سترّت بنت غريبة… فسرقت بيتي وجوزي! لكن النهاية كانت غير متوقعة
فتحت عيني بالعافية، كأن حد بيرفع عني جبل، لقيت نفسي باصة للسما، غيمة تقيلة مغرقة الدنيا، لونها رمادي كئيب، شبه إحساسي بالظبط، وكأن اللحظة دي مش بس نهاية يوم… دي نهاية حياة كاملة كانت متبنية على وهم كبير، أنا “صباح”، ست عندي 30 سنة، لوحدي في الدنيا، لا أب ولا أم ولا سند، اتربيت على إني أستحمل، أعدي، وأقول “بكرة أحسن”، ولما اتجوزت “عصام”، صدقت إن ربنا أخيرًا عوضني، صدقت إن الراجل ده هو السكن، هو الضهر، هو اللي هيحميني من قسوة الدنيا اللي عشتها لوحدي سنين، اديته كل حاجة معايا، ورثي الصغير اللي كان كل أماني، ساعدته يشتري “الميكروباص” اللي بيشتغل عليه، وفرشنا الشقة على قدنا، وكل مرة كنت بقول لنفسي “إحنا واحد… وكل حاجة هتبقى أحلى”، وكنت بصدق.
عدت سنين وأنا مستحملة، وهو كل ما أفتح موضوع الخلفه يقولي “يا صباح هنصرف منين؟”، “العيال عايزة مصاريف”، “الدنيا صعبة”، وأنا كنت بسكت، أقول معلش، يمكن خايف، يمكن شايل هم، لحد ما ربنا جبر بخاطري، وجبت “يوسف”، ابني اللي كان بالنسبة لي حياة جديدة، ضحكته كانت بتعوضني عن كل حاجة، كنت ببص له وأقول لنفسي إن كل اللي فات يهون عشانه، وإن مهما حصل أنا مش لوحدي خلاص.
وفي ليلة شتا تقيلة، المطر نازل بغزارة، والشارع شبه فاضي، كنت راجعة من عند جارتي، لفيت وسمعت صوت فرامل عربية صرخت في ودني، صوت يخض، يخلي القلب يقع، جريت ناحية الصوت من غير تفكير، لقيت بنت مرمية على الأرض، هدومها متبهدلة وجسمها كله متعور، والدم مغرق الأرض حوالينها، العربية اللي خبطتها اختفت، ولا كأنها كانت موجودة، وقفت لحظة متجمدة، بس قلبي سبق عقلي، جريت عليها، وصرخت في الناس، ولمّيناها ونقلناها المستشفى، ومن اللحظة دي… حياتي بدأت تتغير من غير ما أعرف.
فضلت جنبها 3 أيام، ما سيبتهاش، كنت بحس إني شايفة نفسي فيها، الوحدة، الخوف، الإحساس إنك تايه ومفيش حد لك، لما فتحت عينيها، بصت لي بضعف وقالت اسمها “فاتن”، وكانت بتتكلم وهي بتعيط، بتحكي إنها هربانة من قسوة عمها اللي عايز يجوزها لراجل قد جدها عشان فلوس، وإنها جات القاهرة من غير ما تعرف تروح فين، وإن العربية اللي خبطتها كانت نهاية كانت مستعدة لها، ساعتها قلبي اتوجع عليها، حسيت إنها أنا زمان، من غير تفكير قلت لها: “بيتي مفتوح لك يا فاتن… اعتبريني أختك”.
دخلت فاتن بيتي، وكنت فاكرة إني بعمل خير، فاكرة إني بستر بنت غلبانة، لكن الحقيقة إن الشر أحيانًا بيدخل البيوت في صورة ضعيفة عشان ما نشكش فيه، في الأول كانت هادية، خجولة، بتساعدني، بتشيل عني شغل البيت، بتضحك في وش يوسف، وكنت بحمد ربنا إن في حد بقى يساعدني، حتى عصام، رغم اعتراضه الأول، بدأ يلين، بدأ يضحك معاها، يطلب منها تعمل أكل معين، ومع الوقت… الوضع اتغير، بس مش مرة واحدة، لأ… بهدوء، تدريجي، زي السم اللي بيدخل الجسم نقطة نقطة.
فاتن بدأت تلبس لبسي، في الأول كنت بقول عادي، أختي الصغيرة، بعد كده بقت تختار بالظبط الحاجات اللي عصام بيحبها، بقت تتعمد تفتح له الباب، بقت تقعد معاه في المطبخ وتضحك، وأنا واقفة كأني مش موجودة، لما كنت أتكلم، كانت تعيط وتقول: “سامحيني يا أبلة”، وعصام؟ كان بيدافع عنها، يقولي: “بلاش سوء نية”، لحد ما بقى واضح… بس أنا كنت برفض أشوف.
لحد اليوم اللي الدنيا كشفت لي فيه كل حاجة مرة واحدة، كنت نازلة أجيب طلبات، وقلت لهم إني هتأخر، لكن حصل ظرف ورجعت بدري، فتحت الباب بهدوء، البيت كان ساكت بشكل غريب، دخلت أوضة النوم… واللي شفته كان كفيل يوقف قلبي، فاتن قاعدة قدام المراية، بتسرح شعرها، وعصام نايم في حضنها، المشهد كان كأنه كابوس، لكن للأسف… كان حقيقة.
صرخت بكل قوتي، الصوت خرج من جوايا كأنه نار: “يا خاينين!”، الدنيا اتقلبت، عصام قام بسرعة، لكن بدل ما يندم… مسكني من شعري ورماني، وقال بكل برود: “إنتي طالق”، الكلمة نزلت عليا زي سكينة، كمل وقال: “والبيت ده ما لكيش فيه حاجة… الشقة باسم فاتن”، حسيت الأرض بتلف بيا، بصيت لفاتن، لقيتها واقفة بكل بجاحة، لابسة هدومي، وبتقولي: “اطلعي بره… والولد يوسف هيفضل معايا”.
في اللحظة دي، اتكسرت… بس للحظة واحدة بس، لأن فجأة افتكرت حاجة، حاجة صغيرة، لكن كفيلة تقلب كل حاجة، ابتسمت وسط دموعي، لأن عصام نسي أهم حاجة… الورق، العقد، حقي اللي كنت مأمّناه من زمان، مسكت تليفوني وكلمت ابن عمي “سيد”، وقلت له: “تعالى… الحقني”.
وفي أقل من ساعة، الدنيا اتقلبت، سيد جه برجالته، الحارة كلها اتلمت، عصام بقى واقف مرعوب، وفاتن بتحاول تمثل القوة، لكن لما المحامي وصل وبدأ يتكلم، الحقيقة ظهرت، الشقة مش من حقهم، البيع باطل، والورق اللي معايا كفيل يدخلهم السجن، ساعتها بس شفت الخوف الحقيقي في عينيهم، نفس الخوف اللي حاولوا يحطوه في قلبي.
فاتن حاولت تهرب، لكن ستات الحارة وقفوا لها، رجعوا دهبي، والشرطة وصلت، وفي لحظة، اللي كانوا عايزين يرموّني في الشارع… اتحطوا هم في القيود، وأنا واقفة، مش مصدقة، بس لأول مرة… حسيت إني رجعت حقي.
دخلت بيتي، حضنت ابني “يوسف”، وبكيت… بس المرة دي دموع مختلفة، دموع قوة، دموع نهاية وجع طويل، كسرت “النيش” اللي كان شايل ذكرياتي، كأني بكسر كل حاجة حصلت، وكل خيانة، وكل ضعف.
وبعدها، ما وقفتش، بعت الشقة، بدأت من جديد، مشروع صغير، حياة جديدة، علمت ابني إن الطيبة مش غلط… بس لازم تكون في مكانها الصح، وعرفت أهم درس في حياتي… إن اللي يخون الأمان… الدنيا بترده له في يوم من الأيام.
الفصل الجديد: ما بعد الانتقام
بعد ما باب القسم اتقفل عليهم، وبعد ما صوت القيود اختفى في الممر، كنت واقفة برا، الهوا البارد بيخبط في وشي، وأنا مش حاسة بحاجة غير فراغ غريب، فراغ مكانش وحش… لكنه كان تقيل، كأن حاجة كبيرة كانت شاغلة حياتي وخرجت فجأة، وسيبت مكانها مساحة واسعة محتاجة تتملّي من أول وجديد، بصيت حواليا لقيت الناس بترجع لحياتها عادي، كل واحد ماشي في طريقه، كأن اللي حصل من شوية ماكانش زلزال هز دنيتي أنا بس، ودي كانت أول مرة أفهم إن وجعك، مهما كان كبير، الدنيا مش بتقف عشانه… وإنت اللي لازم تقرر هتوقف عنده ولا هتكمل.
رجعت الشقة تاني، بس المرة دي وأنا لوحدي، فتحت الباب بالمفتاح، نفس الباب اللي اتقفلت ورايا وأنا مرمية في الشارع من ساعات، دخلت خطوة خطوة، كل ركن في البيت كان شايل ذكرى، صوت ضحك قديم، خناقة، حلم كنت برسمه لنفسي، بس الغريب إني ما حسّتش بالانكسار زي الأول، بالعكس، حسيت إن المكان بقى غريب عني، كأنه بيت حد تاني، وأنا مجرد زائرة جت تقفل صفحة، مش تعيش فيها، مشيت في الصالة، لمست الحيطة، بصيت على الصور، بس ما وقفتش، لأن اللي جوايا كان بيقول لي إن الرجوع الحقيقي مش للمكان… الرجوع الحقيقي لنفسي.
دخلت أوضة النوم، وقفت قدام المراية، نفس المراية اللي شفت فيها خيانتهم، بس المرة دي كنت شايفة حد تاني، مش الست المكسورة اللي كانت بتعيط، لكن واحدة تعبت، وقعت، واتعلمت، وقامت، واحدة عرفت إن الطيبة مش ضعف، وإن السكوت مش دايمًا حكمة، وإن اللي يسامح كل مرة، بيتحول في نظر الناس لحد سهل، وده كان الدرس اللي اتكتب في قلبي قبل عقلي، إن الكرامة مش رفاهية… دي الأساس.
يوسف كان نايم في الأوضة التانية، دخلت عليه بهدوء، قعدت جنبه، بصيت لوشه الصغير، وبراءته اللي ملوش ذنب في أي حاجة حصلت، ومسحت على شعره، وفي اللحظة دي، كل حاجة بقت واضحة، أنا مش لوحدي، أنا مسؤولة عن حياة، عن طفل لازم يشوف أم قوية، مش مكسورة، لازم يتعلم مني إن الغلط له رد، وإن اللي يظلمك… مش لازم تسكت له، وإن الرجوع عن الحق مش طيبة… ده ضعف.
الأيام اللي بعد كده كانت بداية جديدة بكل معنى الكلمة، مفيش راجل في البيت، مفيش صوت غريب، مفيش توتر، كان في هدوء… بس هدوء مختلف، هدوء فيه أمان، بدأت أرتب حياتي من الأول، بعت الشقة من غير ما أبص ورايا، كأني ببيع كل ذكرى وحشة معاها، واخدت الفلوس وقررت أبدأ، مش بداية كبيرة، لكن بداية نظيفة، مشروع صغير، تعب بإيدي، حاجة أضمنها لنفسي ولابني.
في الأول كان صعب، مش هكدب، الخوف كان بييجي في لحظات، صوت جوايا يقول “هتقدري؟”، لكن كل مرة كنت أفتكر اللحظة اللي اترميت فيها في الشارع، وأفتكر إحساسي وأنا لوحدي، وأقول لنفسي إن اللي عدّى كان أصعب، وإن اللي قدرت أعديه… أقدر أعدي أي حاجة بعده، وده اللي كان بيديني القوة كل مرة أقع فيها وأقوم.
الناس بدأت تتكلم، زي ما بتتكلم دايمًا، في اللي شمت، وفي اللي قال “تستاهل عشان وثقت زيادة”، وفي اللي قال “يا حرام”، لكن لأول مرة… الكلام ما أثرش فيّ، لأن اللي جوايا بقى أقوى من أي صوت بره، بقيت عارفة أنا مين، وعارفة أنا عملت إيه وليه، وده كان كفاية.
وفي يوم، وأنا قاعدة في المحل الصغير اللي فتحته، دخلت ست كبيرة في السن، بصت لي وقالت: “إنتي صباح؟”، قلت لها أيوه، قالت لي بابتسامة هادية: “ربنا يجبر بخاطرك… إنتي قوية”، الجملة كانت بسيطة، لكنها دخلت قلبي، لأن دي كانت أول مرة حد يشوفني بالشكل ده، مش كضحية… لكن كواحدة وقفت.
رجعت البيت يومها، حضنت يوسف، وبصيت له وقلت في سري: “إحنا هنعيش صح”، ويمكن لأول مرة من سنين طويلة، حسيت إن الجملة دي مش مجرد أمل… دي حقيقة بدأت تتحقق، لأن الحياة مش بتقف على حد، ومش كل نهاية بتكون خسارة، في نهايات بتكون بداية، وبداية أقوى بكتير من اللي فات.
وساعتها بس فهمت… إن اللي باعني في يوم، كان فاكر إنه كسب، لكن الحقيقة إنه خسر أكتر حاجة كانت ممكن تقف جنبه، وإن أنا، اللي اترميت في الشارع حافية، كنت في الحقيقة باخرج من حياة مش شبهّي، لحياة أنا اللي هكتبها من الأول… وبمزاجي.