مع اعتماد البث التلفزيوني والإنترنت والاتصالات والملاحة على الأقمار الصناعية، يبدو انقطاع الإشارة المفاجئ وكأنه عطل تقني، لكنه أحيانًا يكون نتيجة ظاهرة فلكية طبيعية تعرف باسم التداخل الشمسي (بالإنجليزية: Solar Outage)، تحدث حين تقع الشمس والقمر الصناعي والهوائي الأرضي على خط رؤية واحد تقريبًا، فتصل إلى الهوائي إشعاعات شمسية قوية في النطاق نفسه الذي يستقبل فيه الإشارة الفضائية.
كيف تحدث الظاهرة؟
تدور أقمار البث والاتصالات في مدار ثابت بالنسبة للأرض، يقع تقريبًا في مستوى خط الاستواء.
اقرأ أيضًا.. الرمال المتحركة.. 7 حقائق تكشف أسرارها
ومع اقتراب الاعتدالين الربيعي والخريفي، يعبر مسار الشمس الظاهري هذا المستوى نفسه، فتمر الشمس يوميًا، ولبضع دقائق فقط، خلف القمر الصناعي كما تراه محطة الاستقبال.
وعند هذا التوافق عزيزي، يدخل الإشعاع الشمسي إلى حزمة استقبال الهوائي، فتطغى ضوضاء الشمس على الإشارة الفضائية الأضعف بكثير، ويحدث التشويش أو الانقطاع.
والسبب في هذا التفوق بسيط نسبيًا، وهو أن القمر الصناعي يبث بقدرة محدودة صممت لتغطية منطقة جغرافية بعينها، بينما الشمس جرم يبث طاقة هائلة عبر كامل الطيف الكهرومغناطيسي تقريبًا، بما فيه موجات الميكروويف المستخدمة في الاتصالات الفضائية. حين يدخل هذا الإشعاع ضمن زاوية استقبال الهوائي الضيقة نفسها، تُغرق الإشارة المفيدة تمامًا.
مرتين في السنة
تحدث الظاهرة في نصف الكرة الشمالي مرة خلال فبراير ومارس، ومرة أخرى خلال سبتمبر وأكتوبر. في نصف الكرة الجنوبي تنعكس الفترتان.
وتنتقل موجة التأثير تدريجيًا من الشمال إلى الجنوب بين فبراير وأبريل، ثم من الجنوب إلى الشمال بين أغسطس وأكتوبر، بحيث لا تتأثر كل محطة أرضية إلا لأيام معدودة، ست أيام تقريبًا حول موعد الاعتدال.
اليوم الدقيق لكل محطة يحدده خط عرضها، والساعة داخل اليوم يحددها خط طولها وموقع القمر الذي تستقبل منه، فالمحطات الواقعة مباشرة على خط الاستواء وحدها تشهد التداخل في لحظة الاعتدال بالتحديد، لأن القمر الصناعي يقع فوقها تمامًا من الناحية الجغرافية.
والنوبة الواحدة لا تتجاوز عادة عشر إلى اثنتي عشرة دقيقة، وأحيانًا يقتصر الأمر على تدهور طفيف في جودة الإشارة، وأحيانًا ينقطع البث كليًا لتلك الدقائق.
نعم، قد يبدو هذا الرقم صغيرًا، لكنه كاف لإفساد بث مباراة حاسمة أو نشرة أخبار مباشرة أو مكالمة عبر الأقمار في لحظة لا تحتمل التأجيل.
وكلما كبر قطر الهوائي، ضاقت زاويته، فقلت مدة تأثره بالتداخل لكن ازدادت حدته في تلك اللحظات.
والهوائيات الأصغر تتعرض لفترة أطول نسبيًا لكن بتأثير أخف. وتلعب أيضًا نطاقات الترددات المستخدمة، سي وكو وكا، دورًا في حجم التأثر، وهي النطاقات نفسها التي تعتمد عليها القنوات الفضائية والإنترنت عبر الأقمار وخدمات الملاحة.
وبشكل عام، تميل الترددات الأعلى مثل كا إلى تأثر أشد نسبيًا مقارنة بنطاق سي الأقدم والأكثر مقاومة، وهو ما يجعل بعض المشغلين يفضلون الاحتفاظ بقدرة احتياطية على نطاق سي تحديدًا كخيار طوارئ خلال موسم التداخل.
وعلى أرض الواقع، يترجم هذا إلى شاشة تلفزيون مشوشة لدقائق في وقت الذروة، أو بطء مفاجئ في إنترنت فضائي بمنطقة نائية، أو محطات رصد جوي تضطر لإلغاء بعض عمليات الرصد المجدولة أو التحذير من احتمال ظهور أخطاء في الصور الملتقطة.
وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، على سبيل المثال، تنشر كل عام جدولًا رسميًا بمواعيد الأيام التي قد تُلغى فيها بعض عمليات استقبال صور الأقمار الرصدية أو تتأثر بأخطاء في خطوط الصورة بسبب هذه الظاهرة تحديدًا، وهو تقليد سنوي متكرر لدى أغلب مشغلي الأقمار الكبار حول العالم.
ليست وحدها التهديد القادم من السماء
يختلف التداخل الشمسي عن التوهجات الشمسية المفاجئة، التي تنتج عن انفجارات مغناطيسية عنيفة يصعب التنبؤ بتوقيتها.
هو على العكس ظاهرة هادئة ومنتظمة، ناتجة عن إشعاع حراري طبيعي معتاد، ولهذا يمكن حسابه مسبقًا بدقة.
ويختلف أيضًا عن «كسوف القمر الصناعي»، وهي الحالة التي تحجب فيها الأرض أو القمر ضوء الشمس عن القمر الصناعي فينقطع عنه مصدر الطاقة، بعكس التداخل الشمسي الذي ينشأ من زيادة الإشعاع الواصل إلى الهوائي الأرضي لا نقصانه عن القمر.
ويختلف كذلك عن تلاشي الإشارة بسبب الأمطار الغزيرة، إذ إن ذلك التلاشي مرتبط بحالة الطقس اللحظية ويمكن أن يحدث في أي وقت من السنة، بينما التداخل الشمسي محكوم بحركة فلكية ثابتة لا علاقة لها بالغيوم أو الأمطار على الإطلاق.
معلومة قديمة بقدر عمر البث الفضائي نفسه
ليست هذه الظاهرة اكتشافًا حديثًا، فمنذ الأيام الأولى لانطلاق أقمار البث التجارية في سبعينيات القرن الماضي، لاحظ مهندسو محطات الاستقبال الأرضية هذا الانقطاع المتكرر الموسمي، وسرعان ما فسر فلكيًا وأصبح جزءًا من أدبيات هندسة الاتصالات الفضائية.
وشركات تشغيل الأقمار الكبرى، مثل إنتلسات وبان أم سات، وضعت مبكرًا حاسبات خاصة تتيح لأي محطة استقبال معرفة موعدها الدقيق لحظة التداخل بمجرد إدخال إحداثياتها وموقع القمر الذي تتابعه، وما زالت أدوات مشابهة متاحة اليوم مجانًا عبر الإنترنت لأي مهني في المجال.
هل يتراجع الأمر مع الأقمار الحديثة؟
مع التوسع في الأقمار العاملة بمدارات منخفضة قريبة من الأرض، بدأت بعض شبكات الاتصال الحديثة تكتسب مناعة جزئية من هذه الظاهرة، فهذه الأقمار تتحرك باستمرار ولا تبقى خلف الشمس لفترة طويلة كما تفعل الأقمار الثابتة.
والنظام يبدل الاتصال بسرعة بين عدة أقمار متعاقبة، لكن التداخل الشمسي يبقى تحديًا قائمًا بالنسبة لمعظم منظومة البث والاتصالات العالمية، التي ما زالت تعتمد أساسًا على الأقمار الثابتة التقليدية.
ويظل موعدًا يتعامل معه المهندسون كجزء من الروتين السنوي المعتاد، لا كطارئ غير مفهوم، فكل ربيع وكل خريف، تتكرر القصة نفسها في مئات المحطات الأرضية حول العالم، بضع دقائق من الصمت أو التشويش، ثم عودة الإشارة كأن شيئًا لم يكن، في تذكير هادئ بأن أكثر شبكاتنا تطورًا لا تزال، في نهاية المطاف، رهينة لحركة الأجرام في السماء.
المصادر: