مكالمة منتصف الليل.. السر الذي دمّر حياتي في دقائق!

مكالمة منتصف الليل.. السر الذي دمّر حياتي في دقائق!


مكالمة منتصف الليل.. السر الذي دمّر حياتي في دقائق!

الساعة كانت 12:08 بعد نص الليل… رقم بسيط، لكنه محفور في دماغي كأنه وش حد مش هنساه طول عمري. كنت نايمة جنب خالد، جوزي، في أوضتنا الهادية في بيتنا في التجمع، وصوت المطر وهو بيخبط على إزاز الشباك كان عامل جو غريب… هدوء تقيل، كأن فيه حاجة مستخبية ورا اللحظة دي مستنية تتحرك. نور شاشة جهاز مراقبة البيبي كان منور أخضر في أوضة نوح، اللي كانت فاضية… وده كان مطمني شوية، لأن نوح كان عند أهل خالد في إسكندرية. مكنتش أعرف إن ده السبب الوحيد اللي خلاني أعيش الليلة دي أصلاً.

الموبايل نور فجأة… اسم “دينا”. أختي. قلبي نزل في رجلي حرفيًا. دينا مش أي حد… دينا شغالة في الأمن الوطني. مش بتتصل في وقت زي ده غير لو في مصيبة. إيدي كانت بتترعش وأنا برد: “دينا؟”… صوتها كان مش صوتها، مخنوق ومشدود كأنها بتجري أو مستخبية. قالتلي من غير مقدمات: “اسمعيني كويس… اطفي كل النور، اقفلي الموبايل، واطلعي السطح فورًا… وإوعي… إوعي خالد يعرف.”

في اللحظة دي، حسيت إن جسمي كله اتجمد. مخي رفض يستوعب اللي بتقوله. بصيت لخالد… نايم عادي جدًا، ضهره ليا، نفسه هادي. همست: “في إيه؟” لكنها زعقت: “اعملي اللي بقولك عليه وبس!”… وبدون ما أفهم، بدأت أتحرك زي آلة. خرجت من السرير، كل خطوة كنت حاسة إنها بتكسر حاجة جوايا. لما خالد اتحرك وقال “إليز؟”… قلبي وقف. كذبت بسرعة: “رايحة أشرب مية”… ورجعت أكمل.

طفيت النور واحد واحد… الصالة، المطبخ، الطرقة… وكل ما النور يطفي، كان قلبي بيغمق أكتر. وصلت السلم وطلعت… كل درجة كانت بتزيق كأنها بتفضحني. الريحة فوق كانت تراب وعفونة… دخلت وقفلت الباب بسرعة. دينا سألتني: “قفلتي؟”… قلت “آه”… قالتلي: “ابعدي عن الشباك”… وفجأة… الخط قطع.

الدقيقة اللي بعد كده كانت أطول دقيقة في حياتي. مفيش صوت… غير قلبي. لحد ما سمعت صوت خالد تحت… لكن… مش خالد اللي أعرفه. صوته كان بارد، غريب، كأنه حد تاني. قال: “النور طفي”… ورد عليه صوت راجل تاني: “يبقى هي عرفت.”
في اللحظة دي… عرفت إن حياتي اللي كنت فاكرة إنها آمنة… اتكسرت.

قربت من فتحة صغيرة في سقف الرووف وبصيت… وشوفت حاجة عمري ما هقدر أنساها. خالد… أو اللي كنت فاكرة إنه خالد… واقف وماسك جهاز غريب بيطلع نبضات حمرا، والراجل التاني فاتح شنطة فيها أجهزة وصور… صوري أنا ودينا. مش صور عادية… صور مراقبة. كل خطوة… كل حركة… كل نفس.

موبايلي نور فجأة… رسالة من دينا: “خالد مش خالد… اهربي فورًا… تحت البيت قنبلة.”
المخ وقف. إزاي مش خالد؟! بصيت تاني… وشفت حاجة أبشع… الجلد تحت ساعته كان باين مختلف… كأنه قناع. في اللحظة دي، سمعت خبط على باب الرووف… وصوت خالد… لكن صوته كان حنين زيادة عن اللزوم: “إليز… افتحي… دينا بتضحك عليكي.”

كنت هصدق… أقسم بالله كنت هفتح… لولا صورة وصلتني من دينا في نفس اللحظة. خالد الحقيقي… متكتف… مغمى عليه.
اللي ورا الباب… مش جوزي.

جريت ناحية السور… المطر مخليه زلق… المسافة بيني وبين بيت الجيران مترين… بس الموت كان ورايا. رميت نفسي… وقعت على رمل… وفي نفس اللحظة… انفجار هز الدنيا. صوت مش طبيعي… نار ودخان… بيتي بيتدمر قدامي.

دينا وصلت مع القوة… حضنتني وأنا مش فاهمة أنا عايشة ولا لأ. قالتلي الحقيقة… منظمة دولية… استبدلوا خالد بشبيه… كانوا عايزين حاجة مني… وأنا حتى مكنتش عارفة إني الهدف.

بعدها بأيام… وأنا في مكان آمن… كنت فاكرة إن كل حاجة خلصت… لحد ما دينا دخلت عليا بملف… وقالتلي إن الشبيه مش مجرد مجرم… ده أخو خالد التوأم… متخطف من وهو صغير… متدرب يكون نسخة… سلاح بشري.

وقبل ما أستوعب… موبايلي رن… صوت نوح… ابني… بيعيط.
“ماما… بابا جه ياخدني… بس مش بابا.”
روحي خرجت مني.
قالوا لي: “لو عايزة ابنك… هاتي الملفات.”

في اللحظة دي، كل حاجة اتغيرت. بقيت أنا اللي بصطادهم. اللعبة اللي كانوا فاكرينها سهلة… اتحولت حرب. الدبدوب بتاع نوح… اللي محدش يعرف إنه فيه سر… هو اللي قلب الموازين. دخلت لوحدي… شفت شبيه تاني… نسخة تانية… لكن المرة دي كنت مستعدة.

لما نوح داس على عين الدبدوب… النبضة الكهرومغناطيسية ضربت كل حاجة. الأجهزة باظت… السلاح انفجر… والدنيا اتقلبت. القوات دخلت… أنقذنا نوح… لكن لما كشفوا وش الشبيه… الصدمة كانت أكبر من أي حاجة.

وشه… مش بشري. شرائح إلكترونية مزروعة جواه… إنسان متحول لآلة.
دينا بصتلي وقالت: “إنتي مش فاهمة… دول بيحولوا البشر لهارد ديسك… وإنتي معاكي المفتاح.”

وقتها بصيت لنوح… نايم في حضني… وبصيت للدبدوب… وعرفت إن اللي جاي أخطر بكتير.
لكن أكبر صدمة… كانت لسه جاية.

بعد يومين… دخلت المستشفى أشوف خالد… أو اللي قالوا إنه خالد. كان نايم… هادي… نفس ملامحه… نفس صوته لما صحي وقال اسمي. قربت منه… قلبي بيدق… إيدي بتترعش… حطيت إيدي على وشه…
حسيت بحاجة… صغيرة… تحت جلده… زي شريحة.

في اللحظة دي… كل حاجة سكتت.
بصيت في عينه… وسألته: “خالد… انت مين؟”

ابتسم… ابتسامة بطيئة… مش ابتسامته… وقال بهدوء:
“هو لسه في لعبة أصلاً؟”

رجعت خطوة لورا… وقلبي اتكسر… لأن الحقيقة الوحيدة اللي بقيت واضحة…
إن خالد الحقيقي… يمكن يكون مات من زمان…
وإن كل اللي عايشين معاهم… مجرد نسخ…
وإن الحرب… لسه ما بدأتش أصلاً.

وفي اللحظة دي، أدركت إن حياتي القديمة انتهت… وإن أي حد حواليا… حتى أقرب الناس… ممكن يكون مش هو.
وإن السؤال الوحيد اللي فاضل…
مش “مين العدو؟”…
السؤال الحقيقي كان…
“مين الإنسان؟”

الفصل الجديد: الغرفة رقم 17

خرجت من أوضة خالد وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني، الممر الطويل في المستشفى كان أبيض زيادة عن اللزوم، أبيض بارد ومخيف كأنه مش معمول للشفا، معمول لإخفاء الحقيقة. دينا كانت واقفة عند آخر الممر، أول ما شافت وشي فهمت إن في حاجة حصلت. قربت مني بسرعة وسألتني بصوت واطي: “قالك إيه؟” بصيت لها وأنا بحاول أمنع دموعي تنزل، وقلت لها: “ده مش خالد… أو على الأقل مش خالد اللي اتجوزته.” دينا مسكت إيدي جامد، لكنها قبل ما ترد، جهاز الإنذار في المستشفى اشتغل فجأة، والأبواب الإلكترونية بدأت تتقفل واحد ورا التاني، والممرضين جروا في كل اتجاه. ساعتها سمعنا صوت رسالة داخلية في السماعات: “إخلاء جزئي للدور الرابع… ممنوع الاقتراب من الغرفة رقم 17.”

الغرفة رقم 17 كانت في آخر نفس الدور، مقفولة من سنين حسب كلام الممرضين، ومحدش كان بيدخلها غير بإذن أمني خاص. دينا وشها اتغير لما سمعت الرقم، وسحبتني من دراعي ناحية السلم الخلفي، لكن قبل ما نوصل، ظهر على شاشة موبايلي إشعار من رقم مجهول: “لو عايزة تعرفي خالد الحقيقي فين… افتحي الغرفة 17.” وقفت مكاني، ودينا حاولت تمنعني، بس أنا كنت وصلت لمرحلة إن الخوف نفسه بقى أقل من الجهل. مشيت ناحية الغرفة، وكل خطوة كانت بتقربني من إجابة كنت حاسة إنها هتكسر آخر جزء سليم جوايا.

قدام باب الغرفة، كان فيه قفل إلكتروني قديم، وبجانبه كاميرا مكسورة. دينا طلعت كارتها الأمني وجربته، الباب فتح بصوت معدني تقيل. أول ما دخلنا، شمينا ريحة مطهر ممزوجة بريحة رطوبة قديمة، وفي نص الأوضة كان فيه سرير طبي عليه ملاية بيضا، وحواليه أجهزة مراقبة مطفية. على الحيطة المقابلة، كانت معلقة صور كتير… صور لخالد وهو صغير، صور لعمر التوأم، وصور ليا أنا ونوح من أيام مختلفة. لكن الصورة اللي خلت الدم يهرب من وشي كانت صورة فرحنا… وتحتها مكتوب بخط واضح: “مرحلة الدمج نجحت.”

دينا بدأت تفتش الأدراج بسرعة، وأنا وقفت قدام دولاب حديدي كبير كان مقفول بسلسلة. في اللحظة اللي لمست فيها السلسلة، سمعت صوت خبط ضعيف جاي من جوه الحيطة. خبطتين… سكوت… خبطتين تاني. دينا قربت، وخبطت بنفس الإيقاع. فجأة، جزء من الحيطة اتحرك وكشف ممر ضيق نازل لتحت. نزلنا بحذر، لحد ما وصلنا لغرفة تحت الأرض، وهناك شفت الحاجة اللي خلت كل الأسئلة القديمة ملهاش قيمة.

كان فيه راجل نايم داخل كبسولة زجاجية، جسمه ضعيف جدًا، وشعره أطول، لكن ملامحه… ملامح خالد. خالد الحقيقي. على صدره لاصق طبي، وعلى الشاشة اللي جنبه مكتوب: “العينة الأصلية مستقرة.” حطيت إيدي على الزجاج وانهرت. هو كان عايش طول الوقت، محبوس تحت المستشفى، بينما نسخة منه كانت عايشة معايا، تضحك معايا، وتخدعني كل يوم. دينا قربت من الجهاز وقرأت البيانات، ثم قالت بصوت مخنوق: “إليز… هما ماكانوش بيستبدلوه بس… هما كانوا بينقلوا ذاكرته حتة حتة للنسخ.”

قبل ما أستوعب، خالد الحقيقي فتح عينه ببطء، وبص لي من ورا الزجاج. شفايفه اتحركت بصعوبة، وكأنه بيحاول يقول كلمة واحدة. قربت ودني من السماعة الصغيرة المثبتة في الكبسولة، فسمعت صوته الضعيف بيهمس: “نوح… مش ابننا لوحدنا.” اتسمرت مكاني، ودينا بصت لي بصدمة. خالد كمل بصعوبة: “فيه أطفال تانيين… كلهم مفاتيح… نوح آخر واحد.” وفجأة، كل الأنوار انطفت، واشتغل ضوء أحمر في الغرفة، وصوت آلي أعلن: “بدء بروتوكول الاسترجاع النهائي.”

في نفس اللحظة، ظهر على الشاشة الرئيسية وجه خالد اللي في أوضة المستشفى فوق، لكنه كان مبتسم ابتسامة باردة، وقال: “شكرًا إنك وصلتي للأصل يا إليز… كنا محتاجينك تفتحي الباب بنفسك.” ساعتها فهمت المصيبة. هما ماكانوش عايزيني أهرب منهم… هما كانوا سايبيني أمشي في الطريق اللي هما راسمينه، عشان أوصلهم للمكان الوحيد اللي مش قادرين يفتحوه من غير بصمتي وصوتي. دينا رفعت سلاحها ناحية الكاميرا، لكن الشاشة سبقتها وقالت: “طلقة واحدة… والكبسولة تفصل.”

بصيت لخالد الحقيقي، وبصيت لدينا، وبعدين افتكرت نوح… افتكرت الدبدوب، والنبضة، وكل لعبة كانوا فاكرين إنهم كسبوها. قربت من لوحة التحكم وأنا بقول بصوت ثابت: “إنتوا نسيتوا حاجة واحدة… أنا مش مجرد هدف.” ضغطت كود الطوارئ اللي كنت مخبياه في شريحة الدبدوب، وفجأة بدل ما يبدأ بروتوكول الاسترجاع، كل ملفاتهم اتفتحت على الشبكة العامة للأجهزة الأمنية. أسماء، صور، مواقع، حسابات، ومختبرات سرية ظهرت قدام دينا في نفس الثانية. لأول مرة، شفت الخوف في عين النسخة اللي على الشاشة.

لكن قبل ما نفرح، خالد الحقيقي رفع إيده الضعيفة وحطها على الزجاج من جوه، وبص لي كأنه بيودعني. الشاشة الجانبية بدأت تنزل أرقام بسرعة، ودينا صرخت: “الكبسولة هتنهار!” حاولت أفتحها، لكن خالد هز راسه بهدوء، وشفايفه قالت من غير صوت: “احمي نوح.” بعدها بثواني، اتفتح باب خلفي في الغرفة، وظهر ممر هروب صغير، وكأن خالد كان مجهزه من زمان، مستني اللحظة اللي أوصل فيها. سحبتني دينا بالعافية قبل ما الغرفة تمتلئ بدخان أبيض، وأنا بصرخ باسمه، لكن صوته الأخير فضل عالق في ودني: “الحقيقي مش اللي شكله شبهنا… الحقيقي اللي يضحي عشاننا.”

طلعنا من الممر على جراج مهجور خلف المستشفى، وهناك كان نوح واقف مع ضابط من فريق دينا، ماسك الدبدوب وبيعيط. جريت عليه وحضنته بكل قوتي، لكن قبل ما أتنفس، الدبدوب نطق بصوت آلي لأول مرة: “تم تفعيل المفتاح الأخير.” بصيت لدينا، ودينا بصتلي، وفهمنا إن خالد الحقيقي كان مزروع جواه رسالة أخيرة. فتحنا التسجيل، وظهر صوته الضعيف يقول: “إليز… لو سمعتي الرسالة دي، يبقى النسخ بدأت تنتشر. متدوريش عليا… دوري على الأطفال. كل طفل منهم شايل جزء من الحقيقة، ونوح شايل آخر جزء… ولو اجتمعوا، المنظمة تنتهي.”

في آخر الليل، وإحنا خارجين من المستشفى، شفت من بعيد خالد النسخة واقف على سطح المبنى المحترق، لابس نفس هدوم خالد، ونفس ملامحه، لكنه لما بص لي، رفع إيده بإشارة وداع هادية… وبعدها اختفى وسط المطر. ساعتها عرفت إن الحرب مش مع شخص واحد، ولا مع منظمة واحدة، دي حرب على معنى الإنسان نفسه. حضنت نوح، وقلت له وأنا ببص للسماء: “من النهارده يا حبيبي… إحنا مش هنهرب.” وفي قلبي كنت عارفة إن أول طفل لازم ألاقيه، اسمه كان مكتوب في آخر ملف ظهر على شاشة دينا: “ليلى… الغرفة 18.”

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان