أمضت أمي ثماني سنين تبكي على قبر أخويا… لحد الليلة اللي شُفته فيها حي قدامي
لحد الليلة دي، أنا ما قادر أستوعب الحاصل بالكامل. كل مرة أتذكّر اللحظة الأولى اللي شفته فيها، بحس كأن قلبي بيرجع يتوقف من جديد. في ناس بتقول إن الزمن بيعالج كل حاجة، لكن الزمن أحيانًا بس بيغطي الجرح بطبقة خفيفة جدًا… أول ما تلمسها، يرجع الألم يطلع كأنه جديد.
أنا كنت في السبعتاشر وقتها. صغير، لكن واعي كفاية عشان أفهم إن البيت بعد الحادثة ما عاد هو نفس البيت. قبلها كنا عيلة بسيطة جدًا، عندنا مشاكلنا العادية، ضحكنا، صوت أمي وهي بتنادينا من المطبخ، وأخويا مصعب اللي كان مالي البيت حركة وكلام وضحك. كان أكبر مني بخمس سنين، وكان أقرب شخص لي في الدنيا كلها. أي مشكلة تحصل لي، أول زول أفكر أمشي ليه هو مصعب. حتى أبوي، رغم هيبته، كنت بخاف منه أحيانًا… لكن مصعب لا. كنت بحس معاه بالأمان.
مصعب كان عنده طريقة غريبة يخليك ترتاح حتى لو الدنيا كلها ضدك. يضحكك، يربّت على كتفك، يقول ليك “سيبها على الله”، فتحس فعلًا إن الأمور حتتصلح. عشان كده يوم وفاته… أو اليوم اللي قالوا لينا فيه إنه مات… ما كان مجرد خبر عادي. كان كأن البيت كله انكسر مرة واحدة.
أتذكّر الليلة دي بالتفصيل. المطر كان نازل خفيف، وأمي كانت قاعدة تستناه يرجع عشان يتعشّى. كان متأخر، لكنها ما كانت قلقة، لأنه أحيانًا كان يتأخر مع أصحابه أو شغله. وفجأة الباب خبط. لما فتحت، لقيت راجلين واقفين، ووشوشهم كانت كفيلة تفهمك إن في مصيبة.
أبوي وقف معاهم برا شوية، وبعدها دخل ووشه متغيّر بطريقة ما شفتها فيه قبل كده. حتى وهو زعلان أو معصب، عمره ما كان شكله بالشكل داك. كان كأنه فجأة كبر عشرين سنة.
قال بصوت متقطع:
“مصعب… حصل ليه حادث.”
أمي وقتها قامت بسرعة، وقالت:
“طيب هو وين؟ في المستشفى؟”
لكن أبوي ما رد مباشرة. سكت ثواني طويلة، وبعدين قال:
“البقاء لله.”
اللحظة دي ما حأنساها طول عمري. أمي صرخت صرخة حسّيت إنها طلعت من قلبها نفسه، موش من حنجرتها. وقعت على الأرض وهي تبكي بشكل مرعب. وأنا؟ أنا وقفت مكاني كأني اتشلّيت. ما قدرت أبكي حتى. كنت مستني حد يقول إن في سوء فهم… إنهم غلطانين… إن أخويا حي.
لكن الكلام كان واضح. حادث على طريق مدني. العربية ولعت بالكامل. الجثة اتحرقت لدرجة ما عاد ممكن يتعرفوا عليها.
الغريب إنهم رغم كده كانوا “متأكدين” إنه مصعب.
ساعة في إيده.
سلسلة كان لابسها.
وبعض الورق المحروق.
وقتها كنت صغير ومصدوم وما ركزت كتير، لكن بعد السنين دي كلها، لما أفكر في الموضوع، بحس إن التفاصيل كانت هشة جدًا. يعني كيف يدفنوا إنسان كامل اعتمادًا على ساعة وسلسلة؟
لكن وقت الحزن، الناس ما بتفكر كويس.
أبوي استلم كل الإجراءات بسرعة غريبة. دفن، عزاء، ورق رسمي… كل حاجة تمت بسرعة كأن في سباق مع الزمن. حتى لما أمي طلبت تشوف وجه مصعب للمرة الأخيرة، رفض بعنف لأول مرة أشوفه منه.
قال:
“ما في داعي تشوفي المنظر دا.”
أمي كانت تبكي وتترجاه، لكنه كان مصر بشكل غريب جدًا.
“خليكِ فاكرة صورته الحلوة أحسن.”
وقتها اقتنعنا إنه بيحاول يحميها. لكن بعد اللي حصل أمس… بقيت أرجع لكل موقف وأشوفه بصورة مختلفة تمامًا.
دفنّا أخويا من غير ما نشوفه.
من غير وداع حقيقي.
من غير حتى يقين.
ومرت السنين.
أمي ما تعافت أبدًا. الناس كانت تقول الزمن بينسي، لكنها كانت كل سنة تغرق أكتر. كل شهر تقريبًا تمشي المقابر في أم درمان، تنظف القبر، تقعد بالساعات، وتحكي معاه كأنه سامعها. مرات كنت أمشي أجيبها، ألاقيها قاعدة تبكي وتقول:
“يا ريتني شفتك آخر مرة.”
الكلام دا كان يقتلني.
أما أبوي… فكان العكس تمامًا.
ولا مرة زار القبر.
ولا مرة ذكر اسم مصعب من نفسه.
ولا مرة شفته يبكي بعد العزاء.
كان إذا اتفتح الموضوع يقفله بسرعة.
“الميت ما برجع.”
الجملة دي كان يقولها ببرود يخوّف.
في البداية قلت يمكن الرجال بيحزنوا بطريقة مختلفة. لكن كل ما كبرت، الإحساس الغريب جواي كان يكبر معاي. شيء ناقص. شيء غلط.
وبرغم كل دا، الحياة استمرت. اشتغلت، كبرت، وبقيت أحاول أساعد البيت على قد ما أقدر. أمي بقت أهدى شوية مع الوقت، لكن الحزن ما فارقها. كنت مرات أصحى آخر الليل أسمعها تبكي بصوت واطي في أوضتها.
أمس كان يوم عادي جدًا. يوم يشبه ألف يوم قبله. كنت في الشغل، والمدير طلب مني أتأخر عشان نراجع الحسابات. خلصنا متأخر، وأنا أصلًا كنت مرهق وعايز أرجع البيت وأنام.
وقبل ما أطلع، ناداني.
قال:
“في طرد لازم يتسلّم الليلة. الزول ما ح يلقى غيرك.”
قلت بضيق:
“وين؟”
قال:
“بحري.”
تنهدت. ما بحب أمشي بحري بالليل، والمشاوير الطويلة بعد الشغل بتخنقني. لكن وافقت في النهاية. أخذت العنوان وركبت عربيتي.
ما كنت عارف إني سايق ناحية أكبر صدمة في حياتي.
الشارع كان هادي بشكل غريب. وصلت للعنوان بعد لف ودوران وسط أزقة ضيقة. الدكان نفسه كان صغير جدًا، كأنه مستخبي بين العمارات القديمة. إضاءة ضعيفة، ولافتة باهتة، وباب نصه مفتوح.
دخلت وأنا ماسك الطرد.
المكان كان زحمة على غير المتوقع. طفل يبكي، راجل معصب بيتخانق على الأسعار، ومروحة سقف قديمة بتطلع صوت مزعج وهي تلف ببطء.
وقفت في الصف وأنا سرحان في هاتفي.
وفجأة سمعت:
“تريد كيس؟”
الكلمة نفسها عادية جدًا.
لكن الصوت…
الصوت دخل في صدري كأنه طعنة.
تجمّدت بالكامل.
في أصوات ما ممكن تنساها مهما مر الزمن. أصوات محفورة جواك. وصوت مصعب كان واحد منها.
رفعت رأسي ببطء شديد.
وشفته.
واقف ورا الصندوق.
أنحف شوية.
أسمر أكتر.
في ندبة صغيرة جنب دقنه.
لكن هو.
أكيد هو.
في اللحظة دي حسيت الدنيا كلها اختفت. الزبائن، الأصوات، المروحة… كل شيء اختفى.
بس أنا وهو.
عقلي حاول يقنعني إنه وهم. شبه. تشابه وجوه. أي شيء.
لكن أول ما رفع عيونه وشافني…
عرفني فورًا.
وشه اتغيّر بالكامل.
لونُه راح.
وإيده بدأت ترتجف.
وجاني الدور.
قدمت لقدام كأني ماشي في حلم. حطيت الطرد قدامه وأنا حرفيًا ما حاسس برجولي.
قال بصوت مكسور:
“مساء الخير.”
أنا ما قدرت أقول أي حاجة.
اسمه طلع مني لوحده:
“مصعب…”
سكت.
ما أنكر.
ما قال “غلطان”.
بس بلع ريقه وقال بهدوء:
“ما تعمل مشكلة.”
في اللحظة دي دموعي نزلت غصب عني.
قلت له:
“إحنا دفنّاك.”
قفل عيونه للحظة، وكأن الجملة كسرت فيه حاجة من جواه.
وبعدين قرب مني وهمس:
“أرجوك… لا تقول لأبوي إنك لقيتني.”
الجملة دي خلت جسمي يبرد بالكامل.
قلت:
“شنو؟”
قال بسرعة وخوف:
“قول لأمي… لكن هو لا.”
كنت حاسس إني فقدت القدرة على التفكير.
أخويا الميت واقف قدامي حي… وأول طلب يطلبه مني إني أخبي الموضوع عن أبوي.
سألته:
“إنت كنت وين السنين دي كلها؟”
هز رأسه وقال:
“ما بقدر أشرح هنا.”
كان واضح إنه خايف.
موش مرتبك بس… مرعوب.
كل شوية يبص ناحية الباب كأن حد ممكن يدخل في أي لحظة.
سلّمني الباقي مع الإيصال، ولما مسكت الكيس حسيت بورقة صغيرة مطوية.
همس:
“اتأكد إن محدش متابعك.”
وابتعد فورًا كأنه ما يعرفني.
أنا خرجت من الدكان ورجولي شبه ما شايلاني. ركبت العربية وقفلت الأبواب بسرعة. قلبي كان بيدق بعنف لدرجة حسيت إنه ح يطلع من صدري.
فتحت الورقة بإيدين بترتعش.
وكان مكتوب فيها:
“لو لسه تثق فيني… تعال بكرة بعد المغرب للمخزن القديم جنب النيل. وتعال لوحدك.”
ما نمت طول الليل.
كل الذكريات كانت بتلف في راسي بشكل مرعب. صورة القبر. بكاء أمي. برود أبوي. رفضه يشوف الجثة. استعجاله في الدفن.
وفجأة سؤال واحد كان بياكلني:
هل أبوي كان عارف؟
الصبح كنت بتجنب النظر في وشه. كل حركة منه بقيت أراقبها. وهو كان طبيعي جدًا… زيادة عن اللزوم.
أمي لاحظت شرودي وسألتني:
“مالك يا وليد؟”
كنت على وشك أقولها كل شيء.
لكن وعد مصعب كان في راسي.
قلت:
“مافي… تعب شوية.”
طول اليوم وأنا متردد. أروح ولا لا؟ يمكن يكون فخ؟ يمكن أكون بحلم أصلًا؟
لكن المغرب… كنت هناك.
المخزن كان قديم ومهجور تقريبًا. ريحة الرطوبة مالية المكان، وصوت النيل قريب بشكل مخيف.
دخلت بحذر.
ولقيته قاعد في الضلمة.
مصعب.
حي فعلًا.
لما قربت، وقف وبص لي طويل.
وبعدين فجأة حضنّي.
وقتها بس حسّيت إنه حقيقي.
فضلنا ثواني طويلة ساكتين.
أنا ببكي وهو بيتنفس بصعوبة.
وبعدين قال:
“عارف إنك عندك مليون سؤال.”
قلت:
“أقل سؤال عندي… كيف إنت حي؟”
جلس على كرسي قديم، ومسح وشه بإيده، وقال بصوت متعب:
“أنا ما متّ.”
ضحكت بمرارة وقلت:
“دي عرفناها.”
لكنه ما ضحك.
قال:
“يوم الحادثة… أنا كنت هارب.”
الكلمة وقعت عليّ كالصاعقة.
بدأ يحكي، وأنا كنت سامع كأن الدنيا كلها اختفت.
قال إن أبوي كان داخل في مشاكل كبيرة مع ناس خطرين. ديون، شغل مشبوه، وتهديدات. ومصعب اكتشف بالصدفة إن أبوي كان ناوي يستخدمه في حاجة كبيرة جدًا. ولما رفض، حصلت بينهم خناقة ضخمة.
وفي يوم الحادثة، أبوي طلب منه يقابل شخص في طريق مدني. لكنه شك في الموضوع وما مشى. وبعد ساعات سمع بخبر الحادث.
قلت له:
“لكن الجثة؟”
سكت شوية.
وبعدين قال:
“ما كانت جثتي.”
شعرت بغثيان.
قال إن العربية كانت مسروقة، وإن الشخص اللي مات فيها ما كان معروف. وأبوي… استغل الموضوع.
“ليه؟”
سألت وأنا بالكاد أتنفس.
قال:
“عشان يخلّصني من الناس اللي كانوا بيدوروا عليّ… أو يمكن يخلّص نفسه مني.”
الكلام كان فوق احتمالي.
كل السنين دي…
أمي كانت تبكي على قبر فاضي.
قلت له بعصبية:
“ليه ما رجعت؟ ليه سبتنا؟”
عيونه اتمليت دموع.
قال:
“رجوعي كان حيقتل ناس.”
وبعدين بص لي مباشرة وقال:
“أبوك موش الزول اللي فاكره.”
الجملة دي وجعتني أكتر من أي شيء.
أنا طول عمري، رغم بروده، كنت شايفه أب تعب بطريقته. لكن فجأة الصورة كلها بدأت تتكسر.
سألته:
“أمي تعرف؟”
هز رأسه بسرعة:
“لا. ولو عرفت زمان… كانت فضحت كل شيء بدون قصد.”
قلت:
“طيب هسه؟”
سكت طويل.
وقال:
“اشتقت ليها كل يوم.”
الصوت اللي قال بيه الجملة دي كان مليان وجع لدرجة خلتني أبكي من جديد.
حكى لي كيف عاش السنين دي متنقل من مكان لمكان، بأسماء مختلفة، وشغل بسيط، وخوف دائم. قال إنه كان يراقبنا أحيانًا من بعيد. شاف أمي مرة في السوق وما قدر يقرب. شافني وأنا بكبر. حتى جنازته… كان قريب منها يراقب.
لما قال الجملة دي حسيت جسمي اقشعر.
تخيّلت أخويا واقف بعيد، يشوفنا بندفنه وإحنا فاكرينه تحت التراب.
دي كانت أبشع صورة دخلت راسي في حياتي.
قعدنا ساعات نتكلم.
وأنا بين كل كلمة وكلمة كنت أحس إني بضيع أكتر.
لحد ما سألته السؤال اللي كان يطاردني:
“إنت خايف من أبوي؟”
رد بدون تردد:
“أيوه.”
الصراحة في صوته كانت مرعبة.
ولأول مرة في حياتي… أنا كمان خفت من أبوي.
قبل ما أمشي، مسك يدي وقال:
“لو حتقول لأمك… لازم تكون مستعد.”
قلت:
“مستعد لشنو؟”
قال:
“إن كل حاجة في البيت تتغير بعدها.”
خرجت من المخزن وأنا شخص مختلف تمامًا عن الشخص اللي دخله.
الليل كان هادي… لكن جواي كان في حرب كاملة.
رجعت البيت، ولقيت أمي نايمة على الكنبة، وفي حضنها صورة قديمة لمصعب.
وقفت أتأملها طويل.
ثماني سنين وهي تبكيه.
ثماني سنين وهي تزور قبره.
ثماني سنين وهي تعيش على ذكرى شخص حي.
وفي اللحظة دي فقط…
فهمت ليه مصعب كان خايف.
لأن الحقيقة أحيانًا ما بتداويش.
الحقيقة أحيانًا… بتدمّر كل شيء.