في حاجة غلط. حاجة مش واضحة، بس موجودة. زي صوت واطي جوا دماغي بيقول: “خلي بالك.”
حاولت أتجاهله. قلت لنفسي: “مش وقته… النهاردة يوم فرح.”
بس اللحظة اللي بعدها… كل حاجة اتغيرت.
حسيت بوجود كمال قريب. مجرد وقوفه كان كفاية يغيّر الجو حواليا. بصيت له، ولأول مرة أشوفه بالشكل ده… مش غريب، لكن مكشوف. ملامحه مش بتخبي حاجة، بالعكس… فيها نوع من الحسم البارد، كأنه خلاص خد قراره ومش فارق معاه أي حاجة تانية.
مد إيده بظرف أبيض. بسيط جدًا، بس تقيل في إحساسي. وقال لياسين: “مبروك يا ياسين… ودي هدية والدتك.”
في اللحظة دي، قلبي شد جامد. مش خوف… لكن إحساس إن الستارة هتتفتح على حاجة أنا كنت شايفاها من بعيد بس مش عايزة أصدقها.
لما قال “ورقة طلاقها”… ما استغربتش قد ما كنت متوقعة. الغريب إني حسيت بهدوء غريب جدًا… هدوء مش طبيعي، زي اللي بيجي بعد ما الحقيقة تظهر وتريحك حتى لو كانت موجعة.
بصيت لياسين… ودي كانت أصعب لحظة. مش علشاني… علشانه. لأنه كان واقف بيننا، مش فاهم، متجمد، والشهادة وقعت من إيده كأنها مش أهم حاجة في حياته من شوية.
كنت عايزة أضمه، أطمنه، أقول له إن كل حاجة هتبقى كويسة… لكني ما اتحركتش. لأني عارفة إن اللي جاي لازم يحصل.
ولما دخلت الحاجة فوزية ومعاها نورا… الصورة اكتملت.
نورا كانت ماشية بثقة زيادة عن اللزوم، بس أنا كنت شايفة ورا الثقة دي توتر مستخبي. أما حماتي… فكانت شايفة نفسها انتصرت. قربت مني وقالت كلامها، اللي لو كنت سمعته من سنة، كان ممكن يهدني.
لكن دلوقتي… لا.
ضحكت.
مش ضحكة هستيرية… لكن ضحكة طالعة من واحدة فهمت اللعبة أخيرًا. ضحكة فيها راحة أكتر من ألم.
بصيت لياسين وقلت له يرفع شهادته… مش علشان الموقف، لكن علشان ما ينساش نفسه وسط كل ده.
كمال كان متضايق من رد فعلي… واضح عليه إنه كان مستني يشوفني ضعيفة. يمكن كان محتاج كده علشان يحس إنه كسب.
بس اللي حصل… كان عكس كل توقعاته.
وأنا بطلع الملف من شنطتي، كنت حاسة بثقل السنين اللي فاتت… كل مرة شكيت وسكت، كل مرة حسيت واتجاهلت، كل مرة قررت أراقب بدل ما أواجه.
التوكيل اللي كانوا فاكرينه حركة ذكية منهم… كان أكبر غلطة عملوها.
أنا ما كنتش برد فعل… أنا كنت مستنية اللحظة المناسبة.
ولما اتكلمت… ما عليتش صوتي. بالعكس، كنت هادية جدًا، لدرجة إن كل كلمة كانت أوضح.
وش كمال وهو بيتغير قدامي… كان كفاية. أول مرة أشوفه مش متحكم. أول مرة أشوفه مش واثق.
أما نورا… فكانت بتتراجع خطوة خطوة، وكأنها بتحاول تخرج من الصورة من غير ما حد ياخد باله.
لكن الحقيقة… كانت أوضح من أي محاولة للهروب.
ولما جبت سيرة الكاميرات… ساعتها بس، حسيت إن الضربة وصلت.
أنا ما كنتش عايزة أنتقم… أنا كنت عايزة حقي. بس الفرق بينهم إن الحق لما بيرجع، بيبقى أقوى من أي انتقام.
دخول أخويا… كان آخر قطعة في المشهد. وجوده ما كانش مفاجأة ليا… لكن للكل حواليّا كان صدمة.
كمال لما نادى على نورا… كان لسه فاكر إنها في صفه. ودي كانت أكتر لحظة كشفت كل حاجة.
لأنها سابته بسهولة… كأنها عمرها ما كانت معاه.
وهنا… كل حاجة انتهت.
مش بس جواز… لكن وهم طويل.
بصيت له وهو بيتاخد، وما حسيتش بانتصار قد ما حسيت براحة. راحة واحدة أخيرًا خرجت من معركة طويلة.
وقتها بس، بصيت لياسين.
ابتسمت له… ابتسامة حقيقية، مش متصنعة.
وقلت له: “يلا… كفاية كده. نكمل يومنا.”
مسك إيدي… بس المرة دي، كان هو اللي بيدي الأمان.
خرجنا من القاعة، والهواء البارد خبط في وشي كأنه بيفوقني من حلم طويل… أو يمكن كابوس. لأول مرة من سنين أحس إن صدري خفيف، مش شايل هم، ولا مستني ضربة جاية. بس الغريب إن الراحة دي كان فيها طعم مر… زي حد كسب معركة، بس خسر فيها حاجات كتير.
ياسين كان ماشي جنبي ساكت. إيده في إيدي، بس مش زي زمان… المرة دي هو اللي ماسك بإحكام، كأنه خايف أختفي منه فجأة. بصيت له من طرف عيني، لقيت ملامحه هادية، بس عينيه مليانة أسئلة. أسئلة أكبر من سنه، وأصعب من إنها تتجاوب في لحظة.
وقفت شوية قدام باب الفندق، وبصيت له وقلت بهدوء: “مش لازم تسأل دلوقتي… بس أنا وعدك، هقولك كل حاجة في وقتها.”
هز راسه من غير ما يتكلم. الحركة دي كانت كفاية تقول إنه بدأ يفهم… أو على الأقل، بدأ يستوعب إن اللي حصل مش نهاية، لكنه بداية حاجة تانية.
ركبنا العربية، وسكتنا طول الطريق. مفيش راديو، مفيش كلام، بس كان في إحساس مشترك بينا… إحساس إننا خرجنا من دايرة، ولسه مش عارفين داخلين على إيه.
لما وصلنا البيت… أو اللي كان بيتنا، وقفت قدامه لحظة. الباب كان نفس الباب، والمكان هو نفس المكان، بس إحساسي ناحيته اتغير تمامًا. البيت اللي قضيت فيه سنين ببنيه حتة حتة… فجأة بقي مجرد جدران.
دخلت، وكل حاجة كانت في مكانها… بس ولا حاجة كانت زي ما هي.
ياسين دخل أوضته من غير كلام، وأنا قعدت في الصالة لوحدي. لأول مرة، الصمت كان عالي… عالي لدرجة إني كنت سامعة أفكاري بوضوح زيادة عن اللزوم.
افتكرت كل حاجة… أول يوم دخلت البيت ده، أول خلاف، أول شك، أول مرة حسيت إن في حاجة غلط وسكت. كنت دايمًا بقول لنفسي: “عدّيها… علشان البيت يفضل واقف.”
بس الحقيقة… إن البيت كان بيقع وأنا اللي كنت بسنده.
قطع تفكيري صوت موبايل. رقم غريب. رديت بتردد.
“مدام… إحنا من القسم…”
الصوت كان رسمي، بس مش قاسي. فهمت على طول. الموضوع لسه مخلصش.
قال لي إن الإجراءات بدأت، وإن وجودي هيكون مطلوب كشاهدة. قفلت المكالمة وأنا حاسة إن صفحة اتقفلت… وصفحة تانية اتفتحت، بس مش عارفة نهايتها فين.
بعد شوية، خرج ياسين من أوضته. كان هادي بشكل غريب. قعد قدامي وقال: “ماما… هو بابا كان كده من زمان؟”
السؤال كان بسيط… بس تقيل.
بصيت له، واخدت نفس طويل، وقلت: “مش كله مرة واحدة… بس آه، كان في حاجات أنا اخترت ما أشوفهاش.”
سكت شوية، وبعدين قال: “وأنتي… ليه سكتي؟”
السؤال ده وجعني… مش علشانه، لكن علشاني.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت: “علشان كنت فاكرة إن السكوت بيحافظ على البيت… بس اتعلمت إن السكوت أحيانًا بيضيع كل حاجة.”
هز راسه، وكأنه سجل الجملة دي جواه.
في الليلة دي، ما نمناش بدري. كل واحد فينا كان قاعد مع أفكاره. بس الفرق إن المرة دي… مكنتش خايفة من بكرة.
تاني يوم، صحيت بدري. مش علشان ورايا حاجة، لكن علشان النوم مبقاش ليه نفس الطعم. عملت قهوة، وقعدت في البلكونة. الشمس كانت طالعة بهدوء… نفس الهدوء اللي كان جوايا لأول مرة.
الموبايل رن تاني… المرة دي كان أخويا.
“إنتي كويسة؟”
قلت له: “أيوه… كويسة بجد.”
سكت شوية، وبعدين قال: “خلصنا جزء كبير… والباقي إجراءات. بس أهم حاجة… إنتي خرجتي.”
الكلمة دي وقفت عندي… “خرجتي”.
فعلاً… أنا خرجت. مش من جواز… لكن من حالة كنت عايشة فيها سنين.
بعد أيام، بدأت أرتب حياتي من جديد. مش بشكل كبير… لكن خطوة خطوة. نقلت حاجات بسيطة، سيبت حاجات تانية. اكتشفت إن مش كل حاجة ليها قيمة لازم نحتفظ بيها.
ياسين بدأ يرجع لطبيعته تدريجيًا. كان بيحاول يركز في مستقبله، وأنا كنت شايفة فيه حاجة جديدة… قوة، يمكن اتولدت من اللي حصل.
في مرة، وهو بيجهز للخروج، بص لي وقال: “أنا فخور بيكي.”
الجملة دي… كانت كفاية تعوض سنين.
عدّى وقت، وكل حاجة بدأت تهدى. القضية ماشية، والحياة ماشية معاها. بس أنا بقيت مختلفة.
مبقتش بخاف من المواجهة… ومبقتش بسكت علشان أرضي حد.
في يوم، وأنا واقفة قدام المراية، شفت نفسي بشكل جديد. مش الست اللي استحملت… لكن الست اللي قررت.
وقتها فهمت إن اللي حصل في ليلة التخرج… ما كانش نهاية.
كان بداية.
بداية حياة… أنا اللي بكتبها.