كل ليلة تقريبًا، من غير استثناء، كنت بصحى على نفس الصوت… صوت الميه وهي بتخبط في الحيطة وبتنزل بقوة من الدُش، صوت غريب في سكون الفجر، كأنه مش مجرد ميه، كأنه حاجة بتصحّي فيا إحساس قديم كنت فاكرة إني دفنته من سنين طويلة. كنت ببص في الساعة، دايمًا نفس الرقم… 3 بالظبط، ولا دقيقة زيادة ولا أقل، وكأن في حد مظبط المنبه جوه البيت ده على اللحظة دي تحديدًا. في الأول حاولت أطنّش، قلت يمكن صدفة، يمكن محمود ابني عنده أرق، يمكن ضغط شغل، يمكن أي حاجة عادية، بس الحقيقة إن قلبي ماكانش مقتنع، وكان كل يوم بيصحى قبلي بثواني، كأنه عارف إن في حاجة غلط بتحصل.
كنت بقعد على السرير، أسمع الصوت وأفضل ثابتة مكاني، لا بقوم ولا بتحرك، وأقنع نفسي إن مفيش داعي أدخل في تفاصيل مالهاش لازمة، وإن كل بيت وله أسراره، وإن أنا ضيفة في بيت ابني، مش من حقي أتدخل. بس الحقيقة إن الجملة دي تحديدًا كانت أكتر حاجة بتوجعني، لأني طول عمري كنت بقولها لنفسي وأنا ساكتة على وجع عشته سنين… وجع كنت فاكرة إنه انتهى مع موت جوزي، لكن واضح إنه كان مجرد بداية لذكريات مش بتسيب صاحبها أبدًا.
محمود لما أصر إني أعيش معاه بعد ما اتقاعدت، حسيت بشيء من الراحة، قلت لنفسي أخيرًا هعيش وسط عيلتي، وسط حد بيحبني، خصوصًا إنه كان دايمًا بيظهر قدام الناس بالشكل المثالي، الابن البار، الراجل الهادي، اللي بيحسب كل كلمة قبل ما يقولها. لما استقبلتني مراته مريم، كانت مبتسمة، بس ابتسامة خفيفة كده، مش كاملة، زي حد بيحاول يبان طبيعي وهو من جواه مش مرتاح. عينيها كانت بتتحرك كتير، تراقب، تستأذن، تستنى رد فعل قبل ما تتكلم، ودي حاجة أنا لاحظتها من أول يوم، لأن العين اللي شافت قبل كده، ما بتنساش.
مع الأيام، بدأت ألاحظ تفاصيل صغيرة، حاجات ممكن أي حد يعدّي عليها، بس بالنسبة لي كانت إشارات واضحة جدًا. طريقة كلام محمود معاها، نبرة صوته الهادية اللي فيها أمر مش طلب، نظراته اللي بتوقفها في نص الكلام، سكوته اللي بيجبرها تسكت هي كمان، حتى وهي بتقدم الأكل، كان لازم كل حاجة تبقى حسب مزاجه، ولو اتأخرت ثانية، ماكانش بيزعق، بس كان بيبص لها نظرة كفاية تخليها ترتبك وتتلخبط. النوع ده من السيطرة الهادية، أنا عارفاه كويس… لأنه أخطر من الصوت العالي.
وبعدين بدأ موضوع الدُش. كل ليلة، نفس المعاد، نفس الصوت. سألت مرة بشكل عابر، محمود قال إنه بيفوق نفسه قبل الشغل، ضغط يعني، ومريم وافقت بسرعة، يمكن أسرع من اللازم، كأنها مستعدة للرد ده قبل ما السؤال يتقال. ساعتها حسيت إن في حاجة مش مظبوطة، بس لسه ماكانش عندي دليل، غير إحساس قديم بيخبط جوايا ويقولي “خدي بالك”.
في مرة، وأنا قاعدة معاها في المطبخ، لمحت كدمة صغيرة حوالين إيدها، كانت بتحاول تغطيها وهي بتقلب في الأكل، سألتها بهدوء، اتخضت، ارتبكت، وقالت إنها خبطت في المكتب. الكذبة كانت محفوظة، جاهزة، نفس الكذبة اللي كنت بقولها زمان، بنفس السرعة، بنفس الارتباك، بنفس النظرة اللي بتقول “ما تسأليش تاني”. ساعتها قلبي وجعني عليها، بس كمان خوّفني… لأن اللي بيبدأ بكدمة، عمره ما بيقف عند كده.
حاولت أكلم محمود بهدوء، قلت له بلاش يقوم كل يوم الفجر بالشكل ده، حاولت أبان كأني بس قلقة عليه، لكنه بصلي نظرة خلتني أسكت، نظرة فيها غضب مكبوت، وقال لي بصوت ناشف “خليكي في حالك”. الجملة دي رجعتني سنين لورا، لنفس المكان اللي كنت واقفة فيه قبل كده، نفس الإحساس بالعجز، نفس الإحساس إني لو اتكلمت أكتر، ممكن الأمور تسوء.
لكن الليلة اللي كل حاجة فيها اتكشفت، كانت مختلفة. صحيت كعادتي على صوت الميه، بس المرة دي كان أعلى، أقوى، كأن في حاجة بتحصل مش طبيعية. قلبي بدأ يدق بسرعة، وقفت، لبست الشبشب، وخرجت في الطرقة بهدوء، كل خطوة كنت باخدها كانت تقيلة، كأن الأرض بتشدني لورا. باب الحمام كان موارب، وده ماكانش بيحصل قبل كده. قربت، وبصيت من الشق الصغير… وفي اللحظة دي، حسيت إن الزمن وقف.
اللي شفته كان كفاية يهد أي حاجة جوايا. محمود واقف، هدومه مبلولة، ماسك شعر مريم بإيده، ومغرق وشها تحت الميه الساقعة، وهي لابسة هدومها، واقفة بتترعش، جسمها كله بيتهز، بس صوتها مش طالع. كان بيكلمها بصوت واطي مرعب، نوع الصوت اللي يخليك تخاف أكتر من الصريخ، وبعدين إيده اتحركت وضربها. الضربة كانت سريعة، بس تأثيرها كان أكبر من الصوت… لأنها ما صرختش.
السكوت ده أنا عارفاه، السكوت اللي بييجي لما الإنسان يعرف إن الصراخ مش هينقذه، وإن كل صوت ممكن يزود الوجع. في اللحظة دي، ماكنتش مجرد شايفة مريم، كنت شايفة نفسي من سنين، شايفة كل حاجة كنت فاكرة إني نسيتها. جسمي كله اتجمد، إيدي كانت عايزة تفتح الباب، عايزة تصرخ، بس عقلي وقفني، خوّفني، رجعني لورا، لدرجة إني ماقدرتش أتحرك.
رجعت أوضتي، دخلت تحت الغطا، وفضلت أرتعش وصوت الميه شغال، كل ثانية كنت حاسة إنها ساعة، وكل لحظة كنت بسأل نفسي سؤال واحد: “هتفضلي ساكتة؟”. السؤال ده فضل معايا لحد الصبح، ولما النهار طلع، كنت أخدت قراري… قررت أمشي.
قلت لهم إني هسيب البيت، محمود اتضايق، مش عشاني، بس عشان شكله، ومريم عيطت، افتكرت إني بسيبها لوحدها، وده كان أصعب جزء بالنسبة لي، لأن الحقيقة إني كنت فعلاً بسيبها، بس في نفس الوقت كنت عارفة إني لو فضلت، ممكن أضعف وأسكت أكتر، ومش هقدر أساعدها وأنا بالشكل ده.
روحت مكان هادي، بعيد عنهم، بس الهدوء ما دخلش جوايا، كل ليلة كنت بشوف نفس المشهد، نفس الشعر المبلول، نفس الصوت المكتوم، نفس الضربة. لحد ما في يوم، واحدة صاحبتي قالت لي جملة غيرت كل حاجة: “لو سكتي، يبقى إنتي بتساعديه يكمل”. الجملة دخلت قلبي، وكسرت حاجة جوايا كانت لسه متمسكة بالخوف.
بعدها بأيام، مريم جت تزورني، كانت شايلة حاجة بسيطة، بس وشها كان شايل كتير، كدمة جديدة على جبينها، وعينيها مليانة تعب. قعدت جنبها، وبهدوء قلت لها إني شوفت كل حاجة، وإنها مش محتاجة تكدب تاني. في الأول حاولت تدافع عنه، زي أي حد بيحب اللي بيأذيه، قالت إنه متوتر، وإنه بيحبها، وإنه مش قصده. سيبتها تتكلم، لحد ما الكلام خلص، وبعدين قلت لها جملة واحدة: “بطلي تحمي اللي بيأذيكي”.
الكلمة دي كانت كفيلة إنها تكسرها، وفعلاً انهارت، وبدأت تحكي، عن الضرب، عن السيطرة، عن إنه خلاها تسيب شغلها، عن خوفها، عن إحساسها إنها من غيره ولا حاجة. كانت بتتكلم وهي بترتعش، وأنا كنت سامعة وعارفة كل كلمة قبل ما تتقال، لأني عشتها قبل كده. بس الفرق إن أنا ماكانش عندي حد يقول لي “إنتي مش لوحدك”.
قلت لها الجملة دي وأنا بصهالها في عينيها، وكنت قاصدة كل حرف فيها. ومن اللحظة دي، بدأت الأمور تتغير. بدأت أتحرك، كلمت محامي قديم أعرفه، وبدأنا نجمع أدلة، صور، تسجيلات، مواعيد، كل حاجة ممكن تثبت اللي بيحصل. ومع كل خطوة، كنت شايفة مريم بتتغير، الخوف اللي كان مالي عينيها بدأ يتحول لغضب، والغضب بدأ يتحول لقوة.
بس اللحظة الأصعب كانت لسه جاية… لحظة المواجهة. اليوم اللي قررت فيه تقول له الحقيقة. لما بعتت لي رسالة إنها هتكلمه، قلبي وقع، فضلت اليوم كله ماسكة الموبايل، مستنية، مرعوبة من اللي ممكن يحصل. ولما التليفون رن بالليل، ورديت، سمعت صوت نفسها بس، سريع ومتقطع، وبعدها قالت إنها قالت له.
قبل ما أعرف رد فعله، سمعت صوت خبط، حاجة وقعت، وصوته هو، عالي، غاضب، بيسألها بتكلم مين، بيطلب منها التليفون، والصوت كان بيقرب، وأنا قلبي كان بيقف. صرخت لها تهرب، بس كل حاجة حصلت بسرعة، صوت تكسير، صرخة، وبعدين الخط اتقفل.
في اللحظة دي، فهمت إن السكوت خلاص ما ينفعش، وإن أي تأخير ممكن يكلفها كتير. لبست بسرعة، خرجت، واتحركت وأنا مش حاسة بالطريق، كل اللي في دماغي إني أوصل لها قبل ما يحصل حاجة أسوأ. كنت بدعي، وبجري، وبفكر في كل السيناريوهات، بس كان في حاجة واحدة جوايا أقوى من الخوف… إحساس إني مش هسيبها تاني.
اللي حصل بعد كده كان بداية نهاية حكاية طويلة من السكوت، وبداية حاجة جديدة، حاجة فيها مواجهة، فيها وجع، بس فيها كرامة. لأن في لحظة معينة، الإنسان لازم يختار… يا إما يكمل في نفس الدايرة، يا إما يخرج منها مهما كان الثمن.