أنا اسمي سناء… ويمكن أول مرة أقول الحكاية دي كلها من أولها لآخرها من غير ما أختصر أو أعدّي على الوجع بسرعة. لأن الحقيقة إن في حاجات لو ما اتحكتش بالتفصيل، ما بتتفهمش. أنا ست عادية جدًا، زي ملايين الستات اللي عاشت عمرها كله في الشغل والتعب، بس الفرق إن أنا كنت شايفة كل ده استثمار… مش في نفسي، لكن في ابني أحمد.
أنا دلوقتي داخلة على خمسة وستين سنة، والسنين دي مش مجرد رقم، دي حكايات، وذكريات، وتعب متراكم، وقرارات أخدتها وأنا عارفة إني اللي هدفع تمنها. اشتغلت في المستشفى سنين طويلة، ورديات ليل ونهار، أوقات كنت برجع البيت الفجر وأنا مش قادرة أفك الطرحة من على راسي من كتر الإرهاق. كنت بدخل البيت بهدوء، وأمشي على أطراف صوابعي عشان ما أصحيش أحمد، وأقعد أبص له وهو نايم، وأقول لنفسي: “هو ده السبب… كل ده عشانه.”
مكنتش بشتكي، حتى لنفسي. كنت لما أتعب أقول عادي، لما أتحرم أقول مش مهم، لما أسيب حاجة نفسي فيها أقول بعدين. كلمة “بعدين” دي كانت دايمًا جاهزة، بس الحقيقة إن “بعدين” ده كان دايمًا لأحمد… مش ليا.
كنت بحوش من مرتبي، رغم إنه ما كانش كبير، وكنت بحاسب نفسي على كل جنيه. لبسي بسيط، خروجي قليل، حتى الأكل كنت أوفر فيه. مش بخلاً… لكن عشان كان عندي هدف واضح جدًا: أجيب شقة أرتاح فيها لما أكبر. مكان يكون ليا أنا، محدش ينازعني فيه، ولا يحسسني إني تقيلة عليه.
ولما ربنا كرمني واشتريت الشقة في مارينا، حسيت لأول مرة إن تعبي ما راحش على الفاضي. المكان كان هادي، البحر قدامي، والهوا مختلف عن أي حتة عشت فيها قبل كده. كنت كل ما أروح هناك، أقف في البلكونة وأغمض عيني، وأتنفس بعمق، وأقول: “أهو ده… ده اللي كنت مستنياه.”
والسنين جرت، وأحمد كبر قدامي، خطوة بخطوة. دخل الجامعة، واتخرج، واشتغل، وكل مرة كان ينجح فيها كنت بحس إن ده نجاحي أنا كمان. ولما قال لي إنه هيتجوز، فرحت له من قلبي. يمكن أكتر منه. كنت شايفة إن حياتي بتكمل، وإن اللي زرعته بيكبر.
شيرين دخلت حياتنا، وأنا من أول يوم قررت أتعامل معاها كبنت مش كزوجة ابن. قلت لنفسي يمكن ربنا يعوضني بيها، وتبقى أقرب لي. حاولت أريحها، وأديها مساحتها، وما أكونش تقيلة عليها. لو طلبت حاجة أعملها، ولو سكتت أفهم، ولو زعلت أحاول أعدّي.
في الأول، الأمور كانت ماشية بشكل عادي، فيه شوية شد وجذب، بس كنت بقول طبيعي. جيل غير جيلنا، وطريقة تفكير مختلفة. ما كنتش بحب أعمل مشاكل، ولا أضغط على أحمد، بالعكس، كنت دايمًا بحاول أكون عامل استقرار مش توتر.
ومع الوقت، بقوا يروحوا الشقة في مارينا كتير، وأنا ما اعترضتش. كنت بقول ده بيتهم زي ما هو بيتي. كنت حتى بفرح لما يقولوا إنهم رايحين، وأوصيهم على المكان، وأقولهم خلو بالكم من نفسكم.
لكن في يوم، كل حاجة اتقلبت.
كنت واقفة في البلكونة، ماسكة كوباية الشاي، وببص للبحر. اليوم كان هادي، والهوا لطيف، وصوت الموج داخل جوايا بهدوء. كنت حاسة براحة غريبة، يمكن لأن المكان ده كان دايمًا بيرجع لي إحساس إني لسه ليا حق في الحياة.
فجأة، سمعت صوت خطوات ورايا. لفيت، لقيت شيرين داخلة. شكلها عادي جدًا، لكن نبرة صوتها كانت حاجة تانية خالص.
قالت لي: “بقولك إيه يا طنط… بابا وماما وإخواتي جايين يقضوا أسبوعين هنا…”
سكتت لحظة، وبعدين كملت بنفس البرود: “والشقة بصراحة مش هتكفينا كلنا، فإنتي ممكن تروحي تقعدي في أي لوكاندة قريبة الأسبوعين دول.”
وقفت شوية، يمكن مستنية رد، وبعدين ضافت: “إنتي ست بركة ومش بتدققي يعني.”
الكلام دخل في قلبي تقيل… مش عشان الطلب بس، لكن عشان الطريقة. كأنها بتتكلم عن حاجة عادية جدًا، كأن اللي قدامها مش صاحبة البيت، ولا حتى إنسانة لها حق.
بصيت جنبّي… لقيت أحمد واقف.
مستنيته يتكلم. يقول أي حاجة. يعترض. يرفض. حتى يتردد. لكنه قال بكل بساطة:
“معلش يا ماما… هما ضيوف وعايزين ياخدوا راحتهم.”
ساعتها، ما حسيتش إني زعلانة… حسيت إني فاضية من جوايا. كأن حاجة كبيرة جدًا كانت جوايا واتشالت مرة واحدة.
ما اتكلمتش. دخلت أوضتي، وبدأت ألم هدومي. كل حاجة كنت بعملها كانت ببطء، كأني بتفرج على نفسي من بره. الشنطة كانت صغيرة، بس كانت شايلة عمر.
خرجت من الشقة، ومحدش حاول يوقفني. نزلت السلم، وخرجت من الباب، وأنا حاسة إني بخرج من حياتي مش من مكان.
اللوكاندة كانت سيئة… سيئة لدرجة إن حتى الوصف مش كفاية. الأوضة ضيقة، والريحة تقيلة، والتكييف صوته عالي، والشباك على منور. قعدت على السرير، وبصيت للسقف، وساعتها بس حسيت بثقل كل اللي حصل.
مسكت الموبايل، وفتحت الفيسبوك. يمكن أهرب. لكن لقيت شيرين منزلة صور… في بلكونتي. نفس المكان. نفس الكرسي. نفس الترابيزة. وأكل فاخر، وضحك، وتعليق:
“أخيراً في بيتنا الصيفي… العيلة وبس، والخصوصية أهم حاجة.”
وقفت عند كلمة “بيتنا”.
ابتسمت… بس مش ابتسامة فرح. كانت ابتسامة قرار.
الليل كله ما نمتش. كنت بفكر، مش في اللي حصل… لكن في اللي جاي.
الصبح، قومت وأنا حاسمة أمري. لبست، وخدت شنطتي، وطلبت عربية. وقفت قدام باب الشقة. نفس الباب… لكن أنا مش نفس الشخص.
كنت معايا اتنين رجالة. خبطت. فتحت شيرين، لابسة الروب بتاعي.
قالت بضيق: “إيه يا طنط؟”
قلت بهدوء: “أنا مش جاية أقعد… أنا جاية أخليكي تسلمي الشقة لأصحابها الجداد.”
خرج أحمد بسرعة: “أصحاب مين؟”
طلعت العقد، وقلت: “أنا بعت الشقة امبارح.”
الصمت اللي حصل بعدها كان تقيل… تقيل جدًا.
أهلها بدأوا يلموا حاجتهم بسرعة. أحمد بص لي وقال: “كده يا ماما؟”
قلت له: “اللي يبيع أمه… ما يستحقش يعيش في بيتها.”
أديتهم ساعة… وخرجت.
وأنا ماشية، حسيت إني رجعت لنفسي… لأول مرة من سنين.
روحت فندق كبير… دخلت، واتعاملت باحترام، وقعدت في أوضة واسعة، وبصيت على البحر.
نفس البحر… بس إحساس جديد.
المرة دي، أنا مش مستنية الراحة…
أنا وصلت لها.
وفهمت حاجة واحدة بس:
الكرامة… لو ضاعت، لازم ترجعيها بإيدك.
دلوقتي، وأنا قاعدة بشرب شاي، هادية، مرتاحة…
حاسة إن دي مش نهاية حكاية…
دي بداية حياة.
عدّى أسبوعين… ويمكن لأول مرة في حياتي أحس إن الوقت بيمشي من غير ما أكون بجري وراه. ما فيش ورديات، ما فيش حساب لكل جنيه، وما فيش حد مستني مني حاجة. كنت بصحى الصبح على صوت البحر، مش على منبه مزعج، وأشرب شايّي وأنا مرتاحة… مش وأنا بفكر هعمل إيه بعده.
الغريب إن الهدوء في الأول كان بيخوّفني شوية. كنت متعودة على الزحمة، على التعب، على إن دايمًا في حد أولى مني. لكن مع كل يوم، كنت بحس إن في حاجة جوايا بترجع تتكوّن من جديد… حاجة اسمها “أنا”.
أحمد حاول يتصل بيا كذا مرة. كنت بشوف اسمه على الموبايل، وأسيبه يرن لحد ما يقفل. مش كره… بس يمكن لأول مرة كنت محتاجة أسمع صوتي أنا قبل أي حد تاني.
وفي يوم، رديت.
كان صوته متردد: “عاملة إيه يا ماما؟”
قلت بهدوء: “كويسة يا أحمد.”
سكت شوية، وبعدين قال: “إحنا غلطنا… بس الموضوع كبر مننا.”
ابتسمت… نفس الابتسامة الهادية اللي بقيت أعرفها كويس، وقلت: “الغلط مش إن الموضوع كبر… الغلط إنك سبتني أصغر.”
ما ردش. يمكن لأنه فهم… ويمكن لأنه أول مرة يشوفني بالشكل ده.
قفلت المكالمة من غير زعل، ومن غير دموع. الغريب إن قلبي كان هادي… مش متوجع زي ما كنت متخيلة. يمكن لأن الجرح لما بيتقفل صح، ما بيوجعش تاني.
بعدها بأيام، قررت أعمل حاجة عمري ما عملتها قبل كده… اشتريت شقة صغيرة باسمي، في مكان هادي، مش فخم زي مارينا، لكن دافئ. اخترتها على مزاجي، فرشتها بإيدي، وكل تفصيلة فيها كانت بتشبهني أنا… مش حد تاني.
حطيت كرسي في البلكونة، ونباتات صغيرة، وستارة خفيفة بتتحرك مع الهوا. بقي عندي ركن خاص بيا… مش مجرد مكان أنام فيه، لكن مكان أعيش فيه.
وبدأت أخرج، أتعرف على ناس، أروح أماكن جديدة. حتى رجعت أعمل حاجات كنت بحبها زمان ونسيتها… زي القراية، والمشي، والضحك من غير سبب.
وفي مرة، وأنا قاعدة في البلكونة الجديدة، مسكة كوباية الشاي، افتكرت نفسي من سنين… الست اللي كانت بتأجل كل حاجة لنفسها، وتقول “بعدين”.
ضحكت، وقلت بصوت مسموع:
“مفيش بعدين… في دلوقتي وبس.”
يمكن أحمد يرجع يعتذر تاني… يمكن لا. يمكن الأيام تصلح اللي اتكسر… ويمكن كل واحد يكمل طريقه. بس الحاجة الوحيدة اللي بقيت متأكدة منها، إني مش هرجع أبداً لنقطة أكون فيها آخر اهتماماتي.
أنا سناء… ويمكن اتأخرت شوية، بس أخيرًا فهمت:
اللي يعيش عمره كله لغيره… لازم في يوم يعيش لنفسه.