فرصة تانية للحب… لما جمعهم الوجع وخطط لهم الثعلب

فرصة تانية للحب… لما جمعهم الوجع وخطط لهم الثعلب


لقاء الأبطال… فرصة تانية للحب برعاية الثعلب

كان قاسم قاعد على الكرسي في صالة الانتظار، ساكت من برّه لكن جواه دوشة ما بتسكتش. جنبه أخوه فتحي، جسمه موجود لكن روحه كأنها في حتة تانية خالص. عينه ثابتة في الفراغ، ملامحه مطفية، ووشه شايل تعب سنين كاملة. قاسم فضل يبص له من طرف عينه، قلبه موجوع عليه، وسؤال واحد بيزن في دماغه من شهور: يا ترى اللي حصل كان عقاب زيادة؟ ولا الحب لما بيتحول لندم بيعمل في صاحبه كده؟ معقول فتحي لسه متعلق بعلا بعد كل الوقت ده؟ بعد تلات سنين كاملة؟

مد إيده على كتف أخوه وضغط عليه بخفة، كأنه بيحاول يديه شوية قوة من اللي ناقصاه، وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
مالك يا فتحي؟ حاسس بإيه؟

رفع فتحي عينه ناحيته. كانت نظرة فيها عتاب، وفيها كسر، وفيها وجع قديم، وفيها وحدة مرعبة. قاسم بلع ريقه وحاول يتماسك، وقال بسرعة:
أنا معاك يا فتحي… ما تخافش. دي حالة مؤقتة، وهتعدي بإذن الله.

الجملة وقعت في قلب فتحي بشكل غريب. “أنا معاك”. نفس الجملة اللي كان محتاج يسمعها من سنين، ونفس الجملة اللي حاسس إن الناس كلها قالت عكسها بأفعالها. كان نفسه يزعق في وش أخوه ويقوله: دلوقت بس افتكرت؟ دلوقت بقيت معايا؟ لكنه سكت. بقاله فترة طويلة ساكت، لدرجة إن الصمت بقى لغة أسهل من الكلام.

قاسم فهم اللي في عينه، لكنه كمل:
أنا عارف إنك مش بتحب الدكاترة، وبالذات النفسيين… بس إحنا جايين نطمن عليك. الدكتور فؤاد شاطر، وهيتكلم معاك شوية بس.

وفي نفس اللحظة، جوه المكتب، كان الدكتور فؤاد بيتابعهم من كاميرا المراقبة، وضرب كف بكف وقال:
يا حماااار! أنا قايله يطمنه مش يحسسه إنه داخل لجنة تحقيق!

فؤاد كان راجل ذكي جدًا، ولسانه طويل، وعقله أطول. من النوع اللي يضحكك وهو بيخطط، ويخطط وهو بيضحك. بص في الساعة وقال متضايق:
نص ساعة اتأخروا… وربنا ما موقف عيادتي غير أصحاب العمامة الطبية دول.

دخل عليه مساعده عوض وقال:
يا دكتور، الناس زهقت.

رد فؤاد:
الناس زهقت؟ ده أنا اللي زهقت. استنى شوية، وخلّي الكراسي فاضية لحد ما البهوات يوصلوا.

عوض خرج وهو مش فاهم حاجة، وفؤاد رجع يبص للشاشة، وفجأة لمح حاجة خلت عينه تلمع. باب العيادة اتفتح، ودخل أحمد وهو ماسك بإيد أخته زهرة، وسندها بإيده التانية.

زهرة كانت ماشية بصعوبة، وكل خطوة منها كأنها معركة. قالت له بصوت مكسور:
يا أحمد… رجعني أو هات الكرسي من العربية بدل ما أقع.

رد أحمد فورًا:
متخافيش يا زهرة… أنا معاكي.

فتحي رفع راسه في اللحظة دي، كأن الجملة شدته من مكان بعيد. “أنا معاكي”. نفس الكلمة تاني، لكن بصوت مختلف، ولمين مختلف. بص ناحيتها لأول مرة، واتثبت مكانه.

كانت بنت هادية، وشها جميل رغم التعب، وعينيها فيهم حزن قديم. شعرها نازل على جنب وشها، وبتحاول تخبي دمعة محبوسة. اتعكزت خطوة واتلخبطت، وأحمد لحقها بسرعة قبل ما تقع.

فتحي حس برجفة غريبة جواه. هو نفسه مش فاهم ليه اهتم. يمكن لأنه شاف فيها نفس الكسرة اللي شايلها، يمكن لأنه شاف حد موجوع زيه.

أحمد قعدها على كرسي قريب منهم، وفضل واقف جنبها يسألها كل شوية:
عايزة حاجة؟ تشربي حاجة؟ تعبانة؟

زهرة كانت تهز راسها بالنفي من غير ما تبص له. وفتحي كان بيسمع اسمها لأول مرة:
زهرة.

همس لنفسه:
اسم على مسمى… دي فعلًا زهرة.

قاسم لاحظ نظرات أخوه وقال له واطي:
إيه يا فتحي؟ مركز أوي كده ليه؟

لكن فتحي ما ردش. كان سرحان فيها، وفي السؤال اللي بدأ يطلع جواه: مين دي؟ وليه حزينة بالشكل ده؟

زهرة في الناحية التانية كانت رافعة عينها صدفة، واتقابلت نظراتهم. لثانية واحدة بس. لكنها حسّت إن الراجل ده شايل وجع أكبر من سنه.

وأحمد، اللي كان واخد باله من كل حاجة، بدأ وشه يتغير.

في المكتب، فؤاد ارتشف قهوته وهو مبتسم بخبث وقال:
الله… كده الشغل بدأ.

قبل يومين من الموقف ده، كان فؤاد جامع أحمد وقاسم وخالد صاحبه، وكل واحد فيهم جاي شايل مشكلة. أحمد كان قلقان على أخته زهرة اللي بدأت تتحسن وترجع للحياة، وبعدين فجأة رجعت للعزلة، بطلت علاج، وبقت ترفض تمشي من غير عكاز أو كرسي.

وقاسم كان جاي بسبب فتحي، اللي بقى منسحب، مطفي، ومكتئب بشكل يخوف.

فؤاد وقتها سمعهم كلهم، وسكت شوية، وبعدها قال:
الاتنين مرضهم واحد… الوحدة.

بصوا له باستغراب، فكمل:
زهرة حاسة إن الدنيا كلها كملت إلا هي. مطلقة، وبعدها أرملة، وحادثة أثرت على جسمها، وبنتها بعدت عنها، وأخوها انشغل. حاسة إنها زيادة.

وبص لقاسم:
وفتحي اتحكم عليه بالعزلة من أهله تلات سنين. كل يوم لوم، كل يوم احتقار، كل يوم تذكير بغلطته. طبيعي ينهار.

خالد قال:
والحل؟

ابتسم فؤاد وقال:
حب… واحتواء… وفرصة جديدة.

أحمد اتضايق:
يعني إيه؟

رد فؤاد وهو بيلعب بالقلم:
يعني هنفك العزلة… ونخليهم يشوفوا ناس شبههم… ويمكن يشوفوا بعض.

ومن هنا بدأت خطة الثعلب.

طلب من أحمد يجيب زهرة بعد يومين الساعة 8، ومن قاسم يجيب فتحي 7:30، وقالهم أهم حاجة:
اتصرفوا كأنكم ما تعرفوش بعض… وكرروا قدامهم جملة “أنا معاك / أنا معاكي”.

الاتنين استغربوا، لكنه رفض يشرح.

والنهارده كان يوم التنفيذ.

عوض خرج ونادى بصوت عالي:
مدام زهرة تتفضل.

فتحي اتضايق أول ما سمع كلمة “مدام”. حس فجأة إنها متجوزة، أو مرتبطة، أو بعيدة عنه من البداية. هو نفسه ما فهمش ليه اتنرفز.

دخلت زهرة عند فؤاد، وأحمد استنى برّه. قعد الدكتور يهزر معاها، ويسألها عن حاجات بسيطة، لحد ما ارتاحت شوية وبدأت تتكلم.

بعدها دخل فتحي، وفؤاد عمل معاه نفس الحركة. لا جاب سيرة الماضي ولا المرض. اتكلموا عن الشغل، عن الكرة، عن الطفولة، عن أي حاجة غير الوجع.

وبعد يومين، كانت أول جلسة جماعية.

فتحي جه بدري، قاعد وعينه على الباب. قاسم بص له وقال:
مالك ملهوف كده؟

فتحي قال بعصبية:
ولا حاجة.

لكن أول ما الباب اتفتح، دخلت زهرة مع أحمد، ووشها أحسن من المرة اللي فاتت، وفيه لون رجع له.

قعدت في نفس المكان اللي كانت قاعدة فيه قبل كده، قصاده بالظبط.

فؤاد من ورا الشاشة قال:
هو أنا محتاج أعمل حاجة؟ السلك لمس خلاص.

دخلوا الجلسة، وكل واحد عرف نفسه. لما جه دور زهرة، اتكسفت، لكن قالت:
أنا زهرة… عندي 28 سنة… أرملة… وقبلها مطلقة… وعندي بنت.

سكتت وهي متوقعة نظرات شفقة أو استغراب، لكن اللي شافته كان ابتسامة صغيرة من فتحي.

قال لها من غير تفكير:
أمال مين اللي معاكي بره؟

قالت بسرعة وهي محمرة:
أخويا.

فتحي حس بسعادة طفولية. فؤاد غمغم:
يا حبايبي…

ولما جه دوره قال:
فتحي… 29 سنة… مش متجوز.

زهرة ما قالتش حاجة، لكن قلبها دق.

بعد التعارف، اتكلموا عن الشغل. قالت إنها خريجة تجارة وكانت شغالة قبل الحادثة.

فتحي اعتدل وقال:
أنا عندي محل أجهزة كهربائية… ومحتاج حد يساعدني في الحسابات… تقبلي تشتغلي معايا؟

الكل بص له. فؤاد كتم ضحكته.

زهرة اتوترت وقالت وهي مشيرة لرجلها:
بس…

رد فورًا:
أونلاين.

بصت له، وفي عينه صدق وراحة غريبة، فهزت راسها بالموافقة.

ومن يومها، بدأ الكلام بينهم يزيد. ملفات شغل، رسائل بسيطة، أسئلة صغيرة، وردود أطول كل يوم.

فتحي بقى يهتم بنفسه تاني. حلق دقنه، ظبط شعره، رجع يختار هدومه. قاسم كان بيبص له ومبسوط من غير ما يقول.

وزهرة بدأت تمشي أكتر من غير سند، وترجع تضحك، وتقعد مع بنتها رقية بعد ما فؤاد تدخل وكلم طليقها علي، وفهمه إن البنت لازم ترجع تقرب من أمها.

في جلسة من الجلسات، فؤاد طلب من كل واحد يتكلم عن أكبر غلط عمله.

فتحي رفع إيده وقال:
أنا عايز أتكلم… وياريت ما تستعجلوش الحكم عليا.

وحكى كل حاجة. حب قديم، غيرة، غلطة كبيرة، عقاب طويل، ووحدة قتلت فيه كل حاجة.

لما خلص، زهرة قالت بصوت متأثر:
مش إنت لوحدك اللي غلطت يا فتحي… أنا كمان غلطت.

وحكت هي كمان عن اختياراتها، زواجها، سقوطها، ندمها، والحادثة اللي غيرت حياتها.

فتحي بصلها وقال من قلبه:
على قد ما غلطتي… على قد ما كنتي ضحية.

قالت له وهي بتمسح دموعها:
وإنت كمان… تلات سنين عقاب كفاية.

سألها بهدوء:
يعني منزلتش من نظرك؟

قالت:
وأنا نزلت من نظرك؟

الاتنين هزوا راسهم بالنفي في نفس الوقت.

فؤاد قال وهو متأثر:
خلاص… من هنا ورايح الجلسات بره العيادة.

وبقت الجلسات في نادي الجزيرة، على ترابيزة قهوة، وسط ناس عادية، وضحك عادي، وكلام طبيعي. كان عايزهم يعيشوا، مش يتعالجوا بس.

وفي آخر جلسة، سابهم لوحدهم دقيقة.

فتحي بص لزهرة، وما لفش ولا دار، وقال:
تتجوزيني؟

شهقت وبعدين قالت بسرعة:
أنا اتجوزت اتنين قبلك.

قال:
وأنا الأخير.

قالت:
أهلك هيرفضوا.

قال:
مستنيين يشوفوكي.

قالت:
وبنتي؟

قال:
جوه عيني.

قالت:
ليه أنا؟

قال:
قلبي اختارك.

قالت وهي مبتسمة:
بالسرعة دي؟

رد:
ياريتني عرفتك من زمان.

مد إيده مسك إيدها، ورعشة عدت بينهم هما الاتنين.

وقبل ما ترد، أحمد جه فجأة وشال إيده من على إيد أخته وقال:
كفاية كده يا حبيبي… وتعالى إنت وأخوك الليلة بعد العشا… ومعاكم الوالد.

فتحي وقف مبسوط لدرجة إنه كان هيحضن أحمد.

وفؤاد ظهر من وراهم وقال:
وبما إن الليلة عندي أجازة… أنا جاي.

أحمد بص له:
وإنت هتيجي ليه؟

فؤاد عدل هدومه وقال بفخر:
بذرة ورويتها… وكبرت قدامي… ولازم أشوفها وهي بتزهر.

بعد أربع شهور، كانت زهرة قاعدة جنب فتحي بفستان أبيض بسيط، وابتسامتها منورة وشها. هو كمان كان بيبصلها كأنه كسب الدنيا.

خالد خبط فؤاد في كتفه وقال:
الفرصة التانية؟

فؤاد ابتسم ورد:
لا… دي كانت فرصة تانية للحب… ودلوقت بقت فرصة جديدة للحياة.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي