الوجيعة والفخ
بعد موت حماتي بأسبوعين، بقيت أصحى كل يوم بنفس الإحساس التقيل اللي قاعد فوق صدري. البيت بقى واسع زيادة عن اللزوم، وساكت بشكل يخوف. حتى صوت التلاجة وهي بتفصل ويرجع الموتور يشتغل كان بيخليني أنتفض. الحاجة فوزية، رغم إنها عمرها ما كانت حنينة بالمعنى المعروف، إلا إن وجودها كان عامل نظام معين للبيت. صوتها وهي بتنادي على الشغالة، خبط عصايتها في الأرض، ريحة القهوة اللي كانت تعملها بعد الفجر… كل ده اختفى مرة واحدة، وساب فراغ غريب.
في الأيام دي كنت بمشي في البيت كأني ضيفة، مش صاحبته. طارق أغلب الوقت برا، ولو رجع يبقى ساكت. لا سألني أكلت ولا حتى بصلي بشكل طبيعي. علاقتنا أصلًا كانت بايظة من شهور طويلة، بس بعد موت أمه بقى فيه بينا حيطه كاملة. كل واحد عايش لوحده، حتى وإحنا تحت نفس السقف.
اليوم اللي المفروض تتقري فيه الوصية، صحيت من بدري رغم إني مانمتش غير ساعتين تقريبًا. فضلت قاعدة على طرف السرير شوية أبص للستارة وهي بتتحرك مع الهوا الخفيف. كان عندي إحساس سخيف إني مش عايزة أروح. مش خوف من الوصية نفسها، قد ما هو شعور إن فيه حاجة مستخبية مستنياني.
لبست العباية السودا اللي بقالها أيام معلقة على الكرسي، وربطت طرحة بسرعة، ونزلت. طارق كان خرج قبل ما أصحى. حتى ماقاليش هنيجي سوا ولا لأ. بصراحة ماستغربتش.
ركبت تاكسي من تحت البيت. السواق فضل طول الطريق فاتح إذاعة قديمة فيها أغاني لعبدالحليم، وأنا قاعدة ببص من الشباك للناس. واحدة شايلة خضار، اتنين بيتخانقوا على الركنة، طفل بيجري ورا عربية فول. الدنيا ماشية عادي جدًا، وده كان مستفز بالنسبالي. كنت حاسة إن حياتي واقفة بقالها سنين، بينما الناس كلها مستمرة.
وصلت مكتب الأستاذ مدحت عتمان في وسط البلد. العمارة قديمة، والسلم رخامه متاكل من النص من كتر السنين. وأنا طالعة، كنت بسمع صوت ماكينة كاتبة من مكتب بعيد وصوت مروحة سقف بتزيق.
أول ما دخلت المكتب، ريحة السجاير القديمة والقهوة البايتة ضربت في وشي. المكتب نفسه كان متكدس بملفات صفراء، وفيه مكتبة خشب عليها تراب خفيف، وصورة كبيرة لشارع المعز معلقة بميلان بسيط.
لكن كل ده اختفى من عيني أول ما شفتهم.
طارق… وشيرين.
كانوا قاعدين جنب بعض بهدوء مستفز، كأنهم مستنيين دورهم في بنك مش في قراية وصية واحدة ميتة من أسبوعين.
شيرين كانت لابسة فستان كحلي بسيط، وشعرها متظبط بعناية زيادة عن الموقف. وفي حضنها طفل صغير ملفوف في بطانية رمادي. الواد كان نايم، وشه صغير جدًا، ويده طالعة من البطانية ماسكة في السلسلة اللي في رقبتها.
وقفت مكاني ثواني. حرفيًا ماعرفتش أتحرك.
مكنتش مصدومة إنه معاها قد ما كنت مصدومة من راحته. من الطريقة اللي قاعد بيها. لا مرتبك، لا خايف، لا حتى بيحاول يشرح.
بصيتله مستنية أي رد فعل، لكنه اكتفى يبصلي بسرعة ويرجع يشيح وشه.
قلت وأنا حاسة صوتي خارج بالعافية:
“هي بتعمل إيه هنا؟”
شيرين رفعت عينيها ناحيتي وقالت بهدوء بارد:
“جيت مع جوزي.”
وسكتت ثانية قبل ما تضيف:
“وابنه.”
الكلمة علقت في ودني بشكل غريب. ابنه.
بصيت للطفل مرة تانية. حاجة جوايا وجعتني، بس ماعرفتش أحدد إيه بالضبط. الغيرة؟ القهر؟ ولا الإحساس إني كنت عايشة في كذبة كبيرة وأنا مش واخدة بالي؟
ضحكت ضحكة صغيرة مالهاش علاقة بالفرح وقلت:
“يعني اخترتوا اللحظة المناسبة فعلًا.”
طارق نفخ بضيق وقال:
“بلاش تعملي مشاكل دلوقتي.”
المشكلة بالنسباله كانت رد فعلي… مش اللي عمله.
قبل ما أتكلم، الباب اتفتح ودخل الأستاذ مدحت شايل دوسيه كبير تحت دراعه. أول ما لمح التوتر وقف لحظة، وبعدين اتحرك ناحية مكتبه وقعد.
قال بصوته الرسمي:
“الحاجة فوزية كانت طالبة إن الكل يكون موجود.”
الكل.
يعني كانت عارفة.
الإحساس ده خبطني أكتر من وجود شيرين نفسها. حماتي كانت شايفة كل حاجة وساكتة.
قعدت على أول كرسي قريب مني عشان رجلي فعلًا كانوا بيرتعشوا. الأستاذ مدحت فتح الدوسيه، وطلع ورقة طويلة مطبوعة.
عدل نضارته وبدأ يقرا:
“إلى مروة…”
وسكت لحظة يبص في الورقة قبل ما يكمل:
“مرات ابني.”
مش عارفة ليه الجملة دي بالذات خلتني أبلع ريقي بصعوبة.
المحامي كمل:
“لو إنتي سمعتي الكلام ده، يبقى أنا ماعدتش موجودة، ويبقى كمان الوقت جه إن حاجات كتير مستخبية تتقال.”
الأوضة كلها سكتت. حتى صوت الشارع اللي كان داخل من الشباك حسيت إنه اختفى.
“أنا عارفة إن ابني ظلمك. وعارفة إنك استحملتي حاجات كتير أكتر مما تستحمليه.”
في اللحظة دي، طارق اتحرك بعصبية في كرسيه وقال:
“هو إيه اللي بيتقري ده؟”
لكن الأستاذ مدحت كمل كأنه ماسمعوش.
“وعشان كده، أنا اتصرفت في أملاكي قبل ما أموت.”
شيرين رفعت راسها بسرعة، وطارق بقى مركز مع كل كلمة.
“البيت، والمحلات، والأرض… اتنقلت باسم مروة بعقود قانونية.”
محدش اتكلم ثانيتين تقريبًا.
حتى أنا ماستوعبتش الجملة من أول مرة.
طارق قام واقف مرة واحدة وقال بعصبية:
“إزاي يعني؟!”
الأستاذ مدحت رد بهدوء:
“زي ما سمعت.”
شيرين حضنت الطفل أكتر، وشكلها اتغير فجأة. أول مرة تبان عليها العصبية فعلًا.
أما أنا، فكنت قاعدة مش عارفة أعمل إيه. الفرحة ماجتش. ولا حتى الشماتة. كان فيه تعب قديم متراكم أكبر من إن الفلوس تمحيه في ثانية.
بصيت لطارق. لأول مرة من سنين، شفته تايه.
مش متعصب بس… تايه فعلًا.
بعد ما خلص القراية، الأستاذ مدحت سلمني ظرف صغير وقال:
“الحاجة فوزية طلبت مني أديهولك لوحدك.”
خرجت من المكتب وأنا مش مركزة مع أي حاجة حواليا. صوت الناس، العربيات، البياعين… كله كان بعيد.
فتحت الظرف في التاكسي، ولقيت مفتاح صغير وعنوان شقة في المقطم، ومعاهم سطر واحد:
“فيه حاجة لازم تعرفيها.”
وصلت الشقة بعد حوالي ساعة. العمارة هادية، والشقة شكلها مقفول من سنين. أول ما فتحت الباب، التراب طلع في وشي. المكان كان بارد بطريقة غريبة، والريحة قديمة.
فضلت أمشي بهدوء لحد أوضة النوم، وهناك لقيت خزنة صغيرة مستخبية ورا الدولاب.
يدي كانت بتترعش وأنا بلف المفتاح.
الخزنة اتفتحت.
جواها ملف أسود، وفلاشة.
طلعت أول ورقة، وبدأت أقرا.
في البداية ما فهمتش.
بعدها استوعبت.
تقارير طبية باسم طارق.
تشخيص بعقم كامل.
التاريخ كان قبل جوازنا بسنة.
قعدت على الأرض من غير ما أحس.
افتكرت كل مرة رجعت من عند دكتور وأنا بعيط، كل مرة كان يرميني بكلمة تقطع فيا، كل مرة حسيت إني ناقصة.
وهو كان عارف.
عارف من البداية.
الغريب إني ماعيطتش وقتها. يمكن لأن الصدمة كانت أكبر من الدموع نفسها.
لكن الفكرة اللي دخلت دماغي بعدها خلتني أرفع راسي بسرعة.
إذا كان طارق ما بيخلفش… الطفل يبقى ابن مين؟
وصلت الفلاشة بالموبايل.
كانت فيها تسجيلات صوتية وصور.
شيرين… مع صاحب طارق.
قعدت فترة طويلة أبص للشاشة من غير ما أتحرك. حسيت بقرف أكتر من الغضب. البيت كله كان مبني على كدب، وكل واحد بيمثل دور معين.
رن تليفوني فجأة.
كان طارق.
رديت بعد رنة طويلة.
صوته كان متوتر:
“إنتي فين؟”
قلت:
“ليه؟”
سكت شوية قبل ما يقول:
“إحنا لازم نتكلم.”
ضحكت بخفة:
“أخيرًا؟”
قال بسرعة:
“مروة… بلاش تعملي مشاكل أكبر.”
وقتها فهمت إنه عرف.
قلتله عنوان الشقة وقفلت.
وصل بعد أقل من نص ساعة. كان داخل بسرعة، وشه شاحب بشكل غريب.
أول ما شاف الملف في إيدي، وقف مكانه.
ماقربش.
ولا اتخانق.
بس قعد على الكرسي كأنه فجأة كبر عشرين سنة.
قلت وأنا ببصله:
“كنت بتبصلي إزاي بعد كل مرة تذلني فيها؟”
فضل ساكت شوية قبل ما يقول:
“ماكنتش عارف أعمل إيه.”
الجملة ضايقتني أكتر من أي تبرير.
وريتله التسجيلات.
كل ما يسمع جزء، وشه كان بيتغير أكتر.
ولما التسجيل خلص، فضل باصص قدامه فترة طويلة.
وبعدين قال بصوت واطي:
“يعني حتى دي…”
في اللحظة دي، لأول مرة، حسيت نحيتُه بشفقة صغيرة جدًا… واختفت بسرعة.
لأنه مهما كان مكسور، هو اللي كسرني الأول.
فجأة قام وقف بعصبية، وفتح درج قديم جنب الحيطة وطلع منه مطواة صغيرة.
قلبي اتقبض.
لكن اللي خوفني أكتر من المطواة، شكل عينيه. كان باصص حوالينه كأنه محشور في زاوية ومش شايف قدامه.
قال:
“إنتي فاهمة إن الورق ده ممكن يعمل إيه؟”
رجعت خطوة لورا.
وقبل ما يتحرك، الباب اتفتح بعنف.
شيرين دخلت وهي بتنهج.
واضح إنها كانت ماشية وراه.
بصتله وقالت بعصبية:
“مش هتلبسني كل حاجة لوحدي!”
وفي ثواني، الشقة قلبت لخناقة وصوت عالي وكلام متلخبط.
وفجأة الكهربا قطعت.
الضلمة نزلت مرة واحدة.
سمعت حركة سريعة، وصوت حاجة معدنية خبطت في الأرض، وبعدها صرخة قصيرة.
ثبت مكاني. حتى النفس كان صعب.
دورت بإيدي على الموبايل وشغلت الكشاف.
شيرين كانت قاعدة على الأرض بتعيط وماسكة دراعها، والسكينة بعيدة جنب الحيطة.
أما طارق، فكان واقف بعيد، باصص عليهم الاتنين كأنه مش فاهم إزاي وصلوا للنقطة دي.
الطفل كان بيعيط من الصالة.
روحت شلته بهدوء، وفضلت أهديه وأنا حاسة إن كل حاجة حواليا انهارت فعلًا.
بعد شوية سمعنا صوت الشرطة تحت. الأستاذ مدحت كان بلغ بعد ما خاف من طريقة خروج طارق من المكتب.
ولما الشقة اتمليت ناس وأسئلة، كنت هادية بشكل غريب.
كأن التعب خلص.
بعدها بأيام، كل واحد راح في طريق. طارق اختفى تقريبًا، وشيرين رجعت لأهلها، والقضايا بدأت بينهم.
أما أنا، فقعدت لوحدي في البيت الكبير أحاول أفهم السنين اللي فاتت.
وفي ليلة، وأنا بفتح دولاب الحاجة فوزية، لقيت صورة قديمة ليا يوم الفرح.
وراها ورقة صغيرة بخطها:
“يمكن اتأخرت… بس ماحبتش أموت وإنتي لوحدك.”
وقتها بس عيطت.
مش على طارق.
ولا على الجواز.
عيطت على نفسي القديمة… البنت اللي فضلت سنين معتقدة إن العيب فيها، وهي طول الوقت كانت مجرد ضحية لناس خايفة من الحقيقة.
وبعد شهور طويلة، وأنا قاعدة في البلكونة وقت المغرب، اكتشفت إن أصعب حاجة مش الخيانة.
أصعب حاجة إنك تعيش فترة طويلة شايف نفسك بعين حد بيكسرك كل يوم.
ولما أخيرًا تبص لنفسك بعينيك إنت… تعرف قد إيه كنت مظلوم.