جدل تصحيح الخريطة| الأمم المتحدة تصوت لإنهاء 450 عامًا من تصغير أفريقيا بصريًا.. ومعارضة أمريكية!

جدل تصحيح الخريطة| الأمم المتحدة تصوت لإنهاء 450 عامًا من تصغير أفريقيا بصريًا.. ومعارضة أمريكية!


صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الجمعة الماضي لصالح قرار يدعو إلى التخلي التدريجي عن خريطة «مركاتور» التي وضعها عالم الخرائط الفلمنكي جيرارد مركاتور في القرن السادس عشر، لصالح خرائط أكثر دقة تعكس الحجم الحقيقي للقارات، وعلى رأسها القارة الأفريقية لكل تأكيد، وقد حمل القرار الذي يعرف باسم «تصحيح الخريطة»، تأييدًا واسعًا بلغ 164 صوتًا، مقابل معارضة الولايات المتحدة وحدها، وامتناع ست دول أخرى عن التصويت.

توجو تقود حملة أفريقية استمرت سنوات

قادت دولة توجو، نيابة عن مجموعة الدول الأفريقية، جهود التفاوض حول هذا القرار، مستندة إلى حملة أوسع دعمها الاتحاد الأفريقي منذ سنوات.

اقرأ أيضًا.. أكاديمية البحث العلمي تطلق 6 مبادرات لدعم الصناعة والزراعة

وقال وزير الخارجية التوجولي روبرت دوسي أمام الجمعية العامة إن الخرائط تشكل فهمنا للعالم، مضيفًا أنها توجه التعليم، وتغذي الخيال، وتؤثر على التصورات الجماعية، وأنها لهذا السبب ليست محايدة أبدًا، فحين تقدم صورة مشوهة لكوكبنا فإنها تخاطر بترسيخ تمثيل غير دقيق يتوارث عبر الأجيال.

وأوضح دوسي أن الهدف ليس إدانة خريطة مركاتور أو نزع فائدتها الملاحية التي صممت من أجلها في الأساس، بل تصحيح الاستخدام الواسع لها في التعليم والإعلام والمنصات الرقمية والوثائق الرسمية رغم أنها لم تصمم لهذا الغرض أساسًا.

وختم بجملة لافتة، حيث قال: «الخريطة العادلة لا تغير جغرافيا العالم، بل تغير الطريقة التي نراه بها».

فجوة بين المساحة الحقيقية والمساحة المرسومة

يكمن جوهر الإشكالية عزيزي هنا في أن خريطة مركاتور، المصممة أصلًا لخدمة الملاحة البحرية عام 1569 عبر خطوط ثابتة الاتجاه بالنسبة لخط الاستواء، تضخم حجم الكتل اليابسة كلما ابتعدت عن خط الاستواء واقتربت من القطبين.

ونتيجة لذلك، تظهر جرينلاند على الخريطة بحجم مقارب لحجم القارة الأفريقية بأكملها، رغم أن المساحة الفعلية لأفريقيا تفوق مساحة جرينلاند بنحو 14 مرة.

كما تظهر الخريطة نفسها جرينلاند أكبر من قارة أمريكا الجنوبية بأكملها، رغم أن الأخيرة أكبر منها بمساحات شاسعة في الواقع.

ويشير القرار الأممي إلى أن هذا التشويه لا يقتصر على أفريقيا وحدها، بل يمتد ليشمل التقليل من الحجم المرئي لأمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، بينما تحظى الولايات المتحدة وروسيا والصين بحضور بصري مبالغ فيه مقارنة بحجمها الفعلي على الخريطة، بحسب ما ورد في نص القرار الذي استعرضته شبكة «سي إن إن».

عدالة معرفية

يصف القرار عملية تصحيح هذه التشوهات بأنها فعل «عدالة معرفية وترميم للذاكرة»، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الانحرافات الخرائطية عبر الزمن كانت له «تبعات كبيرة» على مستويات متعددة، من بينها التعليم والفهم العام والثقافة والجغرافيا السياسية وسرديات التنمية والنظرة العامة لحجم أفريقيا وإمكاناتها الحقيقية.

ويربط القرار بشكل مباشر بين هذا التمثيل المشوه وبين التقليل من إدراك الواقع الاجتماعي والاقتصادي، واحتياجات البنية التحتية، والإمكانات التنموية في دول الجنوب العالمي، محذرًا من أن هذه التشوهات قد تغذي أشكالًا من التحيز في المجالات البيئية والجيوسياسية والأمنية.

ويقترح القرار، كبديل عملي، اعتماد إسقاط «الأرض المتساوي»، وهو نموذج خرائطي طوره عام 2018 كل من توم باترسون وبرنارد جيني وبويان شافريتش، بهدف تقديم تمثيل أكثر دقة للحجم النسبي للكتل اليابسة حول العالم، وإن كان يحدث بعض التشوه الطفيف في الأشكال مقابل الحفاظ على دقة المساحات.

قرار غير ملزم.. ويحمل ثقلًا

من المهم التوضيح أن هذا القرار لا يفرض حظرًا رسميًا على استخدام خريطة مركاتور، ولا يلزم أي دولة أو مؤسسة بالتخلي عنها بشكل قسري.

فالقرار، بحسب نصه، يقتصر على تشجيع الحكومات والمدارس والمنظمات الدولية وشركات التكنولوجيا حول العالم على استخدام إسقاط الأرض المتساوية وغيره من الخرائط المتساوية المساحة عندما يكون الحجم النسبي للقارات أمرًا مهمًا، إلى جانب تشجيع تدريس حدود أي خريطة مسطحة في تمثيل كوكب كروي الشكل بدقة كاملة.

ورغم الطابع غير الملزم للقرار، أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، في كلمة ألقاها بجامعة السوربون بباريس، أن بلاده «ستتخلى عن إسقاط مركاتور» لصالح تمثيلات خرائطية أكثر ملاءمة لاستخدامات محددة، وأكثر أمانة تجاه المساحات الفعلية، بما يتماشى مع توصيات علماء رسم الخرائط والعلماء المختصين.

معارضة أمريكية

جاءت المعارضة الوحيدة للقرار من الولايات المتحدة، إذ انتقد مندوبها في الأمم المتحدة، مايك والتز، مناقشة الجمعية العامة لموضوع إسقاطات خرائط من القرن السادس عشر ودورها في الترويج للتعويضات والعدالة المعرفية، بدلًا من التركيز على تحديات السلام والأمن الدوليين.

ووصف مثل هذه القرارات بأنها «عوالق تعلق بعمل هذه المؤسسة»، معتبرًا إياها سببًا في فقدان الأمم المتحدة مصداقيتها وعدم أخذها على محمل الجد بشكل متكرر.

ولم يأتي هذا التصويت من فراغ، إذ سبقته حملة شعبية تحت اسم «صحح الخريطة» قادتها منظمات من بينها «أفريكا نو فيلتر» و«سبيك أب أفريكا»، بدعم من الاتحاد الأفريقي، وجمعت آلاف التوقيعات عبر عريضة إلكترونية دولية.

وقالت نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي سلمى مالكة حدادي، في تصريحات سابقة لوكالة «رويترز»، إنه حين يساء تمثيل حجم أفريقيا على الخرائط، فإن تصور العالم عن القارة يتشوه بدوره أيضًا، في مجالات الإعلام والتعليم والسياسات العامة على حد سواء.

وأشارت «جوجل مابس» من جانبها إلى أنها جعلت خريطة مركاتور اختيارية في نسختها المخصصة لأجهزة الحاسوب منذ عام 2018.

المصادر:

news.un.org

www.cnn.com

انضم للمجتمع

محمد الكيلاني
محمد الكيلاني