الفخ: ليلة الهروب الكبير
كان الوقت متأخر، والليل نازل على الحارة القديمة في المنصورة بسكون غريب يخلي أي حد قاعد لوحده يحس إن الدنيا كلها نايمة وسايباه يواجه أفكاره. داخل البيت الصغير، كانت هنية واقفة في الصالة الضيقة وهي شايلة ابنها يونس على كتفها. الطفل كان جسمه سخن بشكل يقلق، وكل شوية يفتح عينيه نص فتحة ويعيط كام ثانية قبل ما يرجع يهدى من التعب. أما هي فكانت باين عليها آثار شهور طويلة من الإرهاق وقلة النوم. شعرها مربوط بسرعة، وهدومها بسيطة، وعينيها غرقانة في شحوب الست اللي بقت تعيش يومها وهي مستنية اللي بعده من غير ما يكون عندها أي أمل حقيقي إن حاجة هتتغير.
من ساعة ما خلفت يونس، وحياتها بقت مختلفة تمامًا. كانت فاكرة إن الطفل هيقرب المسافات بينها وبين جوزها عزمي، أو على الأقل يخليه يهدى شوية. لكن اللي حصل كان العكس. عزمي بقى أكثر عصبية، وأكثر قسوة، وكأنه شايف إن وجود الطفل عبء إضافي عليه. وبعد الولادة بأيام قليلة، قرر ينقلها هي والطفل لأوضة الخزين اللي ورا المطبخ بحجة إن صوته بيمنعه ينام وبيأثر على شغله في الورشة.
الأوضة نفسها كانت بالكاد تنفع لتخزين الكراتين القديمة والمراوح البايظة والحاجات اللي الناس بتحتفظ بيها من غير فايدة. سقفها واطي، وشباكها صغير، والهواء فيها تقيل. ومع ذلك كانت هنية بتنام فيها كل ليلة وهي محاولة تقنع نفسها إن الصبر آخره خير، وإن ربنا أكيد شايف اللي بيحصل.
في الليلة دي بالتحديد، كان فيه شعور غريب جواها. مش خوف واضح، ولا قلق مفهوم، لكن إحساس إن فيه حاجة جاية. حاجة كبيرة. كانت قاعدة على طرف الكنبة القديمة تهز يونس برفق، وعينيها سرحانة في الفراغ، لما سمعت صوت حركة ناحية باب المطبخ.
رفعت رأسها بسرعة. في الأول افتكرت إن عزمي رجع، فقلبها انقبض تلقائيًا. لكن بعد ثواني ظهرت الحاجة تفيدة، حماتها. كانت ماشية بخطوات سريعة ومتوترة، وبتبص حواليها كأنها خايفة حد يشوفها.
استغربت هنية. عمر الست ما دخلت عليها بالشكل ده قبل كده.
الحاجة تفيدة قربت منها بسرعة، وحطت إيدها على كتفها وهمست:
“اسمعي الكلام اللي هقولهولك من غير ما تسألي.”
هنية بصتلها باستغراب أكبر.
الست فتحت عبايتها، وطلعت كيس أسود قديم، وبعدها دست حاجة جوه شنطة القماش الصغيرة اللي كانت مرمية جنب الكرسي.
وقالت بصوت واطي:
“خدي ابنك وامشي دلوقتي. حالًا. قبل ما عزمي يرجع.”
للحظة، افتكرت هنية إنها سمعت غلط.
“أمشي؟ أروح فين؟”
“على بيت أمك في طنطا. متستنيش. الواد راجع شارب ومولع الدنيا بره، وعمال يقول كلام مش مطمني. خدي حاجتك واطلعي من الباب اللي ورا المطبخ.”
كانت أول مرة تشوف الحاجة تفيدة بالشكل ده. لا صوت عالي، ولا أوامر، ولا ملامح جامدة. بالعكس، كانت باينة عليها علامات خوف حقيقي.
سألتها هنية بتردد:
“طب وإنتِ؟”
ردت بسرعة:
“أنا أتصرف. المهم تنقذي نفسك والواد.”
في الظروف العادية، يمكن كانت هنية هتفكر وتسأل وتشك. لكن التعب بيغير طريقة تفكير الإنسان. شهور طويلة من الإهانة والخوف خلتها تتمسك بأي فرصة للخروج. وكل ما افتكرت آخر خناقة بينها وبين عزمي قبل يومين، والتهديدات اللي سمعتها منه، حسّت إن البقاء أخطر من الرحيل.
دخلت أوضة الخزين بسرعة. لمّت كام قطعة هدوم ليونس، وكشكول التطعيمات، وبعض الحاجات الضرورية. كانت إيديها بتترعش وهي بترتب الشنطة. كل دقيقة كانت تعدي كانت بتحس إنها ممكن تسمع صوت مفتاح الباب الخارجي، وساعتها كل حاجة هتنتهي.
بعد دقائق قليلة، كانت خارجة من الباب الخلفي فعلًا.
وقفت في الشارع للحظة.
الهواء البارد لمس وشها، فحست كأنها خارجة من مكان خانق بقالها سنين.
بصت ناحية البيت مرة أخيرة.
بيت عاشت فيه أجمل أحلامها في البداية، وبعدها عاش أسوأ أيام عمرها.
ما كانتش تعرف إنها وهي بتبص عليه دلوقتي، كانت بتودع مرحلة كاملة من حياتها من غير ما تدري.
ركبت أول تاكسي قابلها، وبعدها وصلت للموقف، واستقلت ميكروباص متجه لطنطا.
طوال الطريق كانت عيناها على يونس.
كل شوية تتحسس جبينه.
وكل شوية تدعي ربنا يعدي الليلة على خير.
وفي وسط كل ده، كانت بتدعي للحاجة تفيدة.
رغم كل اللي حصل بينهم، كانت مقتنعة إن الست أخيرًا قررت تقف جنبها. بل إن جزءًا منها كان ممتنًا جدًا لها.
لكن الحياة أحيانًا بتخبي أخطر الضربات جوه أكتر الوجوه اللي الإنسان يثق فيها.
الميكروباص كان بيشق الطريق الزراعي وسط الظلام. الأنوار البعيدة بتظهر وتختفي من الشباك، والركاب أغلبهم نايمين أو ساكتين. أما هنية فكانت سرحانة.
افتكرت يوم خطوبتها.
افتكرت أول مرة عزمي جاب لها هدية.
افتكرت ضحكتها وهي بتختار أثاث البيت.
ذكريات بعيدة، لكنها كانت واضحة بشكل مؤلم.
وكل ما تفتكر لحظة حلوة، كانت تيجي بعدها عشر لحظات أصعب.
وفجأة قطع شرودها صوت الموبايل.
بصت للشاشة.
المتصل كان المعلم جابر.
استغربت.
الراجل عمره ما كلمها قبل كده.
ردت بتردد:
“ألو؟”
لكن أول ما سمعت نبرة صوته، قلبها انقبض.
“إنتِ فين يا هنية؟”
قالت بسرعة:
“في الطريق لطنطا.”
سكت ثانية، وبعدها قال:
“إيه اللي عملتيه ده؟”
اتلخبطت.
“عملت إيه؟”
رد بصوت مشحون:
“الدنيا مقلوبة عندنا. عزمي بيقول إنك أخدتي فلوس الخزنة وهربتي.”
في اللحظة دي، كأن الزمن وقف.
يدها ارتخت، والشنطة وقعت على الأرض.
يونس فزع من الحركة وصحي يبكي.
أما هي فكانت حاسة إن الكلام اللي سمعته أكبر من إنها تستوعبه.
“أنا؟ سرقت؟!”
قالتها بصوت مخنوق.
لكن المعلم جابر كمل:
“وأم عزمي بنفسها شاهدة عليك.”
هنا تحديدًا بدأت الصورة تتجمع.
الكيس الأسود.
الإلحاح إنها تمشي بسرعة.
الخروج من الباب الخلفي.
عدم إعطائها فرصة تفكر.
كل تفصيلة صغيرة رجعت قدام عينيها.
وفجأة فهمت.
ما كانش حد بينقذها.
كانوا بيخرجوها من المسرح قبل ما يبدأ العرض.
وكانوا مجهزين لها دور المتهمة من أول لحظة.
ساعتها بس عرفت إن اللي حصل ما كانش هروب…
كان بداية فخ كبير اتقفل عليها بإحكام.
طوال الدقائق اللي فضلت بعد المكالمة، كانت هنية قاعدة في مكانها داخل الميكروباص كأنها فقدت الإحساس بكل اللي حواليها. صوت الموتور، وكلام الركاب، وحتى عياط يونس اللي كان مالي ودانها من شوية، بقوا بعيدين عنها بشكل غريب. كانت عيناها ثابتة قدامها، لكن عقلها راجع لورا بسرعة، بيعيد كل كلمة اتقالت وكل حركة حصلت من أول ما الحاجة تفيدة دخلت عليها في البيت.
كل ما تفتكر ملامح حماتها وهي بتتكلم، كانت تحاول تلاقي أي إشارة تدل إنها كانت بتكدب. أي علامة. أي حاجة. لكن المصيبة إن الست كانت ممثلة دورها بإتقان يخلي أي حد يصدقها. الخوف اللي كان على وشها، ارتباكها، استعجالها، حتى نبرة صوتها كانت مقنعة. وده اللي وجع هنية أكتر من أي شيء تاني.
لأن الخيانة لما بتيجي من عدو معروف، بتوجع. لكن لما بتيجي من شخص افتكرت للحظة إنه واقف جنبك، بتوجع أضعاف.
وصلت طنطا قبل الفجر بوقت قصير. الشوارع كانت هادية إلا من كام عربية معدية على فترات متباعدة. نزلت من الميكروباص وهي شايلة يونس اللي نام من التعب، وسحبت الشنطة الصغيرة وراها. كانت رجليها تقيلة، لكن فكرة الوصول لبيت أمها كانت الحاجة الوحيدة اللي مخلياها تكمل.
أمها أول ما فتحت الباب وشافتها واقفة قدامها بالشكل ده، فهمت على طول إن فيه مصيبة حصلت. مفيش أم محتاجة حد يشرح لها إن بنتها مكسورة. باين ده في العين قبل الكلام.
دخلتها بسرعة وقفلت الباب وراها، وقعدت تسمع منها وهي بتحكي اللي حصل. ومع كل جملة كانت ملامح الست الكبيرة تتغير. مرة غضب، ومرة دهشة، ومرة حزن على اللي وصلت له بنتها.
لكن الصدمة الحقيقية ما كانتش في اللي حصل. الصدمة كانت في اللي حصل بعده.
مع أول خيط نور دخل من الشباك، بدأ الموبايل يرن.
مرة.
واتنين.
وعشرة.
مكالمات ورسائل من كل اتجاه.
ناس بتسأل.
وناس بتستفسر.
وناس جاية تسمع الحكاية من صاحبتها وتنقلها لغيرها.
في الأول ما كانتش فاهمة إيه اللي بيحصل، لحد ما بنت خالتها بعتتلها صورة من منشور على فيسبوك.
فتحت الصورة، وشعرت كأن حد صب عليها مية ساقعة.
المنشور كان منشور من حساب أخت عزمي.
مكتوب فيه كلام طويل كله اتهامات.
كلام عن زوجة خانت الأمانة.
وست سرقت بيت جوزها.
وإنها هربت في نص الليل بعد ما أخدت فلوس العيلة.
والتعليقات تحت المنشور كانت أسوأ من الكلام نفسه.
ناس تصدق.
وناس تشتم.
وناس تحكم من غير ما تعرف أي حاجة.
قفلت الموبايل بسرعة.
مش لأنها ما قدرتش تكمل قراءة التعليقات.
لكن لأنها اكتشفت إن الحرب اللي اتفتحت ضدها أكبر من مجرد محضر في قسم.
كانوا عايزين يحكموها قدام الناس الأول.
ولما الناس تصدق، يبقى أي دفاع منها بعد كده مجرد محاولة يائسة.
في اليوم ده كله تقريبًا، ما خرجتش من الأوضة.
كانت قاعدة جنب ابنها، تارة تبص له، وتارة تبص للفراغ.
وأكتر حاجة كانت محيراها سؤال واحد.
ليه؟
ليه كل ده؟
هل مجرد إنه عايز يتجوز واحدة تانية؟
هل عشان يخلص منها؟
ولا فيه حاجة أكبر مستخبية؟
كل ما كانت تسأل نفسها السؤال ده، كانت الإجابة تهرب منها.
لحد ما قررت تكلم عزمي بنفسها.
اتصلت بيه أكتر من مرة.
وفي كل مرة كان يقفل.
لحد ما رد أخيرًا.
كان صوته هادي بشكل غريب.
هدوء واحد حاسس إنه مسيطر على الموقف بالكامل.
قالت وهي بتحاول تتمالك نفسها:
“إنت عارف إني ما سرقتش حاجة.”
جالها صوته بارد:
“أنا ما قلتش حاجة غير الحقيقة.”
“الحقيقة؟”
“لو بريئة ارجعي وقولي كده قدام الناس.”
قالها بمنتهى الثقة.
ثقة خلتها تحس إنه مش خايف.
ولا قلقان.
ولا حتى متوتر.
وده كان معناه حاجة واحدة.
إنه متأكد إن كل حاجة متجهزة كويس.
وقبل ما ترد، قفل الخط.
فضلت ماسكة الموبايل للحظات وهي بتحاول تستوعب المكالمة.
لكن بعد دقائق قليلة، وصلتها رسالة جديدة من واحدة من جيرانها في المنصورة.
كانت صورة.
وبس.
لا تعليق.
ولا شرح.
ولا كلمة واحدة.
فتحت الصورة.
وفي اللحظة دي، فهمت سبب كل اللي حصل.
الصورة كانت لعزمي واقف قدام البيت.
لابس هدوم جديدة.
وبيضحك.
وجنبه ست ما تعرفهاش داخلة البيت بشنط كبيرة.
الست اسمها بهية.
وكانت معروفة في المنطقة من فترة.
هنية فضلت تبص للصورة وقت طويل.
في الأول حسّت بغصة.
بعدها غضب.
وبعدين هدوء غريب.
لأن الصورة وضحت كل حاجة.
ما كانش فيه هروب.
ولا سرقة.
ولا فضيحة.
كان فيه مكان لازم يفضى.
عشان حد تاني يدخله.
وكان فيه زوجة لازم تتشال من الصورة.
بأي طريقة.
حتى لو الطريقة دي دمرت سمعتها بالكامل.
في الليلة دي، ولأول مرة من أيام طويلة، ما عيطتش.
قعدت تفكر.
وبس.
بدأت تراجع شهور فاتت.
افتكرت إن عزمي من فترة بقى يصرف فلوس أكتر من المعتاد.
وافتكرت إنه كان ساعات يقفل على نفسه الورشة بالساعات.
وافتكرت إنه كان بيرفض دخول أي حد للمخزن الخلفي.
حاجات بسيطة كانت تمر عليها عادية.
لكن دلوقتي بقت مثيرة للشك.
وأثناء شرودها، وقعت عينها على الشنطة اللي خرجت بيها من البيت.
الشنطة اللي جوّاها الكيس الأسود.
سحبت الكيس ببطء.
وطلعته قدامها.
بدأت تفتح الرزم واحدة واحدة.
كانت أول مرة تبص للفلوس بهدوء.
وفي كل رزمة كانت تحس إن فيه حاجة غريبة.
مش قادرة تحددها.
لكن موجودة.
الورق مختلف شوية.
الألوان مختلفة شوية.
حتى ملمس الأوراق كان غريب.
أمها لاحظت تركيزها وسألتها:
“في حاجة؟”
ردت من غير ما ترفع عينها:
“مش عارفة… بس حاسة إن فيه حاجة مش مظبوطة.”
ومن اللحظة دي بدأت فكرة صغيرة تتكون في عقلها.
فكرة إنها لازم تعرف الحقيقة بنفسها.
مش من كلام الناس.
ولا من عزمي.
ولا من الحاجة تفيدة.
الحقيقة اللي مستخبية جوه الرزم دي.
والحقيقة دي كانت على وشك إنها تغير مجرى كل الأحداث… وتكشف سر أخطر بكتير مما كانت تتوقع.