بالفيديو كارثة الهيمالايا| جبل جليدي تحول إلى موجة قاتلة.. تفسير المشهد المرعب بين نيبال والصين

بالفيديو كارثة الهيمالايا| جبل جليدي تحول إلى موجة قاتلة.. تفسير المشهد المرعب بين نيبال والصين


في صباح السادس والعشرين من أغسطس 2026، وبينما كان مئات المسافرين والتجار يعبرون معبر «غيرونغ» الحدودي بين دولة نيبال والتبت الصينية كما يفعلون كل يوم، تحول المكان خلال دقائق معدودة إلى مشهد كارثي محا الطرق والمباني والبنية التحتية بالكامل، وكاميرات المراقبة التقطت لحظات الهروب الأخيرة لأشخاص يركضون أمام جدار طيني ضخم يبتلع كل ما يصادفه في طريقه، في واحدة من أعنف الكوارث الطبيعية التي ضربت منطقة الهيمالايا خلال السنوات الأخيرة.

رقم يتضاعف كل ساعة

الأرقام الأولية التي تداولتها بعض التقارير الإخبارية عند وقوع الحادثة، تحدثت عن تسعة قتلى ومئات المفقودين، سرعان ما تجاوزتها الأحداث بفارق كبير.

اقرأ أيضًا.. فيضانات النيبال.. أضرار واسعة و289 وفاة وعمليات إنقاذ مكثفة للمتضررين

فبحلول نهاية الأسبوع، أكدت السلطات النيبالية وحدها وفاة أكثر من 734 شخصًا وفقدان نحو 2498 آخرين، بينما أعلنت السلطات الصينية في منطقة شيغاتسي التبتية وفاة 16 شخصًا إضافيًا وفقدان 546 آخرين. هذا يعني أن العدد الإجمالي للضحايا والمفقودين على الجانبين تجاوز 3700 شخص، من بينهم عشرات الجنسيات الأجنبية، بينهم أميركيون وهنود، كانوا في طريقهم لأداء رحلة حج تقليدية إلى جبل «كايلاش» المقدس على حد قولهم، والذي يحظى بمكانة روحية لدى أربع ديانات مختلفة في آن واحد، وهي البوذية والهندوسية والجاينية وديانة «بون» التبتية على حد زعمهم.

ما الذي وقع فعليًا؟

التفسير العلمي الأولي الذي قدمته فرق الرصد الزلزالي حول العالم يشير إلى أن الحدث بدأ بانهيار جليدي ضخم بالقرب من قمة «لانغتانغ ليرونغ»، وهي إحدى القمم الشاهقة في سلسلة الهيمالايا التي يتجاوز ارتفاعها 7200 متر.

وهذا الانهيار، الذي يرجح أنه تضمن انزلاقًا صخريًا مصاحبًا للكتلة الجليدية، أنتج قوة اهتزاز كافية لتسجَل كهزة أرضية بلغت قوتها 5.2 درجة على مقياس ريختر، رصدتها أجهزة قياس الزلازل في محطات متفرقة حول العالم، رغم أنها لم تكن زلزالًا تكتونيًا بالمعنى التقليدي، بل ناتجة عن الطاقة الهائلة لسقوط ملايين الأطنان من الجليد والصخور دفعة واحدة.

وهذا النوع من الأحداث يندرج علميًا تحت ظاهرة تعرف باسم «فيضان انفجار البحيرة الجليدية»، وتحدث هذه الظاهرة حين تتشكل بحيرات طبيعية خلف سدود جليدية أو ركامية غير مستقرة في المرتفعات الجبلية، ونتيجة ذوبان الأنهار الجليدية تدريجيًا مع ارتفاع درجات الحرارة العالمية.

وحين ينهار جزء من الجليد المحيط فجأة، سواء بفعل الحرارة أو الاهتزاز أو الجاذبية البسيطة، تندفع كتلة الجليد والصخور نحو البحيرة المحتجزة، فتحدث موجة ضغط هائلة تكسر السد الطبيعي المحيط بها خلال ثواني، مطلقة كميات مياه هائلة نحو الوديان السفلية بسرعة مفاجئة يصعب التنبؤ بتوقيتها الدقيق مسبقًا.

فالمياه الهائجة اندفعت أولًا داخل مجرى صغير يعرف بـ«لهيندي كولا»، ليصب لاحقًا في نهر «بهوتي كوشي»، ثم نهر «تريشولي» الأكبر، حاملة معها الطين والصخور والحطام عبر مسافة تتجاوز 72 كيلومترًا داخل الأراضي النيبالية.

وبحسب قياسات ميدانية، ارتفع منسوب المياه في نهر تريشولي بمقدار تسعة أمتار كاملة خلال 30 دقيقة فقط، وهو ارتفاع يعادل طابقًا ثالثًا في مبنى سكني عادي، حدث خلال نصف ساعة فقط لا أكثر.

وربما الرقم الأكثر إثارة للدهشة من الناحية الفيزيائية البحتة هنا عزيزي القارئ، هو سرعة انتقال هذه الكتلة المدمرة نفسها، إذ قطعت المياه والحطام مسافة تقارب 22 كيلومترًا خلال ست دقائق وخمسين ثانية فقط، وفق تحليلات أولية لشبكة «سي إن إن».

وهو ما يعادل سرعة تتجاوز 190 كيلومترًا في الساعة لكتلة سائلة محملة بالطين والصخور والأشجار المقتلعة، وهي سرعة تجعل أي فرصة حقيقية للهروب أو الإنذار المبكر شبه معدومة لمن كان في مسارها المباشر.

معبر حدودي محاصر بمياه لا تزال تتحرك

في الجانب الصيني من الحدود، غطت طبقة من الطين مناطق واسعة حول معبر غيرونغ بعمق تجاوز متر ونصف المتر في المتوسط، وزاد في بعض الأجزاء عن مترين كاملين، بحسب ما نقلته شبكة التلفزيون المركزي الصيني «سي سي تي في».

ودمرت الطرق المؤدية للمعبر بالكامل، وانقطعت خطوط الاتصالات والكهرباء عن المنطقة، بينما اكتشفت فرق الإنقاذ لاحقًا وجود ما يعرف بـ«بحيرة سد حاجزة» تشكلت حديثًا نتيجة الانهيارات نفسها في اتجاه المعبر، وهي بحيرة قد تنهار في أي لحظة مسببة موجة فيضان ثانوية جديدة إن استمر هطول الأمطار الخفيفة في المنطقة، وهو ما جعل السلطات الصينية تحذر صراحة من احتمال وقوع انهيارات أو فيضانات إضافية خلال الأيام التالية مباشرة.

والمنطقة نفسها ليست غريبة تمامًا عن هذا النوع من الفيضانات المفاجئة، فمنذ عام 1900، سجلت عشرات الفيضانات المشابهة، وإن كانت أصغر حجمًا بكثير، عبر هذا الممر الحدودي تحديدًا.

وفي الصيف الماضي فقط، سنة 2025، ضرب فيضان مماثل نهر «لهيندي» القريب نفسه، مخلفًا 11 قتيلًا وأضرارًا كبيرة، بعد ما رجحه مركز دولي متخصص في دراسة جبال الهيمالايا بأنه ناتج عن انفجار مماثل لبحيرة جليدية علوية.

وهذا التكرار المتصاعد في وتيرة هذه الكوارث يتماشى مع تحذيرات علمية متكررة من أن ذوبان الأنهار الجليدية المتسارع في سلسلة الهيمالايا، نتيجة الاحتباس الحراري العالمي، يزيد باستمرار من عدد البحيرات الجليدية غير المستقرة في المنطقة، ومعها احتمالية انهيارها المفاجئ دون إنذار كافٍ.

في سباق مع الزمن والطين

أعلنت الحكومة الصينية عن تعبئة موارد ضخمة للاستجابة، شملت أكثر من 681 من رجال الإطفاء، و13 كلبًا مدربًا على البحث، و113 مركبة، و47 طائرة مسيّرة، بينما أمر الرئيس الصيني شي جين بينغ شخصيًا بتكثيف عمليات البحث والإنقاذ، وأرسل مسؤولًا رفيع المستوى لزيارة موقع الكارثة مباشرة، وهي خطوة نادرة نسبيًا تعكس حجم الجدية التي تعاملت بها بكين مع الحادثة.

في المقابل، خصصت الأمم المتحدة مبلغ مليوني دولار عاجل لدعم ضحايا الفيضانات في نيبال، وحرّكت فرق طوارئ ميدانية إلى المنطقة المنكوبة مباشرة.

درس جيولوجي مكلف

ما تكشفه هذه الكارثة، بعيدًا عن حجم الخسائر البشرية المأساوية، هو هشاشة حقيقية تواجهها مناطق جبلية شاسعة حول العالم، حيث تتحول أنهار جليدية بدت لعقود طويلة ثابتة ومستقرة، إلى قنابل موقوتة يصعب التنبؤ بتوقيت انفجارها بدقة، مهما تطورت تقنيات الرصد الجيولوجي والزلزالي.

وربما يكون السؤال الأهم الذي طرحه علماء البيئة والمناخ عقب هذه الكارثة مباشرة ليس «هل ستتكرر مثل هذه الأحداث؟»، بل «أين ومتى ستضرب المرة القادمة؟»، في ظل استمرار ذوبان الجليد المرتبط بتغير المناخ عبر سلسلة جبال تمتد لآلاف الكيلومترات، وتحتضن تحتها بحيرات كثيرة أخرى لا يعرف أحد بالضبط أيها القادمة في طريقها للانهيار.

المصادر:

www.cnn.com

www.cbsnews.com

انضم للمجتمع

محمد الكيلاني
محمد الكيلاني