قصة النعش الذي رفض أن يتحرك: سر وفاة سميرة الذي كشف الحقيقة أمام الجميع

قصة النعش الذي رفض أن يتحرك: سر وفاة سميرة الذي كشف الحقيقة أمام الجميع


قصة النعش الذي رفض أن يتحرك: سر وفاة سميرة الذي كشف الحقيقة أمام الجميع

قالوا إن سميرة ماتت أثناء الولادة، وقالوا إن ما حدث كان قضاءً وقدرًا لا يجوز الاعتراض عليه، لكن الحكاية لم تكن بهذه البساطة أبدًا. في ساحة المسجد، وبين وجوه شاحبة وعيون ممتلئة بالخوف أكثر من الحزن، وقف الناس ينتظرون خروج الجنازة، بينما كان مراد بن سالم، زوجها، ثابتًا بشكلٍ غريب، لا يبكي، لا يرتجف، ولا حتى ينظر إلى المكان الذي وُضع فيه جسد زوجته. كان يمسك هاتفه بين أصابعه، يفتحه ويغلقه، كأنه ينتظر رسالة مهمة أو كأنه يريد أن ينتهي المشهد بسرعة، وكأن المرأة التي كانت بالأمس في بيته، وتحمل ابنته في أحشائها، لم تكن سوى عبء ثقيل يريد التخلص من وداعه قبل أن تغرب الشمس.

أما خديجة، أم مراد، فكانت واقفة عند طرف الساحة كأن قدميها مغروستان في الأرض. لم تكن تبكي مثل باقي النساء، لأن البكاء يحتاج إلى يقين، وهي لم تكن تملك يقينًا بعد. قلبها كان يخبرها أن شيئًا ما ناقص، أن هناك بابًا مغلقًا خلف هذه الوفاة، وأن الصمت الذي يلف وجه ابنها ليس صمت الحزن، بل صمت الخوف من انكشاف أمرٍ مدفون. منذ الصباح وهي تحاول أن ترى وجه سميرة للمرة الأخيرة، لكن الجميع منعوها بلطف مصطنع. قالوا لها إن وجهها تغير بعد الولادة، وإن الأفضل أن تتذكرها جميلة كما كانت، لكن خديجة لم تكن امرأة ساذجة، فقد عاشت عمرًا طويلًا يكفيها لتفرّق بين الرحمة والكذب.

كانت سميرة بالنسبة لخديجة أكثر من زوجة ابن. دخلت بيتهم هادئة، خجولة، تحمل في عينيها طيبة نادرة، ومع مرور الأيام صارت خديجة تشعر أنها ابنتها التي لم تنجبها. كانت تساعدها في المطبخ، تجلس بجوارها في ليالي الشتاء، تضحك بخفة كلما حاولت خديجة أن تخفف عنها قسوة مراد. لكن تلك الضحكة لم تكن تدوم طويلًا؛ كانت تنطفئ بمجرد أن تسمع خطواته عند الباب. خديجة رأت الخوف قبل أن ترى الكدمات، رأت ارتباك سميرة، رأت يدها وهي تخفي معصمها تحت طرف الكم، ورأت تلك الابتسامة المكسورة التي تسبق كل كذبة تقولها النساء حين يخفن من قول الحقيقة.

في إحدى المرات، دخلت خديجة على سميرة فوجدت زرقة واضحة قرب ذراعها، فسألتها بقلق: “ما هذا يا بنتي؟” فابتسمت سميرة وقالت إنها اصطدمت بحافة الباب. وفي مرة أخرى كان فوق حاجبها جرح صغير، قالت إنه من خزانة المطبخ. لكن خديجة عرفت. كانت تعرف ابنها حين يغضب، تعرف الصوت الذي يخرج منه، تعرف النظرة التي تتحول في عينيه، وتعرف أنه ورث من أبيه قسوة حاولت هي طوال عمرها أن تخفيها عن الناس. كانت تخاف أن تواجهه، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها أم ترى الوحش في ولدها ولا تعرف كيف تقتله دون أن تموت معه.

وجاءت الليلة الأخيرة. في الثالثة فجرًا، انشق سكون البيت على صراخ مراد وهو يتصل بالإسعاف، يقول إن زوجته تنزف وإن حالتها خطيرة. حين وصلت السيارة، كانت سميرة شبه غائبة عن الوعي، عيناها تبحثان عن شيء لا تجده، ويدها تحمي بطنها كأنها تحاول إنقاذ الطفلة قبل نفسها. في مستشفى الأمومة، استقبلتها ممرضة تُدعى نوال، امرأة اعتادت صرخات الولادة وخوف النساء، لكنها لم تعتد تلك النظرة. أمسكت سميرة يدها قبل دخول غرفة الولادة، وضغطت عليها بقوة لم تكن تناسب جسدًا ينهار، ثم همست بصوت متقطع: “إذا متُّ… لا تتركيه يأخذ ابنتي.”

تجمدت نوال في مكانها. لم تكن الجملة عادية، ولم تكن هذيان امرأة تتألم. سألتها بخفوت: “لماذا تقولين ذلك؟” لكن قبل أن تجيب سميرة، ظهر مراد عند الباب، فانتزعت يدها بسرعة، وكأنها ارتكبت جريمة. دخلت غرفة الولادة بعدها، وبقيت الجملة معلقة في صدر نوال مثل حجر ثقيل. ساعات طويلة مرت ببطء، ثم خرج الطبيب بوجه لا يبشر بخير. الطفلة نجت، لكن سميرة لم تنجُ. بدأ البكاء في الممر، وارتفعت أصوات الدعاء، أما مراد فكان أول ما قاله ببرود: “جهزوها بسرعة، نريد الدفن قبل العصر.”

حين سمعت خديجة الجملة، شعرت أن الأرض مالت تحت قدميها. ليس لأن الإسراع في الدفن أمر غريب، بل لأن طريقة مراد كانت غريبة. لم يسأل عن آخر لحظاتها، لم يسأل إن كانت نطقت بشيء، لم يطلب رؤية ابنته، لم يضع يده على وجهه من الصدمة، فقط كان مستعجلًا. وكأن موت سميرة لم يكن فاجعة، بل موعدًا يريد إغلاقه قبل أن يتأخر. حاولت خديجة الاقتراب من غرفة الغسل، لكنها مُنعت. حاولت أن تلقي نظرة أخيرة، فقيل لها إن الأمر صعب. وكلما زادت محاولاتها، زاد توتر مراد، حتى كاد صوته ينفجر وهو يقول: “اتركيها ترتاح يا أمي.”

بعد صلاة العصر، تحركت الجنازة إلى المقبرة. كان النعش خشبيًا بسيطًا، فوقه قماش أخضر، والرجال يلتفون حوله بوجوه متجهمة. وقف مراد في المقدمة، وعيناه لا تستقران على شيء. وحين حان وقت حمل النعش، تقدم أربعة رجال، أمسكوا بأطرافه، ثم حاولوا رفعه. لم يتحرك. ظنوا في البداية أن الخشب عالق أو أن أحد الأطراف محشور في الأرض، فاقترب رجل خامس ثم سادس، ثم جاء ثامن الرجال، وكلهم حاولوا معًا. لكن النعش بقي ثابتًا كأنه جزء من التراب، كأن الأرض نفسها أمسكت به ورفضت أن تتركه يمضي.

انتشر الهمس في المقبرة بسرعة. بعضهم قرأ القرآن، وبعضهم قال إن عليهم ذكر الله، وبعضهم تراجع وقد علا وجهه الخوف. أما خديجة، فكانت تنظر إلى النعش وكأنها تسمع صوتًا لا يسمعه أحد. فجأة سقطت على ركبتيها وسط التراب، ومدت يديها وهي تصرخ: “افتحوه!” ساد صمت مرعب. التفت الجميع إليها، وصرخ مراد بعنف: “أنتِ جننتِ؟ هل تريدين فضيحتنا أمام الناس؟” لكنها لم تنظر إليه، بل ظلت تحدق في النعش، ودموعها تنزل بصمت وهي تكرر: “افتحوه… والله لا تتحرك حتى تقول ما فيها.”

تردد الرجال، ففتح النعش في المقبرة ليس أمرًا هينًا، لكن إصرار خديجة وتوتر مراد جعلا الشك يتسلل إلى القلوب. تقدم شيخ كبير من أهل الحي وقال بهدوء: “إن كان في الأمر شبهة، فليُفتح بحضور أهلها.” ارتبك مراد وبدأ يصرخ، يتهم أمه بالجنون، ويتهم الناس بالاستماع إلى خرافات النساء. لكن صراخه لم يعد يقنع أحدًا. كان عرقه يتصبب رغم برودة الهواء، ويداه ترتجفان، وعيناه تبحثان عن طريق للهروب. عندها تقدمت نوال، الممرضة، وكانت قد جاءت للجنازة بصمت، وقالت بصوت مسموع: “قبل أن تموت، أوصتني ألا أترك ابنتها له.”

نزلت الجملة على الجميع كالصاعقة. تجمد مراد، وشحب وجهه حتى صار كأنه فقد دمه دفعة واحدة. اقترب الرجال من النعش، وبدأوا يفتحونه بحذر، بينما خديجة تغطي وجهها بيديها وترتجف. وما إن كُشف طرف الكفن حتى علت شهقة بين الحاضرين. لم يكن وجه سميرة فقط متغيرًا كما قالوا، بل كانت هناك آثار واضحة لا تشبه آثار الولادة وحدها. كدمات قديمة وحديثة، علامات حول الذراع، أثر ضغط، وجرح لم يكن من غرفة الولادة. لم يحتج الناس إلى كثير من الكلام ليفهموا أن سميرة لم تكن مجرد امرأة ماتت أثناء الولادة، بل امرأة دخلت تلك الليلة وهي تحمل سرًا أكبر من ألم المخاض.

انهارت خديجة فوق التراب، لا تبكي كأم فقدت زوجة ابنها فقط، بل كأم اكتشفت أنها أنجبت سبب عذابها. كانت تضرب صدرها وتقول: “سامحيني يا بنتي… كنت أعرف وخفت… كنت أرى وأسكت.” حاولت النساء رفعها، لكنها ظلت تنظر إلى مراد بنظرة لم يرها منها من قبل. لم تكن نظرة أم، بل نظرة قاضٍ رأى الحقيقة عارية. أما مراد، فحاول أن يتكلم، حاول أن يقول إن هذه آثار الولادة، وإنهم يبالغون، وإن أمه فقدت عقلها، لكن صوته كان يتكسر. كل كلمة ينطقها كانت تزيده غرقًا.

لم تُدفن سميرة في تلك اللحظة. توقف كل شيء. اتصل أحد الرجال بالسلطات، وأُعيد الجثمان للفحص، وبدأت الأسئلة التي حاول مراد دفنها مع زوجته تخرج واحدة تلو الأخرى. نوال أدلت بشهادتها، والطبيب ذكر أن هناك علامات أثارت الريبة منذ البداية، لكنه لم يكن يعرف القصة كاملة. والجيران تحدثوا عن أصوات شجار سمعوها في الليلة السابقة، وعن صرخة سميرة التي انقطعت فجأة قبل وصول الإسعاف. حتى خديجة، رغم انكسارها، قالت كل ما رأته على مدار الشهور، الكدمات، الخوف، الأكاذيب الصغيرة، والوجه الذي كان يذبل يومًا بعد يوم.

أما الطفلة، فقد بقيت في حضانة المستشفى، لا تعرف أن حياتها بدأت وسط عاصفة من الدموع والخوف. وحين سمعت خديجة بكاءها لأول مرة، شعرت أن سميرة عادت إليها في صوت صغير، ضعيف، لكنه يحمل وصية لا يجوز خيانتها. طلبت أن تراها، وحين وضعتها الممرضة بين ذراعيها، انهارت خديجة تمامًا. كانت الطفلة تشبه أمها، نفس الجبهة الهادئة، ونفس اليد الصغيرة التي كأنها تبحث عن صدر آمن. همست خديجة: “لن يأخذكِ… أقسم لكِ بروح أمكِ لن يأخذكِ.”

في الأيام التالية، تغير وجه الحي كله. لم يعد الناس يتحدثون عن النعش الذي لم يتحرك كحكاية غريبة فقط، بل صاروا يتحدثون عن صمتهم هم أيضًا. نساء تذكرن ملامح سميرة في السوق، رجال تذكروا انطواء مراد وغضبه، جارات قلن إنهن كن يسمعن بكاءً مكتومًا ثم يفضلن إغلاق النوافذ. الحقيقة لم تكن مخفية تمامًا، لكنها كانت موزعة على عيون كثيرة اختارت ألا ترى. وهذا كان أكثر ما كسر خديجة؛ أن سميرة لم تكن وحيدة لأن لا أحد عرف، بل لأنها كانت محاطة بمن عرفوا قليلًا وسكتوا كثيرًا.

مراد لم يعد ذلك الرجل الواثق الذي أمر بدفن زوجته قبل العصر. صار يجلس في التحقيقات بعينين زائغتين، يحاول أن يبرر كل شيء، يقول إنها كانت ضعيفة، وإن الحمل أتعبها، وإنه كان يحبها بطريقته. لكن الحب الذي يترك كدمات لا يسمى حبًا، والخوف الذي يسكن امرأة حامل حتى توصي بمولودتها قبل موتها ليس خلافًا عابرًا. ومع كل شهادة، كان الجدار الذي بناه من الكذب يتهاوى. لم تكن سميرة قادرة على الكلام، لكن جسدها تكلم، ووصيتها تكلمت، ونعشها الذي رفض أن يتحرك صار أول شاهد في القصة.

وبعد أيام، دُفنت سميرة من جديد، لكن هذه المرة لم يكن الدفن هروبًا من الحقيقة، بل كان وداعًا يليق بها. حمل الرجال النعش بسهولة، كأن الثقل الذي كان يمنعه لم يكن في الخشب، بل في السر الذي كان محبوسًا داخله. مشت خديجة خلفها وهي تحمل الطفلة، لا ترفع صوتها ولا تضرب وجهها، فقط تمشي بثبات موجوع. وحين وصلوا إلى القبر، نظرت إلى السماء وقالت: “الآن ارتاحي يا بنتي… حقك بدأ يظهر.”

لم تنتهِ الحكاية عند المقبرة. بقيت في ذاكرة كل من حضرها، تلاحقهم في الليل وتوقظ ضمائرهم. تعلموا أن القدر لا يجب أن يكون غطاءً للظلم، وأن الصمت أمام القسوة قد يصنع جريمة كاملة، وأن بعض الأموات لا يغادرون حتى تُقال الحقيقة. أما خديجة، فقد عاشت بعد ذلك وهي تربي حفيدتها على صورة أمها، تخبرها حين تكبر أن سميرة لم تكن ضعيفة، بل كانت امرأة حاولت أن تنقذ ابنتها حتى وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. وكانت كلما سألتها الصغيرة عن أمها، تمسح خديجة على شعرها وتقول: “أمكِ كانت طيبة… والطيبة لا تموت، حتى لو دفنوها.”

وهكذا بقيت قصة سميرة تتردد بين الناس، لا كحكاية عن نعش ثقيل فقط، بل كحكاية عن امرأة حاول الجميع دفن وجعها، فرفضت الحقيقة أن تُدفن معها. كان النعش في ذلك اليوم ساكنًا، لكنه قال ما لم تستطع سميرة قوله، وفتح بابًا كان مراد يظن أنه سيغلقه إلى الأبد. ومنذ تلك اللحظة، صار أهل الحي إذا رأوا امرأة تخفض عينيها خوفًا، لا يمرون بجانبها كأنهم لم يروا شيئًا، لأنهم تذكروا سميرة، وتذكروا أن السكوت أحيانًا لا يكون حيادًا، بل مشاركة في الجرح.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان