ندم متأخر.. وعريس من خلف الجدران

ندم متأخر.. وعريس من خلف الجدران


ندم متأخر.. وعريس من خلف الجدران

اسمي أحمد السامرائي، وعندما أنظر اليوم إلى السنوات الماضية أشعر وكأنني أتصفح حياة رجل آخر لا أعرفه جيدًا. رجل كان يظن أن النجاح يقاس بحجم الراتب، وأن قيمة الإنسان تتحدد بالمكتب الذي يجلس فيه والسيارة التي يقودها والاسم المكتوب على بطاقة عمله. كنت أعتقد أنني أفهم الدنيا جيدًا، وأنني أمتلك من الذكاء ما يجعلني أختار الطريق الصحيح دائمًا، لكن الحقيقة التي اكتشفتها متأخرًا هي أن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة يصعد سلّم النجاح وهو في الواقع يهبط نحو أسوأ نسخة من نفسه.

تعرفت إلى سارة العزاوي خلال سنوات الدراسة في جامعة بغداد. لم تكن أجمل فتاة في الجامعة بالمعايير التي يتحدث عنها الناس، لكنها كانت تملك شيئًا نادرًا لا يمكن شراؤه أو تقليده. كانت تملك قلبًا نظيفًا بصورة تثير الدهشة. كانت تساعد زملاءها قبل أن تهتم بنفسها، وتبقى ساعات إضافية في مكتبة الجامعة كي تؤمن مصروفًا يساعد عائلتها، ثم تعود إلى منزلها مبتسمة وكأنها لم تتعب يومًا. كنت أحب الجلوس معها، وأشعر براحة غريبة كلما تحدثنا عن المستقبل. كانت أحلامها بسيطة؛ بيت هادئ، وأسرة متماسكة، وحياة مستقرة. أما أنا فكنت أحلم بأشياء أكبر بكثير، أو هكذا كنت أظن.

بعد التخرج تغير كل شيء بسرعة. حصلت على وظيفة مرموقة في شركة استثمار دولية، وكان الراتب الذي أتقاضاه أكبر بكثير مما كنت أتخيله وأنا طالب جامعي. شعرت أن الأبواب بدأت تُفتح أمامي، وأنني أصبحت قريبًا من الطبقة التي طالما حلمت بالانتماء إليها. في المقابل، وجدت سارة نفسها تعمل موظفة استقبال في فندق صغير. لم يكن العمل سيئًا، لكنه لم يكن يشبه أحلامها ولا طموحاتها. ومع مرور الوقت بدأت أنظر إلى الفرق بيننا بطريقة مؤذية. لم أعد أرى قلبها أو أخلاقها أو إخلاصها، بل أصبحت أرى فقط راتبها المتواضع ومكانتها الاجتماعية البسيطة.

في يوم ما، اتخذت القرار الذي غيّر مصير حياتي كلها. أقنعت نفسي بأنني أستحق شريكة تمنحني مكانة أكبر، وأن الحب وحده لا يكفي. جلست أمام سارة وتحدثت ببرود لم أكن أعرف أنني أملكه. رأيت الألم في عينيها وهي تحاول فهم ما يحدث، لكنني كنت قد أغلقت أذني عن أي صوت غير صوت غروري. تركتها ومضيت. لم تصرخ، لم تتوسل، لم تحاول إذلال نفسها من أجلي. فقط نظرت إليّ طويلاً وكأنها تحفظ ملامحي للمرة الأخيرة، ثم رحلت بهدوء. يومها اعتقدت أنني انتصرت، ولم أكن أعلم أنني بدأت أكبر خسارة في حياتي.

بعد أشهر قليلة ارتبطت برنا الكيلاني، ابنة المدير العام للشركة. كانت أنيقة، ثرية، محاطة بالنفوذ والرفاهية. بدا الأمر وكأنه قفزة ضخمة إلى الأمام. تزوجنا وسط أجواء فاخرة وحضور شخصيات مهمة، وكان الجميع يهنئونني على «الاختيار الذكي». في البداية صدقتهم. صدقت أنني أصبحت الرجل الذي كنت أحلم بأن أكونه. لكن السنوات كشفت لي حقيقة مختلفة تمامًا.

كان منزلي فخمًا، لكن الدفء غائب عنه. كانت رنا تنظر إليّ باعتباري مشروعًا نجح بفضل عائلتها لا بفضل جهدي. كل خلاف بسيط كان ينتهي بعبارة تجرح كرامتي. كانت تذكرني دائمًا بأن والدها هو من فتح لي الأبواب. ومع مرور الوقت بدأت أفقد ثقتي بنفسي. أصبحت أعيش حياة مريحة ظاهريًا، لكنها فارغة من الداخل. كنت أستيقظ كل صباح وأذهب إلى عملي وأعود إلى بيتي وكأنني آلة تؤدي وظيفة مكررة لا أكثر.

مرت خمس سنوات بهذه الطريقة. خمس سنوات من الصمت والتنازلات ومحاولات إقناع النفس بأن كل شيء بخير. ثم جاء اليوم الذي قلب حياتي من جديد. كنت في اجتماع عمل حين اقترب مني صديق قديم وسألني فجأة إن كنت ما زلت أتذكر سارة. بمجرد سماع اسمها شعرت بشيء يتحرك في داخلي. أخبرني بأنها ستتزوج قريبًا. للحظة لم أستوعب الكلام. سارة التي تركتها منذ سنوات، سارة التي كنت أظن أنها ستبقى أسيرة الماضي، ستبدأ حياة جديدة.

عندما أخبرني أن العريس يعمل في مجال البناء وأن وضعه المادي بسيط، ضحكت بسخرية متعجرفة. كنت ما أزال أسير الصورة القديمة التي صنعتها في رأسي. ظننت أنني سأذهب إلى حفل الزفاف لأرى نتيجة اختياراتها «الخاطئة». أردت أن تراني وأثبت لنفسي أنني ما زلت الأفضل. لم أدرك أن الرحلة إلى ذلك الحفل ستكون في الحقيقة رحلة نحو مواجهة نفسي.

وصلت إلى البلدة الصغيرة في أطراف بابل قبل غروب الشمس بقليل. كان المكان متواضعًا لكنه مليء بالحياة. الأطفال يركضون بين الطاولات، والنساء يوزعن الحلوى، والرجال يستقبلون الضيوف بوجوه صادقة. لم يكن هناك أي مظهر من مظاهر البذخ التي اعتدت عليها، ومع ذلك كان في المكان شيء مريح لا أستطيع وصفه. شيء يشبه السكينة.

دخلت بثقة مصطنعة وأنا أرتدي بدلتي الفاخرة. كنت أنتظر أن ألفت الأنظار، لكن أحدًا لم يكن مهتمًا بذلك. الجميع كانوا منشغلين بالفرح الحقيقي. ثم انشقت الصفوف وظهر العريس. في اللحظة التي رأيته فيها شعرت أن الأرض تميد بي. كان خالد.

خالد، زميل الجامعة الذي طالما أعجبت بذكائه وكنت في الوقت نفسه أحسده عليه. كان أكثرنا اجتهادًا، وأكثرنا قدرة على التفكير والتحليل. أتذكر جيدًا كيف تم استبعاده من الوظيفة التي حصلت عليها أنا، ليس لأنه أقل كفاءة، بل لأنه رفض أن يتنازل عن كرامته أو يجامل أصحاب النفوذ. يومها ظننت أنه خسر، أما الآن فكنت أراه واقفًا بكل ثقة وسط الناس الذين يحبونه ويحترمونه.

ثم رأيت سارة. لم تكن ترتدي فستانًا باهظ الثمن، ولم تكن محاطة بالمظاهر التي اعتدتها في حفلات الطبقة الثرية. لكنها كانت تبدو سعيدة بصورة لم أرها من قبل. كانت تضحك من قلبها. لمحت في عينيها ذلك السلام الذي بحثت عنه أنا سنوات طويلة ولم أجده. عندها بدأت أفهم شيئًا مرعبًا: ربما لم تكن هي من خسرتني، بل أنا من خسرتها.

اقترب خالد مني وصافحني بحرارة. لم يكن في صوته أي شماتة ولا أي انتقام. رحب بي كأن الماضي كله لم يكن موجودًا. وهذا ما جعل الأمر أكثر ألمًا. كنت أتمنى لو احتقرني أو سخر مني، لأن ذلك كان سيجعلني أشعر ببعض الراحة. لكن احترامه الصادق جعلني أواجه نفسي بلا أعذار.

في تلك الليلة عدت إلى بغداد وأنا شخص مختلف. للمرة الأولى رأيت حياتي كما هي، بلا زينة ولا أكاذيب. رأيت أنني قضيت سنوات أطارد صورة النجاح بينما أتخلى عن الأشياء التي تمنح النجاح معناه الحقيقي. وعندما وصلت إلى المنزل وسمعت كلمات رنا المعتادة، لم أشعر بالغضب ولا الحزن. شعرت فقط بأنني استيقظت أخيرًا من حلم طويل.

استقلت من عملي بعدها بأيام قليلة، وبدأت إجراءات الانفصال. كانت مرحلة صعبة ومؤلمة ومليئة بالخسائر المادية، لكنني كنت أشعر للمرة الأولى أنني أتحرك في الاتجاه الصحيح. بدأت مشروعًا صغيرًا يعتمد على خبرتي، وعشت أشهرًا من القلق والتحديات، لكنني كنت حرًا. حرًا من الإهانة، وحرًا من الحاجة إلى إثبات نفسي للآخرين.

بعد عام كامل، وبينما كنت أسير في أحد شوارع بغداد، مررت بموقع بناء ضخم. وهناك رأيت خالد مجددًا. هذه المرة لم يكن مجرد مشرف على العمال، بل كان يدير شركة ناجحة أسسها بجهده. تحدثنا طويلًا، ثم سألته عن سارة. ابتسم وأخبرني أنها بخير، وأنهما رزقا بطفل أسمياه «كرم».

توقفت للحظة وأنا أستمع إليه. لم أشعر بالغيرة كما توقعت، بل بشيء يشبه الراحة. أدركت أن بعض القصص لا تنتهي بأن يعود البطل إلى الحب الذي أضاعه، بل بأن يتعلم الدرس الذي كان يرفض تعلمه. سارة لم تكن الجائزة التي خسرتها، بل كانت المرآة التي كشفت لي عيوبي. وخالد لم يكن العريس الفقير الذي جئت لأحتقره، بل كان الصدمة التي أيقظتني من سنوات الغرور.

واصلت السير وسط زحام المدينة، وأنا أفكر في الحقيقة التي احتجت سنوات طويلة كي أفهمها. المال مهم، والطموح مهم، والنجاح مهم، لكن كل ذلك يصبح بلا قيمة عندما يفقد الإنسان احترامه لنفسه أو يتخلى عن الناس الذين أحبوه بصدق. بعض الأخطاء لا يمكن إصلاحها، وبعض الفرص لا تعود أبدًا، لكن الإنسان يستطيع دائمًا أن يتعلم، وأن يبدأ من جديد، وأن يصبح أفضل مما كان عليه بالأمس.

أما أنا، فما زلت أتعلم كل يوم كيف أعيش بكرامة. وما زلت أحمل ندمي معي، ليس كعقاب، بل كتذكير دائم بأن القلب الذي يختار المظاهر على حساب المشاعر قد يربح العالم كله، ثم يكتشف متأخرًا أنه خسر أهم شيء فيه.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان