رجعت فجأة… ولقيت أهلي خدامين في بيتي أنا!

رجعت فجأة… ولقيت أهلي خدامين في بيتي أنا!


رجعت فجأة… ولقيت أهلي خدامين في بيتي أنا!

عمري ما كنت أتخيل إن في لحظة واحدة ممكن تهد اللي الإنسان بناه جواه سنين، ومش بس تهده، دي كمان تغيّره من جوه لدرجة إنه مايبقاش نفس الشخص اللي كانه قبلها. أنا كنت راجعة البلد بعد غربة طويلة، غربة أكلت من عمري وصحتي وراحتي، لكني كنت برضا نفسي كل ليلة بفكرة واحدة: إن كل التعب ده رايح لناس تستاهل، لناس كانت حياتي كلها، لناس حلمت اليوم اللي أشوفهم مرتاحين بعد عمر من الشقا. كنت بشتغل بره من سنين، يوم ورا يوم، وسنة تسلّم سنة، وكل مرة أحوش فيها قرش كنت أحطه وأنا فرحانة، وأنا متخيلة وش أبويا وهو قاعد قدام بيته مطمن، ووش أمي وهي بتصحى من النوم من غير ما تفكر هتجيب منين مصاريف بكرة، ولا هتواجه الدنيا بإيه. كنت فاكرة إني لما أرجع من غير ما أقول لهم هتبقى أحلى مفاجأة، وإن حضنهم هيمسح عني تعب السنين كلها. كنت شايفة المشهد في خيالي واضح: العربية تدخل البلد، الأطفال يجروا وراها، حد يشاور ويقول: “بنت الحاج رجعت من السفر”، وأمي تطلع وهي بتعيط من الفرح، وأبويا يبتسم ابتسامته اللي عمري ما بنساها، وأنا أرمي الشنط وأجري عليهم. كنت راجعة وأنا مخلصة لهم بيت، وشارية قطعة أرض، ومؤمنة إن اللي تعبت عشانه أخيرًا اتحقق. لكن ساعات الحياة ما بتكسرناش بالحرمان، بتكسرنا بالمشهد اللي عمرنا ما توقعناه من الناس اللي ائتمنّاهم على الحلم كله.

من أول ما دخلت حدود القرية، قلبي بدأ يدق بسرعة غريبة، نفس الدقات اللي بتيجي قبل الفرح أو قبل البكا، ومكنتش عارفة أحدد أنا داخلة على إيه. الطريق الترابي القديم لسه زي ما هو، الشجر اللي على الجنبين، البيوت اللي أعرفها من طفولتي، الوجوه اللي لمحت بعضها من بعيد، حتى الهوا كان له نفس الريحة اللي اشتقت لها ليالي طويلة وأنا في بلد بعيدة عمري ما حسيت فيها بالأمان. كنت متعمدة ما أكلمش حد، لا أخويا، ولا أمي، ولا حتى الجيران، عشان تكون مفاجأة كاملة. كنت عايزة أشوف الحقيقة بعيني من غير استعداد، من غير تمثيل، من غير حد يلحق يرتب حاجة أو يحضر كلام. وأنا داخلة، عيني كانت بتدور تلقائيًا على البيت اللي بنيته طوبة طوبة من تعبي، البيت اللي كنت ببعت صوره للمهندس وأراجعه وأنا بعيدة، وأوصي على كل تفصيلة فيه كأنه ابني، لكن الغريب إن عيني ما ثبتتش على البيت نفسه. في ثانية واحدة بس، كل انتباهي راح لمشهد على جنب الطريق، مشهد وقف الزمن جواه، وخلى الدنيا كلها تسكت جوا ودني. شوفت أبويا. أبويا اللي كان طول عمره راجل له هيبة، حتى وهو فقير، حتى وهو محتاج، كان واقف تحت شمس الظهر الحارقة، ماسك مقشة في إيده، وبينضف الأرض قدام البيت وظهره منحني بطريقة وجعتني أكتر من أي كلمة. ما كانش بينضف كأنه صاحب مكان بيهتم ببيته، لا… كان بينضف بطاعة، بانكسار، بسرعة الخدام اللي عايز يخلص الشغل من غير ما يسمع كلمة توجع.

رفعت عيني أكتر، فشوفت اللي زوّد الوجع ألف مرة. على المصطبة كانت قاعدة مرات أخويا، جنبها أمها، الاتنين مريحين ضهرهم، قاعدين في ظل مريح، واحدة شايلة كباية شاي والتانية بتدي أوامر بإشارة من إيديها، كأن البيت بيتهم، وكأن أبويا مجرد واحد مأجور عندهم. حاولت أقول لنفسي يمكن فاهمة غلط، يمكن دي لحظة عابرة، يمكن أبويا بيعمل حاجة من نفسه، لكن قلبي كان سبقني للحقيقة. العربية كانت لسه واقفة، وأنا جواها مش قادرة أفتح الباب. إيدي كانت بتترعش رعشة ما حصلتش حتى يوم ما سافرت أول مرة لوحدي، ولا يوم ما سمعت خبر وفاة أقرب الناس. الرعشة دي كانت رعشة انكسار، رعشة واحدة شايفة أبوها بيتصغر قدامها وهي السبب من غير ما تدري. وقبل ما ألحق ألتقط أنفاسي، طلعت أمي من الجنب التاني للبيت. كانت شايلة طشت غسيل تقيل، ومايلة على جنبها من ثقل الحمل ومن وجع ضهرها اللي أنا عارفة تاريخه كويس. أمي اللي كل ما أكلمها تقول لي: “إحنا كويسين، وفري فلوسك لنفسك يا بنتي”، أمي اللي كنت ببعت لها عشان ترتاح، لقيتها بتتحرك بخطوات بطيئة كأنها شغالة عند ناس غرب. والأصعب من المشهد كان الصوت اللي وصلني بعدها بثواني. صوت مرات أخويا وهي بتقول لها ببرود مستفز: “انشريهم عدل يا حماتي… دول هدوم غالية.” الكلمة دخلت قلبي زي السكينة. أمي ما ردتش، لا اعترضت ولا بصت، بس كسرتها كانت باينة في كتفها المايل، في صمتها الطويل، في الطريقة اللي حركت بيها الطشت كأنها شايلة عمرها كله فوق دراعها.

في اللحظة دي فهمت حاجات كتير دفعة واحدة. فهمت ليه كل مرة كنت أقول لهم: “أبعث حد يساعدكم”، يرفضوا. فهمت ليه صوت أمي بقى أهدى من الأول، وليه أبويا بقى يختصر الكلام، وليه كل مرة أسأل عن أخويا ومراته، ألاقي الإجابات ملتوية ومقتضبة. فهمت إنهم ما كانوش بيطمنوني، كانوا بيحموني من الحقيقة. كانوا بيكدبوا عليّ كدبة الشفقة، الكدبة اللي بتتقال من قلب موجوع علشان ما تزودش هم البعيد. لكن اللي ما قدرتش أفهمه وقتها، واللي خلاني أحس إني هختنق، هو إزاي حصل ده أصلًا؟ إزاي البيت اللي بنيته عشان أبويا يرتاح فيه، يتحول لمكان هو فيه خدام؟ إزاي الأرض اللي اشتريتها باسمه عشان يحس إنه صاحب حاجة بعد عمر من الشقا، تبقى جزء من سلطة ناس ما دفعوش فيها ولا نقطة عرق؟ إزاي أخويا سمح لنفسه يشوف أمه وأبوه بالحال ده ويسكت؟ ولا هو أصلًا كان مشارك؟ أسئلة كتير كانت بتدور جوا دماغي بسرعة جنونية، لكن في نفس الوقت كان في هدوء غريب بينزل عليّ، هدوء يخوف، هدوء الست اللي الألم عندها عدى مرحلة الصراخ ووصل لمرحلة القرار. فتحت باب العربية ونزلت، ورجلي كانت تقيلة كأني ماشية فوق جمر، لكن ملامحي كانت جامدة. ما كنتش عايزة أول مواجهة تبقى انفعال. كنت عايزة أشوف، وأفهم، وأتأكد، وأسيبهم هم اللي ينكشفوا قدامي من غير ما أحذرهم.

أول ما شافوني، حصل الارتباك اللي ما بيكدبش. أمي وقفت في مكانها والطشت في إيديها، وأبويا ساب المقشة كأنه اتلبس متلبس، ومرات أخويا حاولت تقف بسرعة وهي بترسم ابتسامة باهتة على وشها، وأمها بصت يمين وشمال كأنها بتدور على مخرج. الابتسامات اللي طلعت بعد كده ما كانش فيها ذرة فرح حقيقي، كان فيها خوف، وانكشاف، وتوتر واضح. أنا مشيت ناحية أمي الأول، حضنتها حضن طويل، حسيت فيه بجسمها خفيف بشكل يوجع، كأن التعب أكلها أكل. بُست إيد أبويا، وهو سحبها بسرعة بخجل وقال كلام متقطع من نوع: “نورتي يا بنتي… كان لازم تبلغينا.” اكتفيت بكلمة واحدة وقلت: “وحشتوني.” الكلمة خرجت هادية، لكن من جوه كانت شايلة بكا السنين كلها. لا سألت، ولا علّقت، ولا بصيت لحد نظرة اتهام. دخلت البيت وأنا شايلة الصمت كسلاح. كنت عارفة إن الصدمة الأولى دايمًا بتخلي الناس تغلط أكتر، وتكشف نفسها بسرعة. من أول خطوة جوا البيت حسيت إن في حاجة غلط، مش مجرد إحساس، لا، كان واقع ملموس في كل تفصيلة. ترتيب الأثاث متغير، حاجات اختفت وحاجات اتحطت مكانها، الروح اللي كنت راسماها للبيت مش موجودة. المكان ما كانش فيه لمسة أمي، ولا هدوء أبويا، كان فيه استيلاء واضح، فيه إحساس ناس جت قعدت وقررت إنها صاحبة البيت.

قعدت أتحرك من أوضة لأوضة وأنا ملامحي ثابتة، لكن كل خطوة كانت بتفك خيط جديد من خيانة أكبر. الصور اللي كنت معلّقاها لأهلي في الصالة كانت متشالة، متبدلة بصور فرح أخويا ومراته، وصور ليهم في مناسبات مختلفة، كأن التاريخ كله اتعاد كتابته بطريقة خبيثة. الأنتريه اللي اخترته بنفسي كان عليه بقع وإهمال، والركنة اللي كنت جايباها مخصوص لأمي عشان ضهرها ما يوجعهاش، كانت محطوط عليها هدوم مرمية وأكياس، بينما هي نفسها كنت لسه شايفاها شايلة الغسيل بإيديها. دخلت أوضتي القديمة، الأوضة اللي كنت مرتباها بقلبي قبل السفر وكنت سايبة فيها ذكرياتي وحاجات بسيطة أحب أشوفها لما أرجع، فلقيتها متحولة لأوضة أطفال وفوضى ولعب ودواليب مفتوحة، كأن وجودي أصلًا اتشال من المعادلة. حتى الدولاب اللي كنت سايبة فيه شوية هدوم وورق مهم، لقيت فيه حاجات مش بتاعتي، وبعض الأدراج فاضية، وبعضها متبهدل. في اللحظة دي بدأت الصورة تكتمل أكتر: مش بس أهلي اتظلموا، لا، ده كمان حقي أنا نفسه اتمحى باعتباره شيء لا قيمة له، وكأن غيابي كان إذن مفتوح بالنهب التدريجي لكل حاجة تخصني. سمعت مرات أخويا ورايا بتقول بنبرة مفتعلة: “إحنا كنا بس مستخدمين الأوض دي مؤقت، عشان الأطفال…” لكني ما رديتش. كنت عايزة أوصل للنقطة اللي مش هتعرف بعدها تلف ولا تدور.

لفيت في آخر الطرقة، ناحية باب صغير كان ورا البيت، باب عمري ما خططت يكون له أي أهمية، كنت عاملاه مخزن بسيط أو أوضة خدمات لو احتجناها. الباب كان موارب، وريحة رطوبة خفيفة طالعة منه. دفعته بإيدي، ولما فتح، حسيت إن قلبي وقع فعلًا. الأوضة كانت ضيقة، شبه مخزن، وفيها مرتبة قديمة على الأرض، وبطانية متنية، ومروحة صغيرة مهترية، وكوبايتين على طبلية مكسورة. للحظة ما استوعبتش، وبعدين استوعبت أبشع استيعاب ممكن. دي كانت أوضة أمي وأبويا. هما اللي كانوا نايمين هنا. مش في أوضة النوم الرئيسية اللي عملتها مخصوص لهم، ولا حتى في أوضة آدمية تليق بسنهم وتعبهم، لكن في ركن مستخبي ورا، زي اللي بيتدارى من أصحابه. وقفت مكاني، وحسيت الهواء اتسحب من الدنيا. ساعتها سمعت صوت أبويا من ورايا، كان فاكر إني ما سمعتش قبل كده، أو يمكن ما كانش واخد باله مني أصلًا، بيقول لأمي بصوت مكسور: “استحملي… بلاش نزعلها.” الجملة كانت أصعب من أي مشهد. هو مش بس متألم، ده كمان شايل هم زعلي وأنا الغايبة عن كل ده. هو بيطلب منها تتحمل الظلم عشان أنا ما اتوجعش. اللحظة دي كان فيها شيء اتكسر جوايا فعلًا، شيء بريء، شيء كان لسه مصدق إن التضحية عمرها ما ترجع على صاحبها بالقهر، لكن في نفس اللحظة اتخلقت جوايا حاجة تانية. حاجة أبرد، وأهدى، وأقوى. شيء بيقول لي إن البكا دلوقتي رفاهية، وإن الحق لازم يرجع، لكن مش بالخناقة اللي بتتنسى بعد يومين، لازم يرجع بالطريقة اللي تخلي كل واحد يفكر ألف مرة قبل ما يدوس على كرامة ناس ضعاف تاني.

ما صرختش. ما لمحتش حتى إني فهمت كل حاجة. خرجت من الأوضة بهدوء غريب، ووشي ساكن كأن مفيش حاجة حصلت، بينما من جوايا كنت نار. طلعت موبايلي من الشنطة، وابتديت أصور. صورت الأوضة الصغيرة، والمرتبة اللي على الأرض، وصورت الصالة وصورهم المعلقة مكان صور أهلي، وصورت أوضتي، وصورت المقشة اللي كانت في إيد أبويا، وطشت الغسيل، وهدوم أمي المعلقة بعيد عن هدوم البيت الأساسية، وصورت حتى تعبيرات الارتباك اللي على وشوشهم. كنت بصور بعين باردة، بعين واحدة فهمت إن الحق لو اتساب للمشاعر، ممكن يضيع، لكن لو اتوثق، هيبقى له لسان أقوى من الصراخ. سألت أسئلة بسيطة جدًا وأنا بصور كأني مستغربة بس: “إنتوا نايمين فين يا بابا؟… ومين نقل حاجاتي من الأوضة؟… ومين بيستعمل أوضة النوم الكبيرة؟” وكل إجابة كانت بتطلع مرتبكة، متناقضة، مهزوزة، كأنهم بيحفروا قبرهم بكلامهم. أخويا كان لسه مش موجود، ودي كانت فرصة ذهبية، لأن اللي حواليا ما قدروش يمثلوا الدور بالكامل. أم مرات أخويا حاولت تتدخل وتقول إن كله كان باتفاق، لكن أمي أول مرة رفعت عيني فيها ناحيتي، وكانت نظرتها كفاية تفهمني إن السكوت مش رضا، السكوت كان خوفًا من الفتنة، وخشية من كسرة جديدة. وقتها عرفت إن المعركة دي مش بس مع ناس جشعين، دي كمان مع خوف سكن قلوب أهلي خلّاهم يقبلوا بأقل من حقهم.

لما جه الليل، الكل كان متحفز يتوقع انفجارًا، وأنا تعمدت ما أديهمش اللي هم مستنينه. أكلت لقمتين مع أمي وأبويا، وقعدت جنبهم بهدوء، وسألت عن صحتهم، وعن الزرع، وعن الجيران، وكأني رجعت فعلًا للزيارة اللي كنت مخططة لها. مرات أخويا كانت بتراقبني، وأخويا لما وصل وحس إن في حاجة مش طبيعية، قعد يحاول يهزر ويبرر من غير ما حد يطلب. وأنا سبتهم يتكلموا كتير. كل كلمة كانوا بيقولوها كانت بتأكد إنهم اعتادوا على الوضع، وإن استغلالهم ما كانش موقف طارئ، ده كان نظام حياة قائم. بعد ما الكل نام، خرجت برا البيت واتكلمت مع محامٍ كنت أعرفه من زمان، وشرحت له كل حاجة من أولها لآخرها، وبعت له الصور والمقاطع، وطلبت منه يجهز كل إجراء قانوني يثبت ملكية البيت والأرض، ويثبت كمان حق الانتفاع، وحدود الإقامة، وكل تفصيلة ممكن تمنع التلاعب أو قلب الحقائق. أنا ما كنتش بدور على فضيحة، ولا على منظر يجمع عليه الناس ويتكلموا يومين وبعدها ينسوه، كنت عايزة قرار واضح، ما يعرفوش يلفوا حواليه، ولا يخبّوا وراه قسوتهم. وفي نفس الليلة رتبت كمان مع حد من البلد يوثق شهادته عن اللي شافه من معاملة أمي وأبويا، لأن الظلم لما بيطول، دايمًا بيبقى له شهود، حتى لو سكتوا. وأنا راجعة أوضة النوم اللي نمت فيها ليلتها، كنت حاسة إن قلبي متبهدل، لكن عقلي لأول مرة في حياتي كان حاد بالشكل ده. عرفت إن الوجع لو اتساب للقلب بس هيكسرني، لكن لو مشي مع العقل هيبقى قوة.

الصبح ما أخدتش وقت طويل. المحامي جه، ومعاه الأوراق، والهدوء اللي كنت ماسكة نفسي به من امبارح خلاهم يتلخبطوا أكتر من لو كنت قلبت البيت صريخ. أخويا في الأول حاول ياخد الموضوع بالعلو والصوت العالي، وقال إن البيت بيت العيلة، وإن مراته وأولاده لهم حق يقعدوا، وإنه راجل البيت بعد أبوه، لكن كل كلمة كانت بتقف قدام ورقة، وقدام إثبات، وقدام حدود قانون ما يعرفش يزوغ منه. لما فهم إن المسألة مش خناقة نسوان ولا زعل يومين، وإنها داخلة في ملكية مثبتة، واستغلال، وإساءة معاملة، واغتصاب حق انتفاع، بدأ صوته يهدى. مرات أخويا اللي كانت من كام ساعة بتصدر الأوامر لأمي، بقت تبص في الأرض. أمها حاولت تنسحب من المشهد كله. وأنا ما رفعتش صوتي، ولا شتمت، ولا قلت كلمة تجرح، لأن اللي قدامي ما كانوش محتاجين إهانة من لساني، كانوا محتاجين بس يشوفوا نفسهم في حجمهم الحقيقي. قلت بهدوء واضح إن البيت ده اتبنى عشان أمي وأبويا يعيشوا فيه مرفوعي الرأس، مش عشان حد يستخدم ضعفهم ويحبسهم في أوضة ورا. وقلت إن الأرض اللي اشتريتها ما حدش له حق يديرها أو يتصرف فيها إلا بإذن صاحبها الحقيقي. وطلبت بكل وضوح إن أوضة النوم ترجع لأهلي فورًا، وإن حاجاتهم تتنقل في مكانها، وإن أي حد وجوده بقى مصدر قهر أو إذلال يمشي من غير مشاكل، لأن المرة دي مش هعديها ولا بالمحبة الزايدة ولا بالسكوت اللي اتفهم غلط.

يمكن أكتر لحظة وجعتني وسط كل اللي حصل، مش لحظة المواجهة نفسها، لكن لحظة ما شوفت أمي واقفة مترددة، خايفة عليّ من انقسام البيت، وخايفة على أخويا من الفضيحة، وخايفة على أبويا من الزعل، وكأن الأمومة عندها لازم تفضل شايلة الكل حتى وهم ظالمينها. قربت منها ومسكت إيديها وقلت لها قدامهم كلهم إن الحق مش بيكسر البيوت، الظلم هو اللي بيكسرها، وإن السكوت اللي بنفتكره حكمة أوقات بيبقى دعوة مفتوحة للتمادي. أبويا يومها ما قالش كلام كتير، لكنه بص لي نظرة عمري ما هنساها. نظرة فيها امتنان وفيها وجع وفيها إحساس ثقيل بالذنب، كأنه بيعتذر لي عن حاجة هو ما عملهاش أصلًا. وأنا من جوايا كنت بعتذر له أنا، بعتذر إني اتأخرت، وإني صدقت كلمات “إحنا كويسين” من غير ما أفتش وراها، وإني سبت الغربة تقنعني إن الفلوس كفاية تحمي اللي بنحبهم. الحقيقة إن الفلوس تبني حيطان، آه، لكنها ما تقدرش تحرس الكرامة لو اللي جوا الحيطان قلوبهم ضعيفة أو طيبة زيادة. اليوم ده علمني إن الحماية مش بس تحويلات وبناء وشراء، الحماية متابعة، وانتباه، وسؤال، وقراءة الصمت قبل الكلام. وبعد ساعات قليلة كان كل شيء بيتغير فعلًا: أوضة أهلي رجعت لهم، حاجتي رجعت مكانها، وناس كتير اكتشفت إن الهدوء مش معناه إن اللي ساكت مش قادر، أحيانًا بيبقى معناه إنه بيختار الوقت والطريقة اللي يرجّع بيهم حقه كامل.

من يومها وأنا بقيت إنسانة تانية. مش أقسى، لكن أوضح. مش أشرس، لكن أبصر. اتعلمت إن الطيبة من غير حدود بتتحول لفخ، وإن التضحية لما ما تكونش محروسة بالوعي، ناس كتير تعتبرها ضعف مباح. أخويا أخد حجمه الحقيقي، لا أكتر ولا أقل. ما قطعتش رحمي، لكني رسمت حدودًا ما تتكسرش، وحدود القانون فيها أوضح من أي عاطفة ملخبطة. ومرات أخويا وأمها فهموا إن البيت اللي كانوا قاعدين فيه باعتباره غنيمة، له أصحاب يعرفوا يسكتوا لكن ما يسيبوش حقهم. وأمي وأبويا، رغم الجرح اللي فضل فيهم، بدأوا يرجع لهم إحساس الأمان واحدة واحدة، وده كان بالنسبة لي أهم من أي انتصار. بقيت كل ما أبص لهم وهم قاعدين في أوضتهم الحقيقية، على سرير يليق بسنهم، في بيت اتبنى عشانهم فعلًا، أحس إن جزء مني لسه بيترمم. يمكن الندبة تفضل، ويمكن صورة أبويا بالمقشة وصورة أمي بطشت الغسيل ما تروحش من بالي أبدًا، لكن يمكن ده كويس. يمكن في صور لازم تفضل عشان تفضل تصحينا. أنا كنت فاكرة زمان إن القوة معناها صوت عالي، ومواجهة حادة، وزلزال في البيت كله، لكن اللي حصل علمني إن أخطر نوع قوة هو الهدوء لما يبقى وراه وعي، والقانون لما يبقى في إيد واحدة مظلومة لكنها ما استسلمتش، والقرار لما يطلع من قلب مكسور لكنه لسه قادر يحمي. ومن يومها وأنا مؤمنة إن الهدوء مش ضعف أبدًا… الهدوء، في اللحظة الصح، هو أخطر نوع قوة ممكن يمتلكها الإنسان.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان