على مدار سبع سنين كاملين، من غير ما يوم يعدي عليا وأنا ناسية، كنت بمشي نفس المشوار بنفس الخطوات، كأني مربوطة بخيط خفي بيرجعني لنفس المكان، نفس الباب، نفس الوجوه، ونفس السؤال اللي بقي جزء مني، زي النفس اللي بيطلع من صدري من غير ما أفكر. كنت كل مرة بدخل البنك وأسأل نفس السؤال بالظبط، من غير ما أغير فيه حرف، كأني خايفة لو غيرت كلمة واحدة الحقيقة نفسها تضيع مني، وكان الرد دايمًا بيجيلي بنفس البرود، بنفس الجملة المحفوظة اللي بقت ترن في ودني حتى وأنا في بيتي: “مفيش حساب بالاسم ده يا حاجّة”. سبع سنين، سبع سنين وأنا ما بين باب البنك والبيت، ما بين الأمل اللي بيمسك في قلبي وبين الإحباط اللي بيحاول يكسره، محدش كان بيسمعني بجد، ومحدش خدني على محمل الجد، ولا مرة، لحد ما جه اليوم اللي رجعت فيه، بس المرة دي مكنتش لوحدي، والمرة دي كل حاجة اتغيرت، والمصير اللي كانوا فاكرينه ثابت، اتقلب بسبب حساب قالوا عليه زمان إنه “مش موجود”.
دلوقتي لو سألت أي حد هناك، مش هتلاقي حد فاكر أنا بدأت أروح البنك من إمتى، بالنسبة لهم كنت مجرد ست غلبانة بتظهر وتختفي، خيال بيعدي في صالة البنك ويروح، لكن أنا فاكرة كل تفصيلة، فاكرة أول مرة، فاكرة كل مرة بعدها، فاكرة التعب اللي في رجلي، والوجع اللي في صدري، فاكرة الإحساس اللي كان بيجيلي كل ما أقرب من الباب الإزاز، الإحساس اللي عمره ما كان إحساس واحدة رايحة بنك، لأ، ده كان إحساس واحدة رايحة تقابل ذكرى ابنها، ذكرى عايشة جواها ومش راضية تموت مهما الزمن عدّى.
كنت دايمًا بروح في نفس اليوم، أول يوم اتنين من كل شهر، الساعة تسعة الصبح بالظبط، لا بدري ولا متأخر، كأن الموعد ده بيني وبين الزمن نفسه، واقفة قدام فرع البنك الأهلي في وسط البلد، مستنية اللحظة اللي الباب يتفتح فيها، وأنا داخلة بنفس الهدوء، بنفس اللبس البسيط، ومن غير أي حاجة في إيدي غير الدوسيه الأزرق القديم، اللي بقى معايا زي الروح، دايب من كتر الشيل، أطرافه متنية، بس جواه كان في كل حاجة تهمني، ورق، صور، ملاحظات، وحاجة أهم من كل ده… وعد.
كنت أول ما أقرب من الشباك، أقول بصوتي اللي التعب باين فيه من غير ما أحاول أخبيه: “صباح الخير… أنا جاية أسأل عن حساب ابني”. في الأول كانوا بيردوا بابتسامة مجاملة، يهزوا راسهم، ويكتبوا الاسم، لكن مع الوقت، الابتسامة اختفت، والموضوع بقى تقيل عليهم، مجرد روتين ممل، وبعدها بقى إزعاج واضح، نظرات ضيق، تكتكة عصبية على الكيبورد، وسؤال بيتقال من غير حتى ما يبصوا في وشي: “اسم صاحب الحساب إيه؟”.
وأنا بنفس الثبات اللي عمري ما فقدته، أقول: “ياسين رأفت محمود”. كانوا يكتبوا الاسم، يستنوا ثواني، وبعدين يرفعوا وشهم بنظرة واحدة بس كفاية تقول كل حاجة: “مفيش حساب بالاسم ده”. كنت بهز راسي كأني أول مرة أسمع الرد، رغم إنه بقى محفوظ جوايا، وأقول بهدوء: “طب ممكن تراجعوا تاني؟ الحساب اتفتح من سبع سنين، هنا في الفرع، ورقمه آخره 48”. بعضهم كان يضحك بسخرية، وبعضهم كان يتضايق، وبعضهم كان يحاول يخلصني بسرعة بأي كلام، لكن في الآخر، كنت بقفل الدوسيه بالراحة، وأقول: “شكرًا ليكم… هجيلكم الشهر الجاي”.
وكنت برجع فعلًا، من غير ما أتأخر، من غير ما أمل، رغم إنهم بدأوا يسموني بينهم “مجنونة البنك”، وأنا كنت حاسة بده حتى لو محدش قاله قدامي، لأن النظرات بتتكلم، والتعامل بيتغير، والأمن بقى عارفني خطوة خطوة، حفظوا مشيتي البطيئة، وهدومي البسيطة، وحتى سكوني وأنا واقفة في الطابور، وفي مرة حاولوا يمنعوني أدخل، وقال لي واحد منهم: “مينفعش تفضلي تشغلي الموظفين كده”، بصيت له في عينه بهدوء وقلت: “أنا مش بشغل حد… أنا بسأل عن مال ابني”، وساعتها سكت، وفتح لي الطريق، زي كل مرة بعدها.
كنت عايشة في بيت بسيط في عزبة النخل، سقفه صاج، لما المطر ينزل، الصوت يملأ المكان كأنه حكاية بتتحكي، ولما البرد يدخل، يدخل من غير استئذان، يلف حوالين جسمي وأنا قاعدة لوحدي، كنت بشتغل في غسيل هدوم الناس تلات أيام في الأسبوع، إيديا كانت بتتشقق من الصابون، بس كنت مستحملة، لأن الحياة مش سهلة، واللي زيي ملوش رفاهية الاختيار، كنت بطبخ رز وفول، ولو الحال اتظبط شوية، أجيب فرخة يوم في الأسبوع، مش علشان نفسي، بس علشان أحس إني لسه عايشة.
ياسين، ابني الوحيد، كان كل حاجة في حياتي، مهندس برمجة، هادي، قليل الكلام، بس كلامه دايمًا له معنى، من النوع اللي بيفكر قبل ما يتكلم، ومن سبع سنين، اتقتل في حادثة قالوا إنها سرقة، طلقة واحدة، محضر، وقضية اتقفلت بسرعة غريبة، كأن حد مستعجل يقفلها، لكن قبل ما يمشي، قال لي جملة فضلت عايشة معايا: “يا أمي، لو حصل لي حاجة… روحي البنك، اسألي عن الحساب، ومتمشيش مهما قالوا لك إنه مش موجود”.
أنا مكنتش بفهم في البنوك، ولا في الحسابات، بس كنت بفهم في الوعد، والوعد ده كان بيني وبينه، علشان كده فضلت أوفي بيه سبع سنين، من غير ما أتعب، أو أمل، أو أستسلم، لحد ما جه اليوم اللي كل حاجة اتغيرت فيه، يوم تلات، مختلف عن كل الأيام اللي فاتت.
المدير الجديد كان لسه مستلم شغله، شافني من مكتبه، وركز معايا بشكل غريب، طلب اسمي، واسم ابني، وأول ما كتبه على السيستم، وشه اتغير، لونه شحب، وعينيه وسعت، كأنه شاف حاجة مكنش المفروض يشوفها، أنا مكنتش فاهمة، بس كنت حاسة إن في حاجة اتكسرت في الصمت اللي كان حوالين الموضوع ده.
في نفس اليوم، صدر أمر إن ممنوع أدخل البنك تاني، لكن أنا كنت عارفة إني هرجع، لأن الوعد لسه مخلصش، وبالفعل، في الزيارة اللي بعدها، رجعت… بس المرة دي مكنتش لوحدي، كنت داخلة ومعايا ناس مش بيهزروا، ناس جاية تدور على الحقيقة مش على إجابة محفوظة، ومع دخولنا، حسيت إن المكان كله اتغير، الوجوه اتبدلت، والنظرات بقت فيها خوف بدل الضيق.
دخلنا غرفة مقفولة، وبدأت الحقيقة تظهر واحدة واحدة، زي خيوط كانت متربطة ببعض، ابني مكنش مجرد مهندس، كان شايف حاجة كبيرة، حاجة محدش كان عايزها تظهر، وكان عنده الجرأة إنه يواجهها، ووثق كل حاجة، كل التفاصيل، كل الأسماء، في حساب خاص، حساب معمول بطريقة محدش يوصله غير في حالة واحدة… إنه يموت.
ولما الحساب ده اتفتح، الدنيا اتقلبت، مش علشان الفلوس بس، لكن علشان اللي ورا الفلوس، أسماء كبيرة، ناس ليها نفوذ، قصص كانت مستخبية، وكل حاجة بقت قدام الكل، في اليوم ده، البنك اتقفل، والوجوه اللي كانت بتتكلم بثقة، سكتت، والألقاب وقعت، والحقيقة بقت أعلى من أي صوت.
أما أنا، فكنت واقفة في ضل كل ده، لا طلبت شكر، ولا ظهرت في أي مكان، أنا كنت عايزة حاجة واحدة بس، إن ابني يتنصف، إن اسمه يرجع نظيف زي ما كان، إن الناس تعرف إنه اختار الصح رغم إن الغلط كان أسهل.
بعد فترة، اتحطت لوحة صغيرة على باب البنك، مكتوب عليها اسمه، وقفت قدامها، حضنت الدوسيه الأزرق، نفس الدوسيه اللي سخروا منه، واللي كان شايل كل الحكاية، وبصيت وقلت في سري إن الرحلة خلصت، مش علشان تعبت، لكن علشان الوعد اتنفذ، وخرجت بهدوء، وأنا متأكدة إن محدش هيقدر يقول لي تاني إن الحساب مش موجود.