٣ أطفال واقفين في عز الحر… مش عشان يلعبوا… لكن عشان ينقذوا أمهم من الموت… واللي اشترى منهم كل حاجة… طلع سر عمرهم ما كانوا يتخيلوه!

٣ أطفال واقفين في عز الحر… مش عشان يلعبوا… لكن عشان ينقذوا أمهم من الموت… واللي اشترى منهم كل حاجة… طلع سر عمرهم ما كانوا يتخيلوه!


٣ أطفال واقفين في عز الحر… مش عشان يلعبوا… لكن عشان ينقذوا أمهم من الموت… واللي اشترى منهم كل حاجة… طلع سر عمرهم ما كانوا يتخيلوه!

كانت الساعة بتقرب من أربعة العصر، والشمس واقفة في نص السماء كأنها قررت تعاقب كل اللي تحتها، حر مش طبيعي، حر يخلي النفس تقيل، والجلد يحرق، والدماغ ترفض تفكر، وفي وسط كل ده، سوق إمبابة كان زحمة كعادته، أصوات باعة بتنده، ناس بتتزاحم، عربيات بتعدي بالعافية، وضحك عالي من هنا، وخناقة من هناك، حياة كاملة ماشية بسرعة، كأن مفيش حد عنده وقت يقف أو يحس بحد غيره، لكن في زاوية صغيرة من الزحمة دي، كان في تلاتة أطفال واقفين، مش بيلعبوا، مش بيضحكوا، مش حتى بيتخانقوا زي باقي الأطفال، كانوا واقفين شايلين هم أكبر من سنهم بسنين طويلة، شايلين صينية حلويات، وشايلين فوقها خوف، وتعب، ومسؤولية، ووجع محدش شايفه.

محمود، أكبرهم، كان شايل الصينية بإيده، إيده اللي بقت تقيلة لدرجة إنه حاسس إنها هتقع منه في أي لحظة، عضلاته الصغيرة بتصرخ من التعب، وكتفه واجعه، لكن مش قادر يقول، لأنه عارف إن مفيش بديل، ومفيش حد يشيل عنه، ومفيش وقت للراحة، كل دقيقة بتعدي بتقربهم من خسارة أكبر، خسارة مش زي أي خسارة، خسارة أمهم، اللي نايمة في المستشفى، بين الحياة والموت، مربوطة بجهاز بيعد أنفاسها، وكل نفس فيها بفلوس، وكل دقيقة بتعدي محتاجة فلوس، فلوس هما معندهمش منها غير شوية جنيهات متكسرين في كيس صغير، متعلق بأمل ضعيف إنهم يلحقوا ينقذوها.

مريم، أخته، واقفة جنبه، صوتها بدأ يختفي، حنجرتها ناشفة من كتر النداء، بتقول نفس الجملة مية مرة، وكل مرة صوتها بيبقى أضعف، لكن بتحاول تبتسم، بتحاول تبان قوية، بتحاول تقنع نفسها قبل أي حد إنهم هيعدوا من اليوم ده، وإن كل حاجة هتبقى كويسة، رغم إن جواها عارفة إن الوضع أكبر منهم بكتير، وإن الدنيا مش عادلة، وإن اللي زيهم دايمًا بيبقوا في امتحان صعب، لكن مع ذلك، كانت بتنادي.

“يا جماعة… كيك موز طازة… رز بلبن… حلويات سخنة!”

لكن صوتها كان بيتكسر في النص، كأن الكلمات نفسها مش عايزة تخرج، كأنها تعبت زيها، ومع كل مرة حد يبص ويكمل طريقه، قلبها بينكسر حتة صغيرة زيادة، بس بترجع تكمل، لأن مفيش اختيار.

أما أحمد، الصغير، فكان واقف جنبهم، بيبص للناس بعينين فيها سؤال كبير، عينين طفل مش فاهم ليه الدنيا كده، ليه هو عطشان ومش لاقي نقطة مية، وليه الناس اللي حواليه بتشرب وتاكل وتضحك، كأنه مش موجود، كأنه شفاف، كان كل شوية يلحس شفايفه الناشفة، يحاول يخدع جسمه إنه شرب، بس جسمه مش بيتخدع، ولا الجوع بيتخدع، ولا العطش بيسيبك في حالك.

“هو في مية؟ أنا حلقي بيوجعني…”

قالها بصوت ضعيف، وهو ماسك هدوم مريم بخفة، كأنه خايف تقع منه، أو تضيع، أو تسيبه، ومريم بصت في الإزازة الصغيرة اللي معاهم، قلبتها، مفيش نقطة، ولا حتى أمل في نقطة.

“خلصت…” قالتها بهدوء، بس جواها كان في صوت بيصرخ.

“نشتري؟ حتى واحدة بس؟”

سأل أحمد، وعينه فيها رجاء بسيط، رجاء طفل، مش طالب حاجة كبيرة، بس محتاج يعيش اللحظة، محتاج يشرب، محتاج يحس إنه طبيعي، لكن محمود رد بسرعة، قبل ما مريم حتى تفكر.

“مينفعش.”

“ليه؟ أنا عطشان أوي…”

صوته اتكسر، وعينه دمعت، بس محمود بلع ريقه، حاول يثبت، حاول يبقى كبير، رغم إنه نفسه يشرب، نفسه يرمي الصينية ويجري، نفسه يبكي، بس مقدرش.

بص على الكيس اللي فيه الفلوس… وعارف كويس إنها مش كفاية.

مش كفاية لعلاج أمهم.

مش كفاية للحقنة اللي الدكتور قال عليها.

مش كفاية للعمليات اللي بيتكلموا عنها كأنها حاجة سهلة.

“كل جنيه مهم…” مريم همست، كأنها بتقنع نفسها.

“لازم نجيب علاج ماما.”

أحمد سكت… وسكتته كانت أكبر من أي كلام، حاول يبقى راجل صغير، زي ما محمود بيحاول يبقى راجل كبير، وفي لحظة، وسط الزحمة دي كلها، حسوا إنهم لوحدهم، كأن الدنيا كلها بتتحرك حواليهم وهم واقفين ثابتين، مش عارفين يمشوا ولا يرجعوا.

وفجأة، بعد لحظة سكون غريبة وسط الضوضاء، محمود رفع راسه، وعينه لمعت، كأن فكرة جاتله فجأة.

“عندي فكرة.”

مريم بصتله بشك، لأنها عارفة كويس إن أفكاره دايمًا فيها مغامرة.

“آخر مرة قلت كده… طردونا من سطح أم عبده!”

“لا دي غير…” قال بسرعة، وهو بيحاول يقنعها.

“فاكرة عم علي؟ قاللي على كومباوند قريب… ناس أغنيا… ممكن واحد بس يشتري كل اللي معانا!”

أحمد عينه لمعت فورًا.

“زي الأفلام؟”

محمود ابتسم لأول مرة من ساعات.

“بالظبط… مغامرة!”

مريم اترددت، قلبها قالها لأ، بس عقلها قالها مفيش حل تاني، وبصت للصينية، وبصت للكيس، وبعدين شافت صورة أمها في خيالها، وهي بتتعب، وهي بتتنفس بالعافية، وهي بتستنى حد ينقذها.

“يلا.” قالتها، وكأنها بتقرر مصيرهم كلهم.

دخلوا من فتحة صغيرة في سور من ورا، كانوا بيزحفوا كأنهم داخلين مكان ممنوع، قلبهم بيدق بسرعة، مش عارفين هيحصل إيه، بس أول ما دخلوا، حسوا إنهم دخلوا عالم تاني.

هدوء… مش طبيعي.

شوارع نضيفة… مفيش زحمة.

فيلل كبيرة… وحدايق خضرا.

هوا أهدى… وأنضف.

أحمد همس بدهشة:

“هو إحنا في الجنة؟”

مريم ابتسمت بحزن.

“لا… بس ناس هنا معاهم فلوس أكتر.”

مشيوا بحذر، كأنهم خايفين حد يشوفهم ويطردهم، لحد ما وقفوا قدام فيلا كبيرة جدًا، بابها ضخم، وكل حاجة فيها بتقول إن اللي جوه عايش حياة مختلفة تمامًا عنهم.

محمود خبط بخفة.

الباب اتفتح بعد ثواني، وطلع راجل لابس بدلة شيك، ملامحه هادية، بس عينه فيها حاجة غريبة، بص لهم من فوق لتحت، كأنه بيحاول يفهم هما إيه.

“خير؟”

مريم بلعت خوفها، وقالت:

“بنبيع حلويات… طازة… لو حضرتك تحب…”

الراجل سكت شوية، وبعدين قال بهدوء:

“هاتوا كل اللي عندكم.”

محمود اتصدم.

“ك… كله؟”

“آه… كله.”

وفي لحظات، كان كل حاجة اتباعت، وكل تعب اليوم اتحول لفلوس، فلوس كتير، أكتر مما كانوا يتخيلوا، أحمد كان بيضحك، لأول مرة بجد.

“نقدر نشتري مية دلوقتي!”

بس الراجل ما مشيش.

فضل واقف… بيبص عليهم… بنظرة غريبة، نظرة مش مفهومة.

“اسمكم إيه؟”

“أنا مريم… وده محمود… وده أحمد.”

سأل بهدوء:

“اسم أمكم؟”

“حنان.”

وفجأة… الراجل اتجمد.

إيده ارتعشت.

“حنان…؟ كانت بتشتغل في شركة زمان؟”

مريم استغربت:

“آه… حضرتك تعرفها؟”

سكت…

والصمت كان تقيل.

وبعدين قال بصوت مكسور:

“أنا… كنت فاكر إنها ماتت.”

الدنيا كلها وقفت في اللحظة دي.

واللي قاله بعدها… قلب كل حاجة.

“إنتوا… أولادي.”

مريم رجعت خطوة، كأن الأرض اتحركت تحتها.

“إيه؟!”

محمود شد أحمد وراه فورًا.

“إحنا ملناش أب.”

الراجل عينه دمعت، لأول مرة، وقال:

“أنا غلطت… سيبتها زمان… وندمت كل يوم… دورت عليها… لحد ما اختفت… وأنا فضلت أدور… لحد ما لقيتكم… بالصدفة…”

الكلام كان تقيل، صعب، مش سهل يتصدق، بس في نفس الوقت… في حاجة فيه حقيقية، حاجة في صوته، في عينه، في وجعه.

لكن القرار ما كانش سهل.

الخوف كان أكبر من التصديق.

والشك كان أقوى من الأمل.

لحد ما قال جملة واحدة غيرت كل حاجة:

“خدوني عندها… حالًا.”

وفي المستشفى…

كان الوقت بيجري، والأجهزة بتصوت، والدكاترة بيتكلموا بسرعة، وحنان كانت نايمة، وشها شاحب، ونفسها ضعيف.

أول ما شافته…

دموعها نزلت فورًا.

“رجعت…؟ بعد كل ده…؟”

الراجل ركع قدامها، كأنه بيعتذر عن سنين ضاعت.

“سامحيني… أنا اتأخرت… بس مش هسيبك تاني.”

وفي ساعات قليلة…

الدنيا اتغيرت.

دكاترة كبار دخلوا.

أجهزة جديدة.

علاج اتحضر.

وابتدت حالتها تتحسن.

ببطء… لكن أكيد.

ومحمود كان واقف جنب أخواته، بيبص عليهم، وبعدين قال:

“إحنا كنا بنبيع عشان ننقذها…”

مريم بصتله، وابتسمت لأول مرة بصدق.

“وربنا بعت اللي ينقذنا إحنا كمان.”

وفي اللحظة دي…

كان واضح إن النهاية مش نهاية.

دي بداية.

بداية حياة جديدة.

لعيلة كانت ضايعة…

واتجمعت تاني…

بسبب صينية حلويات…

في عز الحر.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان