تعد جلسات الصلح العرفية في مصر احد ابرز الوسائل التقليدية التي يلجا اليها الناس لفض النزاعات الكبيرة بين العائلات والافراد، وهي تعتمد بشكل اساسي على موروث ثقافي واجتماعي ضارب في القدم يهدف الى حقن الدماء واعادة الهدوء الى المجتمعات المحلية بعيدا عن اجراءات التقاضي الرسمية التي قد تستغرق سنوات طويلة.
جلسة الصلح المليونية
خلال الجلسة التي ظهرت في الفيديو بدا المحكم بقراءة قائمة الاصابات الخاصة بالطرف الاول وهو محمد ابو صابر حيث تم تقدير 4 غرز في يده اليمنى بمبلغ 8000 جنيه وكدمة على ركبته بمبلغ 2000 جنيه بينما حصل على 18000 جنيه مقابل 9 غرز في ركبته وتوالت الارقام لتشمل جروح الراس والكتف.
حيث بلغت قيمة 12 غرزة في الراس 24000 جنيه مما يوضح ان القائمين على هذه الجلسة وضعوا تسعيرة محددة لكل غرزة طبية وهي مبلغ 2000 جنيه وهذا النوع من الحساب الدقيق يهدف الى منع اي شعور بالظلم لدى اي طرف وضمان ان كل اصابة قد تم تقديرها بما يتناسب مع حجم الالم والضرر الجسدي الذي لحق بصاحبها.
فكل جرح له ثمن محدد ومعروف سلفا في القوانين العرفية المتبعة في تلك المناطق التي تحكمها العادات والتقاليد العريقة وتعتمد هذه التسعيرة على اجماع المحكمين وخبرتهم الطويلة في تقدير قيمة الضرر البدني والمعنوي الذي يلحق بالانسان نتيجة الاعتداء.
اصابات الطرف الثاني والتعويضات المليونية
انتقل المحكم بعد ذلك الى قراءة قائمة اصابات الطرف الاخر ابراهيم سمير عبد العزيز والتي كانت اكثر خطورة وشمولا بكثير حيث تم رصد 100 غرزة في الظهر بقيمة 200000 جنيه و 10 غرز في الراس بقيمة 20000 جنيه.
بالاضافة الى 6 غرز في الاذن اليمنى بقيمة 30000 جنيه و 55 غرزة في الذراع الايمن بقيمة 110000 جنيه ولم يتوقف الامر عند الجروح الظاهرة بل شمل الكسور والعمليات الجراحية المعقدة حيث تم تقدير 3 كسور في مفصل اليد اليمنى بمبلغ 150000 جنيه و 100 غرزة في اليد اليسرى بمبلغ 200000 جنيه.
وهذه الارقام المرعبة تعكس حجم المشاجرة العنيفة التي وقعت بين الطرفين ومدى الاصابات الجسيمة التي تعرض لها ابراهيم مما جعل اجمالي مستحقاته تصل الى ارقام غير مسبوقة في تاريخ الجلسات العرفية الحديثة التي تهدف الى جبر الخواطر واستعادة الحقوق الضائعة وضمان عدم ضياع حق المصاب في العلاج والتعويض المناسب عن العاهات التي قد تلازمه طوال حياته.
تقدير ثمن الكرامة والاعتداء المعنوي
احد ابرز النقاط التي توقف عندها المتابعون في الفيديو هي تقدير قيمة الاعتداء المعنوي واللطمات على الوجه حيث تم رصد 7 لطمات على وجه الرجل وتم تقدير اللطمة الواحدة بمبلغ 10000 جنيه ليصل الاجمالي الى 70000 جنيه.
وهذا التقدير المرتفع يرجع الى ان الوجه يمثل كرامة الرجل في العرف الاجتماعي المصري ولا يجوز الاعتداء عليه باي حال من الاحوال كما تم تقدير مبلغ 100000 جنيه كتعويض عن مضايقة الفتاة التي كانت السبب الرئيسي في اندلاع هذه المشاجرة.
وهو ما يسمى في القضاء العرفي حق العرض او حق الحرمة مما يؤكد ان هذه الجلسات لا تهتم فقط بالاصابات البدنية بل تضع اعتبارا كبير للقيم الاخلاقية والاجتماعية وحماية الضعفاء من اي اعتداء او تحرش قد يمس شرف العائلة او كرامتها الشخصية امام الناس وهو ما يعزز من قوة الروابط الاجتماعية ويمنع التجاوزات السلوكية في المستقبل.
العمليات الجراحية والمستقبل الطبي للمتضرر
تضمنت القائمة ايضا تعويضات عن عمليات جراحية مستقبلية وحالية حيث رصد المحكم مبلغا قدره 50000 جنيه لعملية تثبيت مفصل في اليد اليمنى و 50000 جنيه لعملية اوتار وعصب في اليد اليسرى ومثلها لليد اليمنى.
بالاضافة الى مبالغ مخصصة لعمليات ترقيع وكحت عظمي وعمليات في الكوع ومفصل اليد بمبالغ وصلت الى 30000 جنيه لكل منها مما جعل اجمالي مستحقات ابراهيم سمير عبد العزيز تصل في النهاية الى 1354000 جنيه وهذا المبلغ الكبير يعكس الرغبة في تغطية كافة التكاليف الطبية التي قد يحتاجها المصاب للتعافي.
والعودة الى حياته الطبيعية مرة اخرى دون ان يشعر بالعجز او الحاجة الى المساعدة من الاخرين ويضمن له الحصول على الرعاية الطبية اللازمة لاستعادة عافيته وقدرته على العمل من جديد وتعتبر هذه الاموال بمثابة ضمانة اجتماعية للمتضرر واسرته لتعويضهم عن فترة الانقطاع عن العمل والالم الذي سببه الاعتداء الغاشم.
خلاصة الجلسة والمقاصة النهائية بين الطرفين
بعد الانتهاء من تلاوة كافة الاصابات والتعويضات لكل طرف قام المحكم باجراء عملية المقاصة الحسابية حيث تم خصم مستحقات محمد ابو صابر البالغة 86000 جنيه من اجمالي مستحقات ابراهيم سمير عبد العزيز ليصبح المبلغ النهائي الواجب دفعه لصالح ابراهيم هو 1268000 جنيه وسط صمت وترقب من جميع الحاضرين الذين شهدوا على هذه اللحظة التاريخية.
وتعتبر هذه العملية الحسابية الدقيقة هي جوهر القضاء العرفي الذي يسعى الى تصفية النفوس واغلاق ملفات الخصومة بشكل نهائي من خلال دفع التعويضات المالية المتفق عليها والتي غالبا ما يتبعها تبادل العناق وقراءة الفاتحة كدليل على الصلح الابدي بين العائلات المتنازعة، وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة مرة اخرى في المستقبل وتعهد كبار العائلات بالالتزام ببنود الصلح وفرض عقوبات رادعة على من يخالف هذا الاتفاق المبرم امام الجميع.
لمشاهدة الفيديو كاملا”اضغط هنا“