أنا اسمي سارة… واليوم اللي صحيت فيه في العناية المركزة، كان اليوم اللي حياتي اتقسمت فيه نصين… قبل وبعد.
صحيت وأنا تايهة، مش فاهمة أنا فين ولا إيه اللي حصل، كل اللي كنت حاسة بيه إن جسمي تقيل جدًا، وكأن حد رابطني في السرير، وصوت الأجهزة حواليا عامل زي طنين مستمر في ودني. ريحة المطهرات كانت خانقة، والنور الأبيض القوي كان بيخبط في عيني كأني مش متعودة عليه.
حاولت أفتكر… آخر حاجة حصلت… طريق… نور عربيه… خبطة… وبعدها سواد.
بس كل ده اختفى فجأة لما إيدي اتحركت لوحدها… وراحت على بطني.
ساعتها… كل حاجة وقفت.
بطني كانت فاضية.
مش فاضية بمعنى إنها خفت شوية… لا، فاضية بمعنى إن الحاجة اللي كانت جواها… اختفت.
الإحساس ده صعب يتوصف… كأن في حد سحب جزء من روحي وسابه مكانه فراغ بيوجع. فضلت ثابتة كده ثواني، مش قادرة أصدق، مش قادرة حتى أعيط.
رفعت عيني بالعافية وبصيت حواليا… لقيت أمي واقفة جنبي.
كانت ماسكة منديل، بس مش بتعيط. ملامحها هادية زيادة عن اللزوم… الهدوء اللي بيخوف، مش اللي بيطمن.
وعلى الناحية التانية… هناء أختي… واقفة، إيديها متكتفة، وبصتها فيا مفيهاش أي إحساس… لا حزن، لا قلق… ولا حتى شفقة.
بلعت ريقي بالعافية، وصوتي طلع مبحوح كأني مش أنا اللي بتكلم: “بنتي فين يا ماما؟”
أمي ما قربتش… ما مسكتش إيدي… قالت بس: “البنت نزلت يا سارة… مكنش ليها نصيب تعيش.”
سكتت لحظة، وبعدين كملت بنفس البرود: “وبعدين ده أحسن ليكي.”
أحسن ليكي.
الكلمة دي فضلت ترن في ودني… أكتر من صوت الأجهزة… أكتر من وجع جسمي كله.
هناء زودت، وكأنها بتقفل الموضوع: “بصراحة… وجودها كان هيبهدلك حياتك.”
بصيت لهم… ومش فاهمة.
أنا موجوعة… مكسورة… وبسأل على بنتي… وهم بيتكلموا كأنهم ارتاحوا.
غمضت عيني… يمكن ده حلم… كابوس… وهصحى منه.
بس الوجع كان حقيقي.
والفراغ كان حقيقي.
ونظرتهم… كانت حقيقية.
وفجأة الباب اتفتح.
دخل ظابط شرطة… ومعاه عسكري. وجوده كان مختلف… هدوءه مش زيهم… فيه جدية تقيلة كده.
بص لهم الأول، وبعدين بص لي وقال: “حمد لله على سلامتك يا آنسة سارة… محتاجين نتكلم.”
في حاجة في صوته خلت قلبي يدق أسرع.
طلب منهم يخرجوا… وأمي اعترضت… بس هو ما اتراجعش.
لحد ما خرجوا.
وقتها قعد جنبي… وقال ببساطة:
“اللي حصل مش حادثة عادية.”
بصيت له… مش فاهمة… أو يمكن مش عايزة أفهم.
ابتدى يشرح… بهدوء… بس كل كلمة كانت بتوجع أكتر من اللي قبلها.
قال إن العربية اللي خبطتني كانت قاصدة… إنها سرعت قبل ما تخبطني… وإنها ما حاولتش توقف ولا حتى تهرب.
سألته بصوت ضعيف: “يعني حد كان عايز يموتني؟”
قال: “إحنا بنحقق في ده.”
بس الحقيقة كانت واضحة.
حد كان عايزني أختفي.
لكن المفاجأة الأكبر… كانت اللي بعدها.
قال: “في حاجة غريبة… والدتك وأختك وصلوا المستشفى بدري جدًا… قبل ما يتم إبلاغهم رسمي.”
ساعتها حسيت بشيء بيتحرك جوايا… خوف… شك… حاجة مش مظبوطة.
لكن اللي جاي كان أصعب.
بص لي وقال بهدوء:
“بنتك ما ماتتش.”
أنا حرفيًا اتجمدت.
قال إن ليلى اتولدت قيصري… وإنها في الحضانة… تعبانة… بس عايشة.
اللحظة دي… مش قادرة أوصفها.
فرحة فجأة… وسط صدمة… وسط خيانة.
بنتي عايشة…
وأمي قالتلي إنها ماتت.
ليه؟
السؤال ده كان تقيل… وإجابته كانت أوضح مما كنت عايزة أصدق.
عشان ما أسألش.
عشان ما أدورش.
عشان ما أتمسكش بيها.
المقدم سألني: “حد ضغط عليكي قبل كده تتنازلي عنها؟”
افتكرت كل حاجة…
كلام أمي عن “الستر”… هناء وهي بتقول إنها هتربيها أحسن مني… الأسئلة عن الورق… عن الشهادة…
حاجات كنت فاكرة إنها عادية…
طلعت مش عادية خالص.
قلت له: “أيوة.”
ومن هنا… كل حاجة بدأت تتكشف.
رجعوا الأوضة… وأنا ساعتها كنت شخص تاني.
وشي هادي… لكن جوايا نار.
عدت يومين… وأنا بمثل… بضحك حتى ساعات… لحد ما الممرضة دخلت بالليل وقالت لي إن الوقت جه.
خرجت معاها… وكل خطوة كانت بتوجع… بس ما كنتش حاسة.
لحد ما وصلت للحضانة.
وشفتها.
ليلى.
صغيرة جدًا… أضعف مما تخيلت… بس موجودة.
وقفت قدامها… وبكيت.
مش عشان ضعيفة…
لكن عشان نجت.
ساعتها عرفت الحقيقة كلها…
إن أختي وجوزها كانوا مديونين… وإنهم قرروا يبيعوا بنتي… وإن الحادثة كانت جزء من الخطة.
أنا ما وقعتش.
المرة دي… لا.
أنا فضلت واقفة.
ولما جه الوقت…
دخلت عليهم.
وهم بيمضوا الورق.
أنا… على كرسي… بس أقوى منهم كلهم.
وشوشهم اتغيرت… الرعب ظهر.
وصرخت:
“بعتوني بكام؟!”
ما كانش عندهم رد حقيقي.
بس الحقيقة كانت واضحة.
أنا كنت عبء…
وبنتي كانت صفقة.
اتقبض عليهم…
والحكم صدر.
وانتهت القصة…
أو يمكن بدأت من جديد.
خرجت من المستشفى…
وشايلة ليلى.
لوحدي… آه.
بس لأول مرة… ما كنتش خايفة.
لأن اللي فقدته…
كان لازم يضيع.
واللي كسبته…
كان أنا.
وكانت هي.
ليلى.
اللي رجعتلي روحي.
عدى شهر… يمكن أكتر شوية… بس الوقت ساعتها ما كانش بيتقاس بالأيام، كان بيتقاس بحاجة تانية… عدد المرات اللي بصحى فيها من النوم مفزوعة، وعدد المرات اللي ببص فيها على ليلى عشان أتأكد إنها لسه معايا.
خرجنا من المستشفى، وأنا شايلة بنتي بإيدي… الإيد اللي كانت فاضية يوم ما فوقت، رجعت تتملي بيها… بس الإحساس ما كانش راجع زي الأول. كان في خوف ساكن جوايا، خوف غريب… كأن حد ممكن ييجي ياخدها مني في أي لحظة.
نقلت في شقة صغيرة، بعيدة عن المكان القديم، وعن كل حاجة كانت بتفكرني بيهم. مكنتش عايزة أشوف حد، ولا أسمع صوت حد… كنت عايزة أبدأ من الصفر.
ليلى كانت لسه ضعيفة… نومها متقطع، وأنفاسها ساعات بتبقى سريعة، وساعات بطيئة لدرجة تخوف. كنت بصحى كل شوية أحط إيدي على صدرها… بس عشان أتأكد إنها عايشة.
وفي كل مرة… كانت بتبصلي بعينيها الصغيرة، وساعتها كنت بحس إن كل حاجة تستاهل.
الهدوء ما طولش.
في يوم، وأنا قاعدة بحاول أنيمها، تليفوني رن.
رقم غريب.
اترددت ثواني… وبعدين رديت.
الصوت اللي جه من الناحية التانية كان واطي، هادي زيادة عن اللزوم… وقال:
“مبروك… عرفتي تحافظي عليها.”
جسمي اتجمد.
ما كانش سؤال… كان تأكيد.
قلت وأنا بحاول أتماسك: “مين؟”
سكت لحظة… وبعدين قال:
“خلي بالك منها كويس… في ناس لسه شايفاها فرصة.”
وقف الخط.
قعدت مكاني مش قادرة أتحرك… قلبي بيدق بسرعة مرعبة، وإيدي بتترعش.
الموضوع ما كانش انتهى.
بلغت المقدم حازم فورًا.
صوته كان هادي، بس المرة دي فيه حذر واضح: “ما ترديش على أي رقم غريب تاني… وأنا هبعت حد يراقب المكان.”
من ساعتها… بدأت أحس إني تحت مراقبة.
مش بشكل واضح… بس إحساس.
مرة نزلت أجيب حاجة من تحت، لقيت عربية واقفة بعيد شوية، حد جواها… بس أول ما بصيت ناحيتها، اتحركت ومشيت.
مرة تانية، لقيت باب الشقة مفتوح سنة صغيرة… وأنا متأكدة إني قفلته.
ابتديت أنام أقل… وأفكر أكتر.
مين لسه عايز ليلى؟
المقدم حازم رجع كل الخيوط تاني… وابتدى يدور أوسع.
وبعد كام يوم… الحقيقة ظهرت.
الموضوع ما كانش مجرد أختي وجوزها.
كان في شبكة… ناس بتشتري أطفال… وبتتصرف فيهم.
وأختي كانت مجرد حلقة صغيرة.
والأسوأ…
إن الصفقة ما كانتش اتقفلت.
في حد دفع… ومستني يستلم.
وفي نظره… ليلى لسه “حقه”.
لما سمعت الكلام ده… أول إحساس جه في بالي ما كانش خوف.
كان غضب.
غضب خالص… نضيف… مفيهوش تردد.
المرة دي… مش ههرب.
المقدم حازم قال لي: “إحنا ممكن ننقلّك مكان آمن.”
بصيت له وقلت:
“ولو فضلت أهرب طول عمري؟”
سكت.
وأنا كملت:
“أنا مش هسيب بنتي تعيش وهي مطاردة… خلّص الموضوع ده.”
بصلي شوية… وبعدين هز راسه.
ومن هنا… بدأت مرحلة جديدة.
مش مرحلة هروب…
مرحلة مواجهة.
اتفقنا على خطة.
هيحاولوا يوصلوا ليا… وإحنا هنستناهم.
كان لازم أبان طبيعية… أتحرك عادي… أخرج… أرجع… كأن مفيش حاجة.
بس الحقيقة…
إن كل خطوة كنت باخدها… كنت حاسة إنها ممكن تكون الأخيرة.
وفي يوم…
وأنا راجعة من الصيدلية…
حصل اللي كنا مستنيينه.
حد قرب مني فجأة… بسرعة… حاول يخطف الشنطة اللي فيها ليلى.
بس ما كانش لوحده.
وفي نفس اللحظة…
الشارع اتقلب.
عساكر ظهرت من كل ناحية… وصوت المقدم حازم كان واضح وهو بيصرخ:
“سيبها!”
الراجل حاول يجري… بس اتقبض عليه.
وأنا…
كنت واقفة…
حاضنة ليلى…
بترعش…
بس واقفة.
بعد التحقيق… اتكشف كل حاجة.
الشبكة اتقفلت… والناس اللي وراها اتقبض عليهم.
والصفقة…
اتلغت للأبد.
المرة دي بقى…
كان في نهاية حقيقية.
عدى وقت بعدها…
والحياة بدأت تهدى شوية.
ليلى كبرت… وبقت أقوى… وضحكتها بقت تملأ البيت.
وأنا…
رجعت أتنفس.
مش زي الأول…
بس أحسن.
وفي يوم… وأنا قاعدة ببص لها وهي بتلعب…
افتكرت كل حاجة.
الوجع… الخوف… الخيانة…
وابتسمت.
لأن رغم كل ده…
أنا كسبت.
مش عشان انتصرت عليهم…
لكن عشان ما بقيتش زيهم.
ولأن ليلى…
كبرت…
في أمان.