قالت له: دي مراتي… وأنا اللي هحميها منك! — قصة قلبت الحقيقة رأسًا على عقب

قالت له: دي مراتي… وأنا اللي هحميها منك! — قصة قلبت الحقيقة رأسًا على عقب


قالت له: دي مراتي… وأنا اللي هحميها منك! — قصة قلبت الحقيقة رأسًا على عقب

كان البيت هادئًا بشكل غريب، ذلك النوع من الهدوء الذي لا يريح، بل يضغط على الصدر كأنه يخبئ شيئًا ثقيلًا لا يريد أن يُقال. منذ وفاة الأب، لم يعد شيء كما كان. الجدران نفسها بدت مختلفة، كأنها فقدت صوتها القديم، وكأن البيت كله صار غريبًا على صاحبه الحقيقي. محمود، الذي عاد من السفر بعد سنوات طويلة، لم يكن يتخيل أن أول ما سيواجهه ليس فقط غياب والده، بل حضور شخص لم يكن له مكان في ذاكرته… امرأة تقف في الصالة وكأنها جزء من البيت، بينما هو يشعر أنها دخيلة على كل شيء.

كانت تلك المرأة تُدعى ليلى. اسم بسيط، لكن حضوره في البيت كان ثقيلًا. كانت أصغر من محمود بسنوات قليلة، وربما هذا وحده كان كافيًا ليزرع في داخله شعورًا بالرفض والشك. كيف لامرأة في مثل عمره تقريبًا أن تكون زوجة أبيه؟ كيف حدث ذلك دون أن يعرف؟ ولماذا لم يُخبره أحد؟ كل الأسئلة كانت تتزاحم في رأسه، لكن بدل أن يبحث عن الإجابة، اختار أن يعلن موقفه بوضوح منذ اللحظة الأولى. وقف أمامها وقال ببرود:
“أنا مش مقتنع بوجودك هنا… ووجودك مؤقت لحد ما أخلص كل الورق.”

لم ترد ليلى. لم تحاول الدفاع عن نفسها، ولم تدخل في جدال. فقط نظرت إليه بنظرة غامضة، نظرة لم يكن فيها خوف ولا ضعف، بل شيء آخر… شيء أقرب إلى الحزن أو ربما القلق. كانت نظرة امرأة تعرف أكثر مما تقول، وتحمل داخلها أسرارًا أثقل من أن تُحكى في لحظة. لكن محمود لم ينتبه لذلك، أو ربما لم يكن يريد أن ينتبه. كان يرى فيها مجرد “زوجة الأب” التي ظهرت فجأة، والتي عليه أن يتخلص من وجودها بأسرع وقت ممكن.

مرت الأيام ببطء، لكن الهدوء لم يكن طبيعيًا. بدأ محمود يلاحظ أشياء صغيرة في البداية، لكنها مع الوقت صارت تزعجه. مكالمات هاتفية تأتي لليلى وتُغلق بسرعة، نظرات قلق في عينيها كلما رن الهاتف، خروجها في أوقات غير مفهومة، وعودة متأخرة أحيانًا دون تفسير واضح. كان يشعر أن هناك شيئًا ما يُخفى عنه، وأن وجودها في البيت ليس صدفة كما يبدو. لكنه في كل مرة كان يحاول تجاهل الأمر، يقنع نفسه أن هذا لا يعنيه، وأن كل ما يريده هو إنهاء الإجراءات القانونية وإخراجها من حياته نهائيًا.

لكن الحقيقة لا تختفي طويلًا، خاصة عندما تكون أقرب مما نتخيل. في إحدى الليالي، وبينما كان البيت غارقًا في صمت ثقيل، سمع محمود أصواتًا مرتفعة قادمة من الصالة. لم يكن صوتًا عاديًا، بل بدا كأنه شجار حاد. خرج بسرعة من غرفته، ووجد أمامه مشهدًا لم يكن يتوقعه. رجل غريب يقف أمام ليلى، صوته مرتفع وغاضب، وعيناه مليئتان بتهديد واضح.

كان الرجل يقول بحدة:
“فاكرة إنك هتهربي مني؟! أنا جاي آخد حقي… غصب عنك!”

تجمد محمود للحظة، ثم اندفع إلى الصالة وقال بصوت حاد:
“إنت مين؟ وداخل بيتي كده ليه؟”

التفت الرجل إليه بنظرة ساخرة، ثم قال ببرود:
“بيتك؟ اسأل الهانم دي كانت بتعمل إيه قبل ما تتجوز أبوك.”

قبل أن يستوعب محمود الكلمات، وقفت ليلى فجأة أمامه، وكأنها تحاول أن تفصل بينه وبين الرجل، وقالت بصوت ثابت على غير المتوقع:
“اطلع بره… وإلا هندمك.”

ضحك الرجل ضحكة باردة، وقال:
“إنتي لسه فاكرة نفسك تقدري تهربي؟”

ثم مد يده فجأة ليقبض عليها بعنف. في تلك اللحظة، لم يفكر محمود، لم يسأل نفسه عن الحقيقة ولا عن الماضي، كل ما رآه هو رجل غريب يعتدي على امرأة داخل بيته. اندفع نحوه وضربه بقوة أسقطته أرضًا، ثم وقف أمام ليلى وقال بجملة خرجت منه دون تفكير:
“مهما كانت… دي مرات أبويا… ومحدش يلمسها وأنا موجود.”

وقف الرجل وهو يضحك، ضحكة لم تكن عادية، بل كانت تحمل شيئًا مرعبًا، ثم قال:
“إنت لسه فاهم غلط… إنت اللي محتاج حماية مش هي.”

ثم غادر المكان كما جاء، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من السابق، وصدى كلمات لم يفهمها محمود لكنه شعر بثقلها في داخله.

تلك الليلة لم ينم محمود. ظل مستيقظًا يفكر في كل ما حدث. لماذا قال الرجل تلك الجملة؟ لماذا بدت ليلى وكأنها تعرفه جيدًا؟ ولماذا لم تحاول أن تشرح شيئًا؟ كل الأسئلة كانت تدور في رأسه بلا إجابة، حتى شعر أن الحقيقة أقرب مما يظن، لكنه يحتاج فقط أن يواجهها.

في الصباح، لم ينتظر كثيرًا. دخل عليها وقال مباشرة:
“إيه الحقيقة؟ إنتي مين؟”

نظرت إليه طويلًا، وكأنها تزن الكلمات قبل أن تخرج، ثم قالت بهدوء:
“لو قلتلك… حياتك هتتغير.”

رد بغضب:
“هي متغيرتش كفاية؟!”

سكتت لحظة، ثم قالت الجملة التي فتحت باب كل شيء:
“أنا مش مرات أبوك… بالطريقة اللي إنت فاهمها.”

اتسعت عينا محمود:
“يعني إيه؟!”

جلست ببطء، ثم بدأت تحكي… عن شبكة كبيرة، عن أسرار خطيرة، عن ناس لا تتردد في قتل أي شخص يقترب من الحقيقة. حكت عن الأب، عن اكتشافه لهذه الشبكة، وعن المعلومات التي جمعها، وعن اللحظة التي صار فيها خطرًا عليهم.

ثم قالت الجملة التي كسرت كل شيء داخله:
“أبوك ما ماتش موت طبيعي… اتقتل.”

شعر محمود أن الأرض تهتز تحت قدميه. كل شيء انهار في لحظة. الحزن، الغضب، الشك… كلها تحولت إلى صدمة واحدة كبيرة.

صرخ:
“وإنتي؟!”

أجابت بهدوء مؤلم:
“أنا كنت بحميه… ولما اتقتل، فضلت هنا عشان أحمي الحاجة الوحيدة اللي فاضلة منه… إنت.”

لم يجد ما يقوله. كل الكره الذي كان يشعر به تجاهها بدأ يتلاشى، لكن مكانه جاء شعور آخر… الخوف. خوف من الحقيقة، ومن القادم.

لكن الوقت لم يعطه فرصة ليفهم أكثر. فجأة، دوى صوت قوي، وانكسر باب الشقة. نفس الرجل عاد… ومعه اثنان آخران.

قال ببرود:
“خلص وقت الهروب.”

حاول محمود أن يتحرك، لكن ليلى شدته بسرعة، واتجهت إلى دولاب في الحائط، فتحته ليظهر خلفه ممر سري. لم يكن لديه وقت للتفكير، فقط تبعها.

وهم يركضون، سألها بصوت متقطع:
“إنتي مين بجد؟!”

نظرت إليه وقالت:
“أنا السبب في إنهم قتلوا أبوك.”

توقف فجأة:
“إيه؟!”

قالت بسرعة:
“كنت شغالة معاهم… وأنا اللي سربت المعلومة… بس ندمت… وحاولت أصلح… بس كان فات الأوان.”

كانت الكلمات كافية لتمزيق ما تبقى من تماسكه، لكن صوت الخطوات خلفهم كان يقترب، فلم يكن هناك وقت للحساب.

وصلوا إلى باب في نهاية الممر. أخرجت ليلى فلاشة صغيرة وأعطتها له.
“دي كل حاجة… كل الأدلة.”

نظر لها وهو مذهول:
“وإنتي؟”

ابتسمت ابتسامة حزينة:
“حد لازم يوقفهم… وأنا السبب… يبقى أنا اللي أنهي الموضوع.”

قبل أن يرد، دفعته خارج الباب وأغلقته من الداخل. وبعد لحظات… دوى صوت إطلاق نار.

مرت ساعات ثقيلة، حتى وصلت الشرطة. تم كشف الشبكة بالكامل، وظهرت الحقيقة التي كانت مخفية لسنوات.

وقف محمود أمام البيت، يشعر أنه فقد والده مرتين… مرة حين مات، ومرة حين عرف كيف مات.

لكن الصدمة الأخيرة كانت تنتظره.

عندما فتح الفلاشة، وجد تسجيلًا لليلى. كانت تنظر إلى الكاميرا بعينين هادئتين، وقالت:
“لو بتشوف الفيديو ده… يبقى أنا مش موجودة. بس في حاجة لازم تعرفها… أنا ماكنتش بحميك بس عشان أبوك… أنا كنت بحميك… عشانك أنت. لأنك ابني.”

سقط محمود على الأرض، والدموع تنزل دون توقف، وهو يهمس بصوت مكسور:
“مرات أبويا… كانت أمي؟!”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان