الملياردير اللي اختفى جوه كرسي متحرك.. ولما لمسوا ابن الشغالة قام واقف قدام الكل
ليل قصر “مراد الألفي” كان له إحساس غريب، مش فخامة وبس. المكان الواسع الهادي اللي مليان رخام ولمعان كان فيه برودة تقيلة تخلي أي حد غريب يحس إنه دخل بيت مش عايش فيه ناس بجد، كأن كل حاجة متوضبة زيادة عن اللزوم لدرجة تخوف. حتى صوت خطوات الخدم كان محسوب، خبطات خفيفة بالكاد تتسمع، وكل واحد فيهم بيتحرك وهو باصص في الأرض كأنه خايف يغلط غلطة صغيرة تدفع تمنها شغله كله.
مريم كانت واحدة من الناس اللي اتعلمت القاعدة دي بسرعة. من يوم ما دخلت القصر وهي فهمت إن البيوت الكبيرة ليها قوانين مختلفة، محدش بيقولها بصوت عالي، بس الكل حافظها. متتكلميش كتير، متسأليش، متبصيش في عين حد من أصحاب البيت، واعملي نفسك مش شايفة أي حاجة حتى لو شايفة كل حاجة.
بقالها أربع شهور شغالة هناك، وأربع شهور كانوا كفاية يعلموها إن الغني مش لازم يهينك بالكلام عشان يحسسك إنك أقل منه. أوقات كان يكفي إنك تاكلي في مطبخ بعيد بعد ما الضيوف يمشوا، أو إنك تنظفي ترابيزة عليها أكل عمرِك ما دوقتي زيه، أو إن ابنك الصغير يخاف يمشي على الأرضية اللامعة لأنه حاسس إنه مش شبه المكان.
ياسين، ابنها، كان عنده سنتين بس، لكنه متعلق بيها بشكل يخوف. كل ما تختفي من قدامه دقيقة يعيط كأن الدنيا كلها اختفت. ومريم، مهما حاولت تسيبه مع دادة نوال وقت الشغل، كان قلبها يوجعها لما تسمعه بيعيط من بعيد.
في الليلة دي، القصر كان فيه عزومة صغيرة. ناس لابسة شيك، ضحكات خافتة، وكاسات بتترفع بهدوء. أما مراد الألفي، صاحب القصر، فكان قاعد بعيد عنهم كلهم ناحية الشباك الكبير المطل على الجنينة، ساكت كعادته، وإيده مستقرة على دراع الكرسي المتحرك.
مراد بقاله أسابيع بالشكل ده. من بعد الحادثة، الناس كلها اتعاملت معاه كأنه انتهى. الجرائد كتبت إنه بقى عاجز، وشركاؤه بقوا يزوروه بنظرات شفقة مستخبية، حتى الخدم بقوا يتكلموا قدامه براحتهم أحيانًا، كأن الراجل اللي كان يهز السوق بكلمة اختفى فعلًا.
الوحيدة اللي كانت واخدة راحتها زيادة عن الكل كانت نيرمين.
خطيبته.
نيرمين كانت تعرف إزاي تخلي أي مكان يبص لها أول ما تدخله. لبسها، طريقتها، ضحكتها المحسوبة، وحتى صوت كعبها على الرخام، كله معمول بعناية. لكن مريم من أول يوم ارتاحتش لها. كان فيها حاجة باردة، حاجة تخلي كلامها المهذب أوقات يوجع أكتر من الشتيمة.
في نص السهرة، كان ياسين واقف جنب أمه يتفرج على انعكاس النور في فازة كريستال كبيرة فوق الترابيزة. عينيه الصغيرة كانت بتلمع بانبهار بريء، ومد إيده ناحيتها بحذر، كأنه بيجرب يلمس نجمة.
نيرمين لمحته من بعيد، ووشها اتشد فورًا.
قالت وهي ماشية بسرعة:
“هو الولد ده بيعمل إيه هنا؟”
مريم اتحركت بسرعة ناحيته:
“آسفة يا هانم، ثانية وهاخده.”
لكن نيرمين كانت أسرع. مسكت دراع ياسين بعنف وهي تبعده عن الفازة، والطفل اتفزع. وشه اتغير فجأة، وحاول يفلت نفسه بخضة طفل مش فاهم إيه اللي بيحصل. هبش إيدها الصغيرة بأظافره وهو بيعيط.
الخربوش كان بسيط جدًا، بالكاد ظاهر، لكن نيرمين رفعت إيدها قدام الموجودين كأنها اتعورت بجد.
“شايفين؟ ابن الشغالة عضني.”
الصوت حواليهم هدي بالتدريج. مش لأن اللي حصل كبير، لكن لأن الناس في الأماكن دي بتحب تتفرج أكتر ما تتدخل.
مريم أخدت ياسين بسرعة وضميته لصدرها. كانت حاسة بجسمه بيترعش من الخوف.
قالت بهدوء متوتر:
“هو مخاف بس يا هانم… حضرتك شدتيه جامد.”
نيرمين بصتلها باستغراب، كأنها مش متعودة إن شغالة ترد حتى لو بأدب.
“واضح إنك نسيتي نفسك شوية يا مريم.”
الجملة نزلت ببطء، لكنها وجعت.
مريم سكتت. لأنها عارفة إن أي كلمة ممكن تنهي كل حاجة. شغلها، الأوضة الصغيرة اللي عايشة فيها جوه القصر، والأكل اللي ابنها بيأكله.
في اللحظة دي، دادة نوال قربت منها وهمست:
“خدي الواد وادخلي يا بنتي.”
وقبل ما تتحرك، خرج صوت هادي من آخر الصالون:
“سيبيه.”
كل العيون راحت ناحية مراد.
كان لسه قاعد مكانه، لكن نظرته كانت ثابتة على ياسين.
مراد قال بهدوء:
“الولد معملش حاجة.”
نيرمين حاولت تضحك:
“مراد، أنا بس مش عايزة فوضى وسط الضيوف.”
رد من غير ما يرفع صوته:
“والفوضى حصلت من مين؟”
لثانية، محدش عرف يرد.
أما ياسين، فبص لمراد طويل، وبعدها شاور على الكرسي المتحرك وقال بصوته الصغير:
“إنت تعبان؟”
السؤال طلع ببراءة خلت الجو كله يختل للحظة.
مراد نفسه اتفاجئ، وبعد ثواني ظهرت على وشه ابتسامة خفيفة صغيرة جدًا، أول تعبير حقيقي يظهر عليه من وقت الحادثة.
مريم لاحظتها، واستغربت. الراجل ده عمره ما بص في وشها حتى، لكن الليلة دي كان مركز معاها ومع ابنها بشكل غريب.
بعد العزومة بساعتين تقريبًا، القصر رجع هادي تاني. الضيوف مشيوا، والخدم بقوا يلموا الكاسات والأطباق.
مريم كانت بتنضف الممر اللي جنب المكتب الكبير، وهي سرحانة في اللي حصل. جزء جواها كان زعلان من الإهانة، والجزء التاني كان مستغرب تدخل مراد.
وفجأة سمعت صوت نيرمين من جوه المكتب.
مكانتش بتتكلم بهدوء المرة دي.
“أنا بقولك مراد بدأ يشك… والولد ده لخبط الدنيا النهارده.”
مريم وقفت مكانها من غير ما تقصد.
الصوت كمل بعصبية:
“لازم الورق يتمضي قبل ما يرجع يركز. لو ملفات الأسهم طلعت إحنا هنقع كلنا.”
مريم قلبها دق بسرعة.
هي أصلًا مش فاهمة تفاصيل الشركات والكلام الكبير ده، لكنها فهمت إن فيه حاجة غلط.
في اللحظة دي، الفازة اللي كانت شايلها اتحركت من إيدها ووقعت على الأرض متكسرة.
الصوت دوّى في الممر.
الباب اتفتح بعنف، ونيرمين خرجت بسرعة، وعينيها مليانة غضب حقيقي المرة دي.
“إنتِ كنتي واقفة تسمعي؟”
مريم اتلخبطت:
“لا والله… الفازة وقعت غصب عني.”
لكن نيرمين مكانتش سامعة أصلًا. قربت منها وشدت شعرها بعنف خلّى مريم تقع على ركبتها.
“إنتِ فاكرة نفسك مين؟”
الوجع ضرب فروة راسها، لكن الإهانة كانت أوحش.
وفي اللحظة دي، خرج ياسين من الأوضة الصغيرة آخر الممر بعد ما صحي على الصوت، ودادة نوال بتحاول تلحقه.
أول ما شافته نيرمين، اتحركت ناحيته بسرعة وخطفته من إيد الدادة.
الولد صرخ من الخضة.
مريم قامت بسرعة وهي مرعوبة:
“سيبيه… بالله عليكِ سيبيه.”
لكن نيرمين كانت خارجة عن أعصابها:
“إنتوا لازم تعرفوا حجمكم.”
ياسين كان بيعيط بشكل هستيري، وبيحاول يبعد إيدها عن دراعه الصغير.
وفي الثانية دي تحديدًا، حصلت الحركة اللي محدش في القصر كان مستعد لها.
صوت احتكاك خفيف اتسمع ناحية الشباك.
الشال الرمادي اللي كان مغطي رجلين مراد وقع على الأرض.
وببطء، مراد وقف.
مش الوقفة المسرحية اللي الناس بتحكي عنها بعدين، لكن وقفة واحد رجليه فعلًا موجوعاه بعد أسابيع من قلة الحركة. ساند بإيده على طرف الكرسي للحظة، وبعدها اتحرك بسرعة ناحية نيرمين.
الصدمة شلت المكان كله.
حتى مريم نفسها نسيت خوفها للحظة.
مراد وصل لنيرمين، وفك إيدها عن ياسين بعنف مكتوم، بعدها أخد الطفل في حضنه فورًا.
ياسين استخبى فيه كأنه عارفه من سنين.
نيرمين كانت باصة له كأنها شايفة شبح.
“إنت… إنت كنت بتمثل؟”
مراد كان نفسه سريع، لكنه حافظ على هدوء صعب.
قال:
“لا… كنت بستنى.”
“تستنى إيه؟”
مراد بص لها نظرة طويلة قبل ما يقول:
“أشوف آخركوا.”
الصمت اللي نزل بعدها كان تقيل فعلًا.
مراد كمل:
“سمعتك إنتِ وعمامي وإنتوا بتتكلموا بعد الحادثة بيومين. سمعت موضوع الأسهم، والحجر الطبي، وتحويل الإدارة باسمك.”
نيرمين بدأت تتراجع خطوة لورا.
أما هو فصوته بقى أهدى:
“عارفة إيه أسوأ حاجة؟ إني كنت ساكت وبشوف كل حاجة بتحصل حواليا… ومسبتش حد إلا لما أظهر حقيقته بنفسه.”
لأول مرة، كان فيه تعب حقيقي ظاهر في كلامه.
مش تعب جسمه… تعب خذلان.
مراد بص لمريم للحظة، وقال بهدوء:
“حتى الظلم اللي كان بيحصل قدامي… سكت عنه.”
الجملة دي هزّت مريم أكتر من وقوفه نفسه.
لأنها كانت حقيقية.
هو فعلًا كان شايف.
وكان ساكت.
بعد دقائق، أمن القصر دخل، ومراد طلب منهم يبلغوا الشرطة ويطلعوا نيرمين بره البيت.
المرة دي، نيرمين مكانتش شريرة ولا قوية. كانت بس واحدة خسرت اللعبة اللي افتكرتها مضمونة.
وأول ما الباب اتقفل وراها، القصر رجع هادي تاني.
لكن هدوء مختلف.
مراد فضل واقف شوية شايل ياسين، كأنه ناسي نفسه.
الولد كان ماسك في قميصه وبيبصله بفضول.
وبعد لحظة، قاله بصوته الطفولي:
“إنت خفيت؟”
مراد ضحك ضحكة قصيرة حقيقية، يمكن أول واحدة من شهور.
بعدها قرب من مريم ومدلها ابنها بهدوء.
مريم أخدته، لكنها فضلت باصة لمراد بحذر.
جزء جواها ارتاح، لكن جزء تاني خاف منه أكتر. لأن الراجل اللي قدر يقنع العالم كله إنه عاجز ستة وعشرين يوم، أكيد عنده جوانب محدش يعرفها.
مراد فهم النظرة دي.
وقال بهدوء:
“حقك تخافي.”
مريم سكتت.
فكمل:
“بس أوعدك إن محدش هيأذيكوا تاني.”
الأيام اللي بعد كده غيرت شكل القصر فعلًا. التحقيقات بدأت، وأسماء كتير وقعت. لكن التغيير الحقيقي كان في التفاصيل الصغيرة.
مراد بقى ينزل الفطار بدل ما ياكله لوحده في المكتب.
الخدم بقوا يتكلموا بصوت طبيعي.
والأوضة اللي كانت مريم عايشة فيها اتنقلت لمكان أدفى فيه شباك يدخل شمس.
أما ياسين، فبقى يجري أول ما يشوف مراد.
وفي مرة، كان مراد قاعد في الجنينة، وياسين بيلعب بالعشب جنب رجليه، ومريم متابعة من بعيد.
مراد قال فجأة:
“عارفة… أنا طول عمري كنت فاكر إن الخيانة بتيجي من الأعداء.”
مريم بصتله وسكتت.
فكمل وهو بيتابع ياسين:
“طلع أصعب نوع… بيكون من الناس اللي بتشاركهم نفس الترابيزة.”
الهوا كان هادي وقتها، والشمس داخلة بخفة بين الشجر.
ولأول مرة من وقت طويل، القصر مكانش حاسس بالبرد فعلًا.