رجعت من الغربة لقيت بيتي اتغيّر… واللي حصل بعدها محدش يتخيله

رجعت من الغربة لقيت بيتي اتغيّر… واللي حصل بعدها محدش يتخيله


بعد سنة كاملة في الغربة، سنة عدّت بتفاصيلها التقيلة، مش بس وقت… لأ، كانت ضغط، تعب، وسكوت طويل. كنت في أبو ظبي بشتغل أي حاجة تيجي قدامي، ساعات طويلة، وحر، ووجوه غريبة، وكل ده وأنا شايل في دماغي صورة واحدة بس: بيتي. البيت الصغير اللي على أطراف الجونة، اللي ورثته عن أبويا، واللي كنت شايفه دايمًا ملجأ مش مجرد مكان.

أنا مش من الناس اللي بتحب التغيير بسهولة، وخصوصًا لما يكون ليه علاقة بحاجة فيها ذكرى. المطبخ ده تحديدًا، أنا وأبويا قعدنا نشتغل فيه بإيدينا. فاكر كويس يوم ما جبنا الخشب، وفضلنا يومين كاملين نركب ونفك ونقيس. كان بسيط، آه، بس كان معمول بحب. كل رف فيه كان له حكاية.

طول السنة دي، وأنا بعيد، كنت بتخيل اللحظة اللي هرجع فيها. إني أفتح الباب، وأحس إن كل حاجة لسه زي ما هي. يمكن ده كان وهم، بس هو اللي كان مخليني مستحمل.

وصلت بالليل. الشارع كان هادي، مفيش صوت غير الهوا. وقفت قدام الباب لحظة قبل ما أفتح، زي العادة القديمة، كأنها تحية بسيطة للمكان. طلعت المفتاح، وفتحته.

أول خطوة جوا كانت كفاية عشان أعرف إن في حاجة اتغيرت.

مشهد البيت نفسه مكنش صادم في الأول، لكن الإحساس… الإحساس كان غريب. الريحة مختلفة، مفيهاش الدفا اللي متعود عليه. كانت أقرب لريحة دهان جديد، وحاجة صناعية كده، تخلي المكان بارد.

متحركتش كتير. بصيت حواليّ، وبعدين عيني راحت للمطبخ.

وقفت مكاني.

الموضوع مكنش مجرد تغيير… المطبخ القديم اختفى. مفيش ولا حاجة منه. لا الخشب، ولا الترابيزة الصغيرة، ولا حتى التلاجة اللي كانت صوتها عالي. مكانه مطبخ تاني خالص، شكله حديث، كل حاجة فيه لامعة، مترتبة زيادة عن اللزوم، كأنه معرض مش مكان بيتعاش فيه.

وأنا واقف ببص، سمعت صوت ورايا.

“حمد لله على السلامة يا يحيى.”

بصيت، لقيت هالة أختي واقفة، باين عليها مرتاحة جدًا، كأنها في بيتها من زمان. كانت ماسكة كوباية عصير، وقاعدة على بار رخام واضح إنه معمول جديد.

سألتها بهدوء، رغم إن السؤال كان تقيل: “إيه اللي حصل هنا يا هالة؟”

ردت عادي جدًا، كأن الموضوع بسيط: “إحنا نقلنا هنا من شهرين. البيت كان محتاج يتظبط، والمطبخ كان قديم قوي. عملناه بشكل أحسن شوية.”

سكتت لحظة، مستني تكمل، وفعلاً كملت:

“الموضوع كله مش هيكلفك غير حوالي 2 مليون… ده سعر التكلفة.”

الكلام كان مباشر زيادة عن اللزوم. مفيش تمهيد، مفيش اعتبار إن ده بيتي. في اللحظة دي، حسيت إن في حاجة داخلي بتقف. مش انفجار… بالعكس، هدوء غريب.

مدحت جوزها طلع بعدها، وسلّم عليّ وهو بيتكلم بثقة: “عملنا شغل نضيف، غيرنا السباكة والكهربا وكل حاجة. دلوقتي البيت بقى له قيمة.”

بصيت له، وهزّيت راسي، وقلت: “واضح.”

ومن اللحظة دي، قررت إني مش هرد فورًا.

الأسبوع اللي بعد كده عدى وأنا بتعامل عادي جدًا. كنت بخرج معاهم، نتكلم، نضحك. هما كانوا مرتاحين، شايفين إن الموضوع خلص. وأنا كنت سايبهم يصدقوا ده.

بس في الحقيقة، أنا كنت بفكر بهدوء.

كل مرة أدخل المطبخ، كنت بقف ثواني أبص حواليا. مش عشان المكان الجديد… بالعكس، عشان أفتكر القديم. التفاصيل الصغيرة اللي راحت، والصوت، والريحة، وكل حاجة اختفت كأنها مكنتش.

لحد ما جه يوم خرجوا فيه سوا بالليل.

أول ما اتأكدت إنهم مش هيرجعوا قريب، بدأت أتصرف.

كلمت ناس شغلهم في المقاولات، ناس بتفك وتركب. قلت لهم محتاج شغل سريع، في نفس الليلة. جُم بعد وقت قصير، وبدأنا.

مفيش عصبية، مفيش تكسير عشوائي. كل حاجة كانت بتتعمل بهدوء. الأجهزة اتفكت، الرخام اتشال، الحاجات اتفكّت واحدة واحدة. بس في الآخر، المكان رجع لحالة أسوأ من الأول، حيطان باينة، مواسير مكشوفة، وأرض مش مستوية.

قبل ما يمشوا، سيبت المكان كأنه موقع شغل متساب فجأة.

قعدت مستني.

رجعوا متأخر، وكان واضح عليهم إنهم مبسوطين. فتحوا الباب، ودخلوا.

الصمت كان أول رد فعل.

بعدين هالة صرخت، ومدحت وقف مش فاهم.

بصوا لي، وأنا قاعد.

قالت: “إيه اللي حصل؟”

طلعت الورقة من جيبي، وقلت بهدوء: “اقروا الأول.”

مدحت خد الورقة، وقرأ، ومع كل سطر كان وشه بيتغير.

قلت: “أنا بعت البيت من كام يوم. العقد ده نهائي. الشركة الجديدة هتيجي بكرة تبدأ شغلها.”

هالة كانت باصة لي كأنها مش مستوعبة.

كملت: “كل اللي اتعمل هنا… كان كده كده هيتشال.”

وقفت، ولمّيت حاجتي، وقلت قبل ما أمشي:

“اللي اتصرف… حاولوا تشوفوا هتعوضوه إزاي.”

ومشيت.

مبصتش ورايا. المكان ده كان جزء مهم من حياتي، بس واضح إنه مكنش المفروض يفضل زي ما هو. يمكن اللي حصل مكنش حل مثالي، بس كان النهاية الوحيدة اللي أنا قدرت أوصل لها ساعتها.

خرجت من البيت وأنا مش حاسس بحاجة واضحة أقدر أسميها. لا راحة، ولا ندم، ولا حتى انتصار. كنت سايب ورايا مكان اتغير، وناس اتغيروا، ويمكن أنا كمان اتغيرت معاهم. ركبت العربية وسقت من غير اتجاه محدد، الشارع كان فاضي، والهواء داخل من الشباك بارد شوية، كأنه بيحاول يفوقني.

عدّت ساعة أو يمكن أكتر، وأنا ماشي من غير ما أفكر في حاجة معينة، لحد ما وقفت على البحر. نفس المكان اللي كنت بروحه زمان مع أبويا، لما كنا محتاجين نهرب من أي حاجة. نزلت، وقعدت على الرمل، وبصيت قدامي.

الموج كان هادي، عكس اللي جوايا تمامًا.

طلعت الموبايل، لقيت مكالمات كتير من هالة، ورسالة من رقم غريب غالبًا مدحت. ما رديتش. مش لأني مش قادر، بس لأني مش شايف إن في كلام ممكن يتقال دلوقتي هيغير حاجة.

عدّت الليلة، ورجعت على مكان مؤقت كنت مأجره، شقة صغيرة قريبة من الشغل الجديد اللي ناوي أبدأ فيه. نمت نوم متقطع، وصحيت بدري على صوت الموبايل.

المرة دي كان رقم غريب تاني، رديت.

“أستاذ يحيى؟ إحنا من شركة التطوير… إحنا وصلنا الموقع.”

سكت لحظة، وبعدين قلت: “تمام، أنا جاي.”

وأنا في الطريق، حسيت إن في حاجة تقيلة على صدري. مش خوف، ولا تراجع، بس إحساس إن في فصل بيتقفل رسمي.

لما وصلت، المكان كان مختلف تمامًا عن آخر مرة شفته. عربيات كبيرة، معدات، ناس بتتحرك في كل اتجاه. البيت كان لسه واقف، بس واضح إنه مستني لحظة النهاية.

وقفت بعيد شوية، أراقب.

مشفتش هالة ولا مدحت. يمكن مشيوا، أو يمكن مش قادرين ييجوا. بصراحة، ما سألتش.

واحد من المهندسين قرب مني، سلّم، وبدأ يشرح لي الخطة. كنت سامعه، بس تركيزي كان في حاجة تانية… في البيت نفسه.

كل زاوية فيه كانت ليها ذكرى. حتى الحاجات البسيطة اللي كنت فاكر إني نسيتها، رجعت فجأة.

“نبدأ؟” سألني.

بصيت له، وبعدين بصيت للبيت، وقلت بهدوء: “ابدأوا.”

أول ضربة كانت خفيفة، بس صوتها كان واضح. بعدها الضربات زادت، ومع كل جزء بيقع، كنت بحس إن في حاجة بتتفك جوايا.

مفيش دراما، مفيش صراخ… بس في نهاية بتحصل قدام عيني.

قعدت شوية، وبعدين مشيت قبل ما يخلصوا. مكنتش محتاج أشوف كل حاجة وهي بتتهد.

بعد يومين، جالي اتصال تاني.

المرة دي كان مدحت.

صوته كان مختلف، مش نفس الثقة اللي كان بيتكلم بيها قبل كده.

“إحنا محتاجين نتكلم.”

فكرت لحظة، وبعدين قلت: “تمام.”

اتقابلنا في كافيه هادي. هو كان قاعد قبلي، ولما وصلت، قام سلّم، وقعدنا.

سكتنا شوية، وبعدين هو بدأ: “اللي حصل… كان ممكن يتحل بطريقة تانية.”

بصيت له، وقلت: “ممكن.”

هز راسه وقال: “إحنا غلطنا إننا دخلنا البيت من غير إذنك… بس اللي عملته برضه كان كبير.”

قلت: “أنا مقلتش إني صح 100%.”

الكلام كان هادي، مفيش خناقة. يمكن لأن كل حاجة كانت خلصت بالفعل.

قال بعد شوية: “هالة تعبانة.”

الجملة دي خلتني أسكت لحظة. مش لأني اتفاجئت، بس لأن ده طبيعي.

قلت: “خلي بالك منها.”

بص لي، كأنه مستني حاجة تانية، بس أنا مكنش عندي حاجة أضيفها.

قعدنا شوية كمان، كلام عادي، وبعدين كل واحد قام ومشي.

في الأيام اللي بعدها، بدأت أركّز في حياتي الجديدة. الشغل، المكان الجديد، الروتين… حاجات بسيطة، بس كانت مهمة عشان أرجع أقف على رجلي.

وأحيانًا، كنت بافتكر البيت.

مش بالشكل اللي كان عليه في الآخر، ولا حتى قبل ما يتغير… لكن بشكل أبسط. وقت ما كان مجرد مكان عايش فيه مع أبويا، من غير تعقيد.

يمكن اللي حصل كان قاسي، ويمكن كان فيه طرق أحسن، بس الحقيقة إن بعض الحاجات لما بتتكسر، مش بترجع زي الأول.

واللي حصل… كان نهاية لمرحلة كاملة.

وبداية لحاجة تانية، لسه بتتكوّن.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي