من بدري وأنا حاسة إن اليوم ده مش شبه أي يوم عادي. يمكن عشان المناسبة نفسها كبيرة، أو يمكن عشان جوايا إحساس غريب مش مريح، زي ما يكون قلبي بيحاول يقوللي خدي بالك من حاجة إنتِ لسه مش شايفاها. كان عيد ميلاد حماتي “شهيرة هانم” الستين، والحفلة معمول لها حساب كأنها حدث مهم في البلد، مش مجرد عيد ميلاد. أوتيل في الزمالك، تجهيزات مبالغ فيها، ناس مهمة، وكل تفصيلة متخطط لها بدقة.
أنا سلمى… مرات مازن المنصور. الجملة دي المفروض تبقى كفاية تفتحلي أبواب، بس الحقيقة كانت عكس كده تمامًا. أنا بالنسبة لهم دايمًا “بنت الخياطة”، الغلطة اللي حصلت في العيلة واتفرضت عليهم. من أول يوم دخلت فيه البيت وأنا بحاول ألاقيلي مكان، أي مساحة صغيرة أحس فيها إني مش دخيلة، بس كل مرة كنت برجع لنفس الإحساس: إني مش منهم… ومش هابقى.
وقفت قدام المراية قبل ما نتحرك، لابسة الفستان البيبي بلو اللي قعدت أدور عليه كتير. مكنش أغلى حاجة، بس كان مناسب… هادي… شبهي. كنت بحاول أختار حاجة متقولش “ببص لحد”، وفي نفس الوقت متبانش إني أقل منهم. بصيت لنفسي شوية، وعدلت طرحة شعري، وابتسمت ابتسامة صغيرة كده، مش واثقة، بس فيها محاولة.
مازن دخل وهو بيجهز نفسه، بصلي وسكت لحظة، وبعدها قال:
“حلوة… بجد حلوة.”
الكلمة كانت بسيطة، بس فرقت معايا. المشكلة إنه بعدها مباشرة قال نفس الجملة اللي دايمًا بيقولها قبل أي تجمع:
“بس ركزي النهاردة… أمي مش بتحب المفاجآت.”
هزيت راسي، وأنا فاهمة المقصود. مفيش مساحة للغلط. مفيش مساحة أكون على طبيعتي.
أول ما دخلنا القاعة، حسيت إني دخلت عالم مش بتاعي. الإضاءة هادية بس مركزة، النجف كبير، والناس كلها شكلها “مظبوط” زيادة عن اللزوم. الضحك خفيف، الكلام موزون، وكل حاجة فيها نوع من التصنع اللي أنا عمري ما عرفته.
وأكتر حاجة لاحظتها… كانت العيون.
الناس كانت بتبصلي، مش بصراحة، بس النظرات كانت واضحة. تقييم، حكم، مقارنة. أنا بالنسبة لهم مش شخص… أنا “حكاية” سمعوا عنها.
قعدت جنب مازن، وأنا حاسة إني بحاول أختفي جوا الكرسي. الكلام حواليا كله عن شغل، صفقات، أسماء كبيرة… وأنا ولا ليا في ده ولا حتى حد بيحاول يدخلني فيه. كنت موجودة، بس مش محسوبة.
عدى وقت، والكلام بدأ يروح ناحية حماتي. كل واحد بيقول كلمة، مجاملة، مدح… وكلها شبه بعض. وأنا قاعدة، ساكتة، بس جوايا حاجة بتشدني أتكلم. يمكن عشان أثبت إني موجودة، أو يمكن عشان أقول كلمة من قلبي.
قمت، قبل ما أفكر كتير.
خبطت بالشوكة على الكأس، صوت خفيف بس كان كفاية يخلي الكل يسكت. حسّيت بإيد مازن بتشدني لتحت، وهو بيهمس بعصبية:
“اقعدي… مش وقتك.”
بس المرة دي… مسمعتش.
وقفت، وبصيت لحماتي، وقلت:
“أنا مش هعرف أتكلم زيكم… بس حابة أقول حاجة بسيطة.”
خدت نفس، وكملت:
“كل الناس هنا بتتكلم عن نجاحك… وأنا شايفة إن أهم حاجة عملتيها… إنك ربيتي إنسان كويس. أنا يمكن مش شبهكم… بس فخورة إني مرات مازن.”
الصمت كان غريب. مش رفض… بس انتظار.
وفي اللحظة دي، كنت مستنية رد بسيط. حتى لو مجاملة.
لكن اللي حصل… كان أبعد حاجة عن كده.
حماتي بصتلي نظرة باردة جدًا، وقالت بهدوء، بس بصوت مسموع:
“الكلام اللي فيه عاطفة زيادة ده… خليه في الأماكن اللي تناسبه.”
وسكتت شوية، وبعدين كملت:
“إحنا هنا مش محتاجين نبالغ عشان نبان كويسين.”
الكلام كان مهذب في شكله… بس معناه واضح. إهانة متغلفة.
بصيت لمازن. مستنية منه حتى اعتراض بسيط.
لكنه اتضايق… مني أنا.
وقف، وقال بصوت واطي بس حاد:
“إنتي دايمًا لازم تعملي حاجة تلفت النظر؟”
وحصلت اللحظة اللي عمري ما هانساها.
مد إيده وضربني.
مش ضربة قوية بس… ضربة قدام الناس. كأن وجودي كله بيتشال من على وشه.
الدنيا حواليّ سكتت. مش عشان اللي حصل كبير… لكن عشان محدش عايز يشوفه.
محدش اتكلم. محدش اتحرك. حتى أنا… كنت واقفة مش فاهمة أعمل إيه.
الوجع الحقيقي مكانش في وشي… كان في الإحساس اللي جه بعده. إحساس إنك لوحدك تمامًا.
وفي وسط كل ده… حسّيت إن فيه حد بيراقب.
بصيت بعيد، لقيت راجل قاعد لوحده. من أول الحفلة وهو موجود، بس مكنتش مركزة. ملامحه هادية، بس عينيه مش ساكتة.
بعد لحظات، بدأ يتحرك.
وفي نفس الوقت، موبايل مازن رن. وبعده موبايل أبوه. التوتر ظهر عليهم فجأة، بطريقة غريبة.
“إزاي الحسابات تتوقف؟!”
“إزاي الشيكات تترفض؟!”
الراجل وصل لينا.
وقف قدام مازن، وبصله نظرة خلت صوته يختفي.
وقال بهدوء:
“إنت كده خلصت كل حاجة بينك وبينها.”
بص لأبوه، وقال:
“واضح إنكم ناسيين أنا مين.”
وساعتها… قال اسمه.
“منصور السويفي.”
الاسم وقع تقيل. واضح إنه معروف… ومهم.
أنا بس… كنت حاسة بحاجة تانية. الاسم ده أنا سمعاه قبل كده… كتير.
بصلي، وقال بصوت أهدى:
“أنا مكنتش ناوي أظهر بالشكل ده.”
وقرب خطوة، وكمل:
“بس واضح إن الوقت جه.”
وقتها بس… فهمت.
مش بالعقل… بالإحساس.
الملامح… النظرة… الإحساس بالأمان اللي جه فجأة.
أبويا.
اللي قالولي زمان إنه مات… طلع عايش. وكان شايف… وساكت.
مسك إيدي، وقال:
“يلا بينا.”
مفيش مشهد انتقام مبالغ فيه، مفيش صوت عالي… بس كان فيه حاجة أهم: نهاية واضحة.
خرجت معاه، وأنا حاسة إني بسيب ورايا حياة كاملة مش شبهي.
مكنتش منتصرة… بس كنت أخيرًا مش مكسورة.
وأول مرة… حسّيت إن ليا مكان حقيقي… مش محتاجة أقاتل عشان آخده.
الهواء برّه كان مختلف… أو يمكن أنا اللي كنت مختلفة. أول ما خرجنا من باب الأوتيل، حسّيت كأن في حمل كبير اتشال من على صدري، بس في نفس الوقت كان في فراغ غريب. مشيت جنب الراجل اللي لسه من دقايق كنت فاكرة إنه غريب، ودلوقتي بقيت عارفة إنه أبويا… بس الحقيقة دي كانت أكبر من إني أستوعبها بسرعة.
ركبنا العربية من غير كلام. أنا قاعدة جنب الشباك، ببص على الشارع، والناس اللي ماشية عادي جدًا… ولا كأن حاجة حصلت. الدنيا مكملة، بس جوايا كل حاجة واقفة.
عدّى شوية وقت، وهو ساكت. وبعدها قال بهدوء:
“أنا عارف إنك مش فاهمة حاجة.”
بصيت له، بس مردّتش. مكنتش عارفة أبدأ منين. أسأله ليه اختفى؟ ولا ليه رجع دلوقتي؟ ولا ليه سابني كل السنين دي؟
كمل:
“أنا مغبتش بمزاجي… وكان في أسباب لو كنتي عرفتيها وقتها، كانت هتكسرك.”
الجملة دي خلتني أتوتر أكتر. حسّيت إني مش عايزة أسمع مبررات… بس في نفس الوقت محتاجة أفهم.
قلت بصوت هادي:
“كنت فين طول السنين دي؟”
سكت شوية، وبعدين قال:
“قريب… أكتر مما تتخيلي.”
الإجابة كانت غامضة، بس طريقته كانت صادقة. مكنش بيهرب… بس كأنه بيختار كل كلمة بحذر.
وقف العربية قدام بيت هادي، مش فخم ولا بسيط… متوسط، مريح. نزلنا، ودخلنا. المكان كان متجهز كأن حد عايش فيه فعلاً… مش بيت مهجور ولا حاجة.
قعدت، وأنا لسه مش مستوعبة. بصيت له وقلت:
“ليه ظهرت النهاردة؟”
بصلي مباشرة وقال:
“عشان النهاردة… شوفت اللي كنت خايف يحصل من زمان.”
سكت لحظة، وكمل:
“كنت فاكر إنك قوية كفاية تعدّي… بس محدش يستاهل يتكسر بالشكل ده.”
الكلام لمسني، بس في نفس الوقت وجعني. لأنه معناه إنه كان شايف… وساكت.
قلت:
“يعني كنت عارف كل حاجة؟”
هز راسه آه، وقال:
“مش كل حاجة… بس كفاية.”
السكوت اللي بعد الجملة دي كان تقيل. مليان كلام متقالش.
قمت وقفت، وقلت بهدوء:
“أنا مش زعلانة إنك جيت… بس زعلانة إنك مجتش بدري.”
هو ما دافعش عن نفسه. ما قالش أي مبرر. بس بصلي بنظرة فيها اعتراف… يمكن ندم كمان.
عدّى شوية وقت، وأنا بدأت أهدى. لأول مرة من زمان، مكنتش حاسة إني تحت ضغط. مفيش حد بيقيمني، ولا حد مستني مني حاجة.
الموبايل بتاعي رن.
اسم “مازن” ظهر على الشاشة.
بصيت له شوية… ومردّتش.
بعدها رسالة:
“إنتي فين؟ لازم نتكلم.”
قفلت الموبايل.
المرة دي، مكنش عندي استعداد أرجع لنفس المكان، بنفس الشكل.
بصلي أبويا وقال:
“مش لازم تاخدي قرار دلوقتي.”
هزيت راسي وقلت:
“أنا أخدت القرار من زمان… بس كنت بخاف أنفذه.”
قعدت تاني، وبصيت حواليّا. المكان بسيط، بس فيه حاجة أنا مفتقداها من زمان… راحة.
قلت:
“أنا مش عايزة أرجع هناك.”
ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:
“ولا أنا عايزك ترجعي.”
في اللحظة دي، حسّيت إن الدنيا مش بتقف على حد. وإن اللي بيحصل، مهما كان صعب، ممكن يبقى بداية… مش نهاية.
يمكن أنا خسرت ناس… بس يمكن كمان، لأول مرة، بكسب نفسي.