غزوة أُحد: اليوم اللي اتعلم فيه المسلمون معنى الثبات

غزوة أُحد: اليوم اللي اتعلم فيه المسلمون معنى الثبات


غزوة أُحد: جبل الدموع والدروس

في السنة التالتة للهجرة، وبعد ما المدينة بدأت تحس لأول مرة إن عندها قوة وقدرة تدافع عن نفسها، كانت مكة لسه نارها مولعة من اللي حصل في بدر. الخبر وقتها نزل على قريش زي الصاعقة. كبارهم ماتوا، وساداتهم اللي كانوا شايفين نفسهم فوق كل العرب اترموا في قليب بدر. أبو جهل، عتبة، شيبة، أمية بن خلف، وغيرهم من الأسماء اللي كانت بترعب الناس زمان، خلاص انتهى وجودهم. مكة كلها كانت عايشة في حالة غضب وحزن وغل، والناس هناك مكانوش شايفين إن اللي حصل مجرد معركة وخلاص، لأ… كانوا شايفينه إهانة كبيرة لازم تتغسل بالدم.

أبو سفيان وقتها كان بيحاول يلمّ بقايا هيبة قريش. حلف قدام الناس إنه مش هيرتاح ولا حتى هيقرب من مراته ولا يغتسل من جنابة غير لما ينتقم من محمد ﷺ وأصحابه. الستات في مكة كانوا بيبكوا على اللي ماتوا، وبعضهم حلق شعره من الحزن. والغل بقى أكبر من مجرد ثأر، بقى معركة كرامة بالنسبالهم. قريش بدأت تجهز نفسها بكل اللي تقدر عليه. الفلوس اللي كانت جاية من تجارة الشام اتجمعت، والسلاح اتجاب من كل مكان، والناس بدأت تتحشد لمعركة كبيرة عمر العرب ما شافوا زيها قبل كده.

في أيام قليلة، كان عند قريش جيش ضخم بالنسبة للعرب وقتها. حوالي تلات تلاف مقاتل، فيهم فرسان كتير ودروع وسلاح وإبل، وكل واحد فيهم داخل المعركة وهو شايل جوه قلبه رغبة انتقام مرعبة. حتى الستات خرجوا معاهم، مش عشان يحاربوا، لكن عشان يولعوا نار الحماس في الرجالة. هند بنت عتبة كانت من ضمنهم، وكانت ماشية تضرب الدفوف وتغني بكلمات كلها تحريض، كأنها بتقول للرجالة إن الرجولة دلوقتي في القتال وبس، وإن أي حد يرجع مهزوم مالوش قيمة.

المدينة وصلها الخبر بسرعة. النبي ﷺ جمع الصحابة واستشارهم. كان واضح عليه إنه شايل هم كبير. قالهم إنه شاف رؤيا فيها إشارات صعبة، شاف بقر بتتذبح، وشاف في سيفه ثلمة، وشاف نفسه داخل درع حصينة، وفسر ده إن المدينة ممكن تكون أفضل مكان للدفاع. بعض الصحابة الكبار كانوا شايفين إن الرأي الصح فعلًا إنهم يفضلوا جوه المدينة، خصوصًا إن القتال داخل الشوارع كان هيخلي قريش تخسر ميزتها العددية.

لكن الشباب اللي ما حضروش بدر كانوا متحمسين جدًا. كانوا حاسين إن دي فرصتهم يثبتوا نفسهم. فضلوا يقولوا للنبي ﷺ إن الخروج للمعركة هيبقى أقوى نفسيًا، وإن قريش لازم تشوف إن المسلمين مش خايفين. الحماس زاد، والكلام كتر، وفي النهاية النبي ﷺ دخل ولبس الدرع بتاعه واستعد للخروج. بعض الصحابة لما شافوا إنه لبس السلاح حسوا إنهم ضغطوا عليه، فحاولوا يرجعوا في كلامهم، لكنه قال كلمته المعروفة إن النبي إذا لبس لأمته ما ينفعش يخلعها غير لما يحكم الله بينه وبين عدوه.

خرج المسلمون وكان عددهم حوالي ألف مقاتل. القلوب فيها رهبة، لكن فيها يقين كمان. الطريق ناحية جبل أُحد كان مليان توتر. الناس كلها عارفة إن المعركة دي غير بدر. بدر كانت مفاجأة، لكن أُحد كانت مواجهة مباشرة مع قريش بكل قوتها. وفي نص الطريق حصلت أول صدمة كبيرة. عبد الله بن أُبي، رأس المنافقين، انسحب ومعاه تلاتمية راجل. فضل يقول إن رأيه ما اتسمعش وإن الحرب دي خسرانة. فجأة العدد قل جدًا، وبقى النبي ﷺ قدامه سبعمية راجل بس في مواجهة جيش ضخم.

ورغم كده، كملوا الطريق. لما وصلوا عند جبل أُحد، النبي ﷺ اختار مكان المعركة بعناية شديدة. خلّى ضهر المسلمين للجبل عشان محدش يقدر يلف عليهم بسهولة، وبعدين ركز على نقطة خطيرة جدًا، وهي الممر اللي ممكن تيجي منه خيل قريش. فوق التل الصغير اللي اتعرف بعد كده بجبل الرماة، وقف خمسين من أمهر الرماة، وحط عليهم عبد الله بن جبير، ووصاهم وصية واضحة وصريحة جدًا. قالهم مهما حصل، سواء المسلمين انتصروا أو انهزموا، ما يسيبوش مكانهم أبدًا إلا بأمر منه.

المعركة بدأت بالمبارزات، ودي كانت عادة العرب وقتها. طلحة بن أبي طلحة، حامل راية قريش، خرج يتحدى المسلمين. كان ضخم وقوي وواقف بثقة كبيرة، لكن علي بن أبي طالب خرج له بسرعة، وضربة واحدة أنهت كل شيء. الراجل وقع، والراية وقعت معاه. بعده خرج أخوه، وبعده التالت، وكل واحد يطلع يلاقي نهايته على إيد واحد من أبطال المسلمين. الراية فضلت تقع وتتشل من واحد للتاني لحد ما قريش بدأت تحس بالخوف.

بعدها انفجرت المعركة كلها مرة واحدة. السيوف اتقابلت، والصوت بقى مرعب، والتراب ملي السما. أبو دجانة كان ماسك سيف النبي ﷺ وماشي بيه وسط الصفوف بثقة رهيبة. حمزة بن عبد المطلب كان زي الإعصار، داخل في قلب جيش قريش يضرب يمين وشمال، محدش قادر يقف قدامه. علي والزبير وسعد وغيرهم من الصحابة كانوا بيقاتلوا بقوة غريبة، وكأنهم شايفين النصر بعنيهم.

ومع الوقت، الكفة بدأت تميل بسرعة لصالح المسلمين. قريش اتفاجئت بقوة المسلمين وثباتهم، وبدأت الصفوف تتفكك. الستات اللي كانوا بيضربوا الدفوف سكتوا، وبعضهم بدأ يجري. فرسان قريش اتراجعوا، والغبار اللي كان مالي المكان بقى شاهد على إن المسلمين قريب جدًا يحققوا نصر جديد.

وفي اللحظة اللي الكل حس فيها إن المعركة انتهت، بدأت المشكلة اللي غيرت مجرى اليوم كله. الرماة اللي فوق الجبل كانوا شايفين الغنائم تحت. شايفين جيش قريش بيهرب، والناس بتجمع السلاح والإبل. بعضهم قال إن المعركة خلصت خلاص، وإن مفيش داعي يفضلوا واقفين. عبد الله بن جبير فضل يصرخ فيهم ويفكرهم بكلام النبي ﷺ، لكن الحماس والطمع غلب أغلبهم.

واحد ورا التاني بدأوا ينزلوا من الجبل. ما فضلش غير عدد قليل جدًا مع قائدهم. وفي اللحظة دي تحديدًا، خالد بن الوليد، اللي كان لسه وقتها مع قريش، لمح الثغرة. خالد كان قائد ذكي جدًا، وكان مستني أي غلطة. أول ما شاف الجبل فاضي تقريبًا، لف بسرعة بخيله من ورا المسلمين، ومعاه فرسان قريش.

فجأة، المسلمين لقوا الهجوم جاي عليهم من الضهر. الدنيا اتقلبت في ثواني. الناس اللي كانت بتجمع الغنائم اترعبت، والصفوف اتلخبطت. بعض المسلمين افتكروا إن الهزيمة بدأت، وبعضهم ما بقاش عارف يضرب مين. الصدمة كانت قاسية جدًا، خصوصًا لما انتشرت إشاعة إن النبي ﷺ اتقتل.

الإشاعة كانت أخطر من السيوف نفسها. ناس كتير وقفت مكانها من الصدمة، وناس تانية بدأت تنسحب ناحية المدينة. وسط الفوضى دي كلها، النبي ﷺ كان ثابت في قلب المعركة. حواليه عدد قليل جدًا من الصحابة بيحاولوا يحموا حياته بكل طاقتهم، لأن قريش كلها بقت شايفة إن الفرصة جات أخيرًا عشان تخلص منه.

بدأ الهجوم يشتد حوالين النبي ﷺ. الحجارة والسيوف والسهام كانت جاية من كل ناحية. عتبة بن أبي وقاص رماه بحجر كسر سنة من أسنانه، والدم بدأ ينزل من وشه الشريف. بعد كده جات ضربة بالسيف جرحت رأسه، وضربة تانية دخلت حلقتين من المغفر في وشه. الصحابة اللي حواليه اتصدموا لما شافوا الدم نازل على لحيته، لكنه رغم الألم كان ثابت وبيقول كلمات كلها حزن على الناس اللي بيعملوا كده مع نبي بيدعوهم للحق.

في الوقت ده، حمزة كان لسه بيقاتل بكل قوته، لكن وحشي، العبد الحبشي، كان مستخبي من بعيد ومستني اللحظة المناسبة. هند وعدته بالحرية والمال لو قتل حمزة. وحشي ما كانش مهتم بالمعركة نفسها، كل هدفه كان الرمية دي. ولما شاف حمزة في لحظة انشغال، رمى حربته بكل قوته. الحربة أصابت حمزة إصابة قاتلة، ووقع أسد الله شهيد.

المشهد كان صعب جدًا. حمزة اللي كان مصدر قوة ورعب لقريش، خلاص سقط. وهند جت بعد المعركة تعمل أفعال بشعة من شدة الغل اللي جواها. المسلمين لما عرفوا باللي حصل اتقطع قلبهم، خصوصًا النبي ﷺ اللي كان بيحب حمزة حب كبير.

مصعب بن عمير كان شايل راية المسلمين. كان شبه النبي ﷺ جدًا، ولما قتله ابن قمئة افتكر إنه قتل النبي نفسه، فصرخ بأعلى صوته إن محمد اتقتل. الكلمة انتشرت بسرعة رهيبة وسط أرض المعركة، وكأنها نار وقعت في قلوب المسلمين.

في اللحظات دي ظهر معدن ناس عظيمة. أنس بن النضر شاف بعض المسلمين محبطين، فصرخ فيهم إن رب محمد حي لا يموت، وإنهم لازم يكملوا القتال حتى لو النبي مات. وبعدها اندفع وسط المعركة يقاتل لوحده لحد ما استشهد وجسمه كله مليان جراح.

وسعد بن الربيع، وهو بين الحياة والموت، فضل يفكر في النبي ﷺ وفي الإسلام أكتر من نفسه. كان كل همه إن الرسالة تكمل، وإن الأنصار ما يفرطوش في حماية رسول الله.

وسط الزحمة والقتال، النبي ﷺ وقع في حفرة كانت معمولة للمسلمين. علي وطلحة وغيرهم جرو بسرعة يطلعوه. طلحة استخدم جسمه كله يحمي النبي ﷺ لدرجة إن إيده اتصابت إصابة شديدة. وأبو عبيدة اضطر يشيل حلقات الحديد اللي دخلت في وش النبي ﷺ بأسنانه، فوقعت سنانه من شدة اللي عمله.

ومن أعظم المشاهد يومها كان موقف أم عمارة. ست واقفة بالسيف والدرع وسط الرجال، بتحارب دفاعًا عن النبي ﷺ بكل شجاعة. كل شوية تاخد ضربة وترجع تقف تاني. النبي ﷺ بنفسه تعجب من قوتها وثباتها.

عدد قليل جدًا من الصحابة فضلوا ثابتين حوالين النبي ﷺ. أبو طلحة كان بيحاول يحميه بجسمه من السهام، وقتادة بن النعمان اتصابت عينه إصابة شديدة، لكن قلبه كان متعلق بالنبي أكتر من ألمه.

ومع كل الفوضى دي، النبي ﷺ فضل ثابت. حتى لما أُبي بن خلف حاول يهجم عليه وهو بيهدده، النبي ﷺ أخد حربة وضربه ضربة بسيطة، لكنها كانت النهاية بالنسباله، لأنه مات بعدها وهو مرعوب من إن النبي قاله قبل كده إنه هيقتله.

بعد شوية، المسلمين قدروا يتجمعوا فوق الجبل. قريش حاولت تكمل الهجوم، لكن التعب والخسائر خلوهم يترددوا. أبو سفيان وقف ينادي ويسأل إذا كان محمد وأبو بكر وعمر لسه عايشين. ولما عمر رد عليه، عرف إن المعركة ما حققتش الهدف الأساسي.

قريش في النهاية قررت ترجع مكة. صحيح كانوا شايفين إنهم خدوا ثأر بدر، لكنهم لا دخلوا المدينة ولا قتلوا النبي ﷺ ولا أنهوا الإسلام. أما المسلمين، فكانوا عايشين أصعب لحظات الحزن في حياتهم.

النبي ﷺ نزل يدور بين الشهداء. كان المشهد مؤلم جدًا. سبعين شهيد من خيرة الصحابة مرميين على الأرض. كل واحد فيهم ليه حكاية، وليه أهل وذكريات. لكن أصعب لحظة كانت لما شاف حمزة. وقف يبكي بحرقة شديدة، والناس كلها تأثرت ببكائه.

ورغم الحزن، النبي ﷺ علم الصحابة درس مهم جدًا. إن حتى في أصعب المصايب، المؤمن لازم يصبر وما يتحولش للانتقام الأعمى. لذلك لما نزل القرآن يأمر بالصبر، قبل الأمر فورًا.

ومن القصص اللي فضلت خالدة بعد أُحد، قصة حنظلة غسيل الملائكة. كان عريس جديد، ولسه في ليلة زفافه، لكن أول ما سمع النداء للجهاد خرج بسرعة من غير حتى ما يغتسل، واستشهد في المعركة. وبعدها النبي ﷺ أخبر الصحابة إن الملائكة هي اللي غسلته.

وكمان عمرو بن الجموح، الرجل الأعرج اللي كان معذور شرعًا إنه ما يحاربش، لكنه أصر يخرج وهو يقول إنه نفسه يدخل الجنة برجله العرجاء دي. وبالفعل استشهد يومها.

الصحابة بدأوا يدفنوا الشهداء في نفس أرض المعركة. كل قبر فيه اتنين أو تلاتة، والنبي ﷺ كان يقدّم أكترهم حفظًا للقرآن. الحزن كان مالي القلوب، لكن كان فيه إحساس تاني كمان… إحساس إن اللي حصل ده درس كبير جدًا.

أُحد علمت المسلمين إن النصر مش بس قوة وسلاح، لكن كمان طاعة وانضباط. خمسين راجل بس نزلوا من مكانهم في لحظة، فقلبوا نتيجة معركة كاملة. وعلمتهم إن الطمع في الدنيا ممكن يضيع تعب كبير جدًا.

وعلمتهم كمان إن القائد الحقيقي بيبان وقت الشدة. النبي ﷺ اتصاب واتجرح وفقد ناس بيحبهم، لكنه ما هربش ولا استسلم. فضل ثابت لآخر لحظة، وده اللي خلّى الصحابة بعد كده يفهموا معنى الصبر الحقيقي.

الهزيمة يوم أُحد ما كانتش نهاية، بالعكس، كانت بداية نضج كبير للمسلمين. بعدها بقليل، المسلمين رجعوا أقوى وأوعى، وقدروا بعد سنين قليلة يدخلوا مكة نفسها منتصرين.

عشان كده، أُحد ما كانتش مجرد معركة. كانت مدرسة كاملة. مدرسة بتقول إن الإنسان ممكن يقع، لكن المهم يتعلم ويقوم أقوى. وبتقول إن النصر الحقيقي مش دايمًا في عدد القتلى أو الغنائم، لكن في الثبات والإيمان والصبر وقت المحنة.

وكان النبي ﷺ بعد كده يزور شهداء أُحد كل فترة، يقف عند قبورهم ويدعيلهم، وكأنه بيقول للأجيال كلها إن الناس دي ما ماتتش عبث، لكن سابت وراها درس عمره ما ينتهي.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي