قصة الحاجة سعاد وابنها كريم: سر كبير اتكشف وقلب حياتهم في لحظة

قصة الحاجة سعاد وابنها كريم: سر كبير اتكشف وقلب حياتهم في لحظة


من فترة مش قليلة، ابتديت آخد بالي إن صوتي في البيت بقى واطي شوية، مش عشان أنا اللي واطيته، بس كأن المكان نفسه مبقاش محتاجه زي الأول. كريم، ابني الوحيد، كبر… ودي حاجة أنا استنيتها سنين، بس واضح إن في حاجات لما بتحصل فعلًا بتبقى مختلفة عن تخيلنا ليها. كنت فاكرة إني هفرح بس، لكن الحقيقة إن الفرح كان دايمًا جاي ومعاه إحساس تاني كده… مش حزن صريح، ولا زعل، بس حاجة قريبة منهم.

أنا “الحاجة سعاد”، 69 سنة، ولو حد بص على حياتي من برّه هيقول بسيطة جدًا، ويمكن عادية كمان. شقة متواضعة، ماكينة خياطة في الركن، وروتين يومي مفيهوش مفاجآت كتير. بس اللي محدش بيشوفه هو السنين اللي عدت جوا التفاصيل دي… كل يوم شبه اللي قبله، بس مش هو، وكل تعب صغير متراكم فوق بعضه لحد ما بقى حاجة كبيرة.

ماكينة الخياطة دي تحديدًا، كانت أكتر حاجة صادقة في حياتي. ما بتكدبش، ولا بتتغير. صوتها ثابت، حتى وأنا اللي بتغير حوالين نفسي. اشتغلت عليها وأنا صغيرة، وكملت بيها وأنا أم، وفضلت جنبي بعد ما بقيت لوحدي. كانت بتشغلني عن التفكير أوقات، وأوقات تانية كانت بتخليني أفكر أكتر.

جوزي قبل ما يمشي، ساب لي كلام مش كتير، بس كفاية يعيش معايا لحد دلوقتي. في يوم من الأيام الأخيرة ليه، وأنا قاعدة جنبه، مسك إيدي وقال: “خلي بالك من نفسك يا سعاد… وماتستسهليش حد”. سكت شوية، وبعدين كمل: “وفي حاجة ليكي… خليهالك لحد ما تحتاجيها بجد”.

أنا وقتها ما سألتش كتير، يمكن لأني كنت فاهمة، أو يمكن لأني ما كنتش عايزة أفهم. بعد ما مشي، اكتشفت كل حاجة… أرض ومصنع في القليوبية، مكتوبين باسمي. حاجة كبيرة، أكبر بكتير من حياتي اللي أنا عايشاها. بس الغريب إني ما حسّتش إني عايزة أغيّر حاجة.

فضلت زي ما أنا. نفس اللبس، نفس الشغل، نفس الحياة. يمكن عشان اتعودت، ويمكن عشان كنت شايفة إن اللي مستخبي أريح من اللي باين. مش كل حاجة لازم تتقال، وفي حاجات لما بتتقال بتجيب معاها وجع أكتر من فايدتها.

لما كريم قالي إنه عايز يتجوز نيرمين، وافقت بسرعة. ما فكرتش كتير، يمكن لأني كنت شايفة إنه كبر وخلاص بقى له حياته. بس من أول مرة شفتها فيها، حسيت إن في مسافة… مش بيني وبينها بس، لأ، بينها وبين المكان كله.

مش حاجة واضحة، بس تصرفات صغيرة. طريقة بصتها للحاجات، كلامها اللي فيه نوع من الاستعجال، كأن كل حاجة لازم تبقى بشكل معين وبسرعة. حاولت أتأقلم، وأقرب، وأقول لنفسي إن الاختلاف عادي.

عملت كل اللي أقدر عليه. بعت دهبي، وساعدت كريم من غير ما أحسسه، وكنت بدخل في تفاصيل حياتهم على قد ما يسمحوا. أطبخ، أجهز، أساعد، وأرجع بيتي وأنا راضية. يمكن ما كانش في مقابل واضح، بس كنت بقول لنفسي إن ده طبيعي.

بس الحقيقة إن العلاقة ما كانتش بتقرب. نيرمين كانت مهذبة، بس من بعيد. كل حاجة بينها وبيني محسوبة، مفيش عفوية. حتى كلامها، دايمًا قصير، ومفيهوش مساحة.

يوم الفرح، وسط الزحمة، حسيت إني مش في مكاني. مش عشان حد قال حاجة، بس عشان محدش احتاج يقول. التفاصيل الصغيرة كانت كفاية. نظرة، ترتيب كراسي، طريقة تقديمي للناس… كل حاجة كانت بتقول إني موجودة، بس مش أساسية.

عدّى الأسبوع اللي بعده بسرعة. وأنا بحاول أرجع لنظامي، لحد ما خبط الباب. فتحت، لقيت نيرمين واقفة، ومعاها راجل. شكلهم رسمي زيادة عن اللزوم.

دخلوا، وقعدوا، وبدأ الكلام. كله مغلف بكلام عن الراحة، وعن مصلحتي، وعن إني تعبت كفاية. كنت بسمع، وساكتة. مش عشان مقتنعة، لكن عشان كنت عايزة أفهم هما وصلوا لإيه.

الورق اتحط قدامي. بصيت له، وبعدين بصيت لها. كانت مستنية رد سريع، كأن الموضوع بسيط.

أنا ما سألتش كتير. مسكت القلم بس ما كتبتش. فضلت شايفه المشهد كله من برّه، كأني مش جواه.

في اللحظة دي، جرس الباب رن. صوت عادي جدًا، بس فرق في كل حاجة. قلت لها تفتح، وأنا قعدت مكاني.

دخل المحامي اللي أعرفه، ومعاه ظابط. الجو اتغير فجأة. مش بشكل درامي، بس كفاية يخلي كل واحد ياخد باله هو واقف فين.

الكلام اتقال بهدوء. مفيش صوت عالي، مفيش خناق. بس كل كلمة كانت في مكانها. الورق اتفسر، واللي كان مستخبي بقى واضح.

كريم دخل بعدها. ما قالش حاجة. وقفته لوحدها كانت كفاية. أنا بصيت له، وهو ما بصش.

الموضوع ما كانش محتاج انفعال. كل حاجة كانت ماشية في سكتها، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من الأول.

أنا قومت، وعدّلت طرحتي، وبصيت لنيرمين. ما حسّتش إني محتاجة أقول كلام كبير. قلت بس: “مش كل سكوت معناه موافقة”.

الجملة طلعت بهدوء، بس كانت كفاية. مش تهديد، ولا قوة زيادة، بس توضيح.

اللي حصل بعد كده كان نتيجة طبيعية لكل حاجة قبله. قرارات، وحدود، وكل واحد رجع لمكانه الحقيقي.

اللي فضّل معايا بعد اليوم ده مش الفلوس، ولا الممتلكات. اللي فضّل هو إحساس أوضح بالحاجات. فهمت إن الطيبة من غير وعي بتتعب صاحبها، وإن المسافة أوقات بتبقى أرحم من القرب الغلط.

ويمكن أهم حاجة فهمتها… إن في لحظات قليلة في حياة الواحد، بتبان فيها كل الحقيقة مرة واحدة. واللي يشوفها، ماينفعش بعدها يرجع يتعامل زي الأول.

بعد ما الباب اتقفل وراهم، البيت رجع هادي تاني… بس الهدوء ده ما كانش زي قبل كده. كان هدوء تقيل شوية، كأن الحيطان نفسها سمعت اللي حصل ولسه مستوعباه. أنا فضلت واقفة مكاني شوية، وبعدين قعدت على الكرسي اللي كنت قاعدة عليه من شوية، نفس المكان، بس إحساسي كان مختلف تمامًا.

ما حسّتش بانتصار، ودي كانت أول حاجة خدت بالي منها. كنت فاكرة إني لما أواجه وأحط حدود، هحس براحة كبيرة أو يمكن حتى فرحة، لكن اللي حسّيته كان أقرب لهدوء غريب… هدوء فيه تعب قديم بيهدى، مش بيختفي.

بصيت حواليّا في البيت، كل حاجة كانت زي ما هي. الترابيزة، الستارة اللي كنت غسلتها من يومين، وماكينة الخياطة في الركن. نفس التفاصيل، بس كأنها بترجع لي تاني. مش عارفة أوصفها غير كده… كأن المكان رجع لي بعد ما كان متاخد مني شوية.

عدّى اليوم ده من غير ما يحصل حاجة تانية. لا مكالمات، ولا محاولات. حتى كريم ما اتكلمش. وده كان متوقع، بس برضه ساب فراغ. مش فراغ وحش، بس فراغ بيخليك تفكر.

تاني يوم صحيت بدري، على غير عادتي في الأيام اللي مفيهاش شغل. عملت شاي، وقعدت في البلكونة. الجو كان عادي، ناس رايحة وشغالة، وصوت عربية خضار بيعدي… الحياة ماشية، حتى لو جوا الواحد في حاجات لسه واقفة.

كنت بفكر في كريم. مش في اللي عمله بس، لكن في الطريق كله. إمتى حصل البعد ده؟ هل كان فجأة؟ ولا أنا ماخدتش بالي وهو بيكبر ويبعد واحدة واحدة؟ الأسئلة دي ما كانش ليها إجابة واضحة، وكل ما أحاول أمسك خيط، ألاقيه بيفلت.

عدّى يومين… وفي اليوم التالت، الموبايل رن. كان كريم.

بصيت للاسم شوية قبل ما أرد. مش عشان مترددة، بس عشان كنت عايزة أهدى الأول. رديت، وقلت: “أيوه يا كريم”.

سكت شوية في الأول. السكوت ده كان طويل كفاية يوضح إنه مش عارف يبدأ منين. وبعدين قال بصوت واطي: “إزيك يا ماما؟”.

سؤال بسيط، بس فيه حاجات كتير مستخبية. قلت له: “الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟”.

برضه سكت لحظة، وبعدين قال: “أنا… أنا آسف”.

الكلمة كانت متوقعة، بس سماعها كان مختلف. ما رديتش بسرعة. مش عشان بزعل، لكن عشان كنت عايزة أفهم هو بيقولها ليه. ندم؟ ولا ضغط؟ ولا عشان الأمور اتكشفت؟

قلت له بهدوء: “آسف على إيه يا كريم؟”.

المرة دي صوته اتغير شوية، بقى أوضح: “على كل حاجة… على إني ماخدتش بالي… وعلى اللي حصل”.

أنا ما حاولتش أطول المكالمة، ولا أفتح مواضيع كتير. قلت له: “كل واحد بيغلط يا ابني… المهم يعرف هو غلط في إيه”.

سكت تاني، بس السكوت المرة دي كان أهدى. كأنه بيفكر فعلًا. قبل ما يقفل، قال: “ممكن أجيلك؟”.

بصراحة، السؤال ده كان أصعب من الاعتذار نفسه. بس رديت ببساطة: “تعالى”.

قفلنا، وأنا فضلت ماسكة الموبايل شوية. كنت حاسة إن الخطوة الجاية هي اللي هتفرق، مش اللي فات.

بعد ساعتين، الباب خبط. فتحت، لقيت كريم واقف. نفس الشكل، بس مفيش نفس الثقة اللي كانت فيه قبل كده. دخل من غير كلام كتير، وقعد.

المرة دي، ما حاولش يمثل إنه عادي. كان واضح عليه إنه متلخبط، ويمكن دي أول مرة أشوفه كده من سنين.

قال: “أنا ماكنتش فاهم… أو يمكن كنت شايف ومطنش”.

ما قاطعتهوش. سيبته يكمل.

قال: “كنت فاكر إني بكبر وببني حياتي… بس واضح إني كنت بسيب حاجات مهمة ورايا”.

بصيت له، من غير ما أدي رد مباشر. مش كل كلام محتاج رد.

قعدنا شوية في هدوء. وبعدين سألني: “إنتي كنتي عارفة من الأول؟”.

قلت له: “كنت شايفة حاجات… بس مش كل حاجة بتتقال وقتها”.

هز راسه كأنه فهم، أو على الأقل بيحاول.

اليوم ده ما كانش فيه قرارات كبيرة، ولا نهايات واضحة. بس كان فيه حاجة أهم… بداية مختلفة.

كريم مشي قبل المغرب. قبل ما يمشي، قال: “أنا عايز أصلّح اللي ينفع يتصلّح”.

ما وعدتوش بحاجة، وما رفضتش. قلت له بس: “خد وقتك وفكر”.

بعد ما مشي، رجعت قعدت في مكاني، نفس الكرسي، ونفس البيت. بس المرة دي، كان في إحساس أخف شوية.

مش كل حاجة اتصلحت، ومش كل حاجة هترجع زي الأول… بس يمكن مش ده المطلوب أصلًا.

يمكن المطلوب إن كل واحد يبقى شايف مكانه بوضوح… ويختار يقف فيه بإرادته.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي