في مدينة بوخارست، تدور معركة بين حكومة تحاول ضبط سوق العمل، وشركات تصرخ من نقص الأيدي العاملة، وآلاف الشباب حول العالم يبحثون عن فرصة عمل شرعية داخل الاتحاد الأوروبي، وهذه المعركة أفرزت هذا العام نظامًا قانونيًا جديدًا بالكامل لاستقدام العمالة من خارج أوروبا، غير كل تفصيلة في طريقة التقديم والشروط والمواعيد، وهو ما يستحق أن نتوقف عنده بالتفصيل قبل أن يفكر أي شخص في التقديم.
أزمة عمالة
القصة بدأت من أزمة حقيقية، فبحسب تقرير نشره موقع (Romania Insider) ونقلته منصة (etias) المتخصصة في شؤون التأشيرات الأوروبية، يواجه أصحاب العمل في رومانيا معضلة مزدوجة، فهم يجدون صعوبة في جذب عمالة أجنبية، ثم يجدون صعوبة أكبر في الاحتفاظ بها بعد وصولها، لأن كثيرًا من العمال القادمين من آسيا يغادرون لاحقًا نحو دول أوروبية أخرى تمنحهم رواتب وظروف معيشية أفضل.
اقرأ أيضًا.. فرصة ذهبية للسفر إلى ألمانيا.. باب التطوع مفتوح الآن بتمويل ومزايا مغرية
وقد عبر يوسف غافرييل بيساخ، المدير العام لشركة التوظيف الدولية، عن جوهر هذه الأزمة بقوله إن مجرد جلب العمال لم يعد كافيًا بحد ذاته، بل باتت قدرة الشركة على الاحتفاظ بهم هي الميزة التنافسية الحقيقية في السوق الحالي.
ورغم هذا النقص الحاد في قطاعات كالبناء والفندقة والتصنيع، فوجئ كثيرون هذا العام حين قررت الحكومة الرومانية تقليص كوتة استقدام العمالة الأجنبية بدلًا من زيادتها، لتنخفض من مئة ألف عامل في العام الذي سبقه إلى تسعين ألف عامل فقط لعام 2026، بحسب القرار الحكومي رقم 1169 الصادر في نهاية ديسمبر 2025 والمنشور في الجريدة الرسمية.
وهذا التخفيض جاء رغم استمرار وجود شواغر ملحّة في وظائف رئيسية، لكن الحكومة فضّلت كوتة أضيق لتحقيق توازن أفضل مع ضغوط سوق العمل المحلي.
مرسوم واحد يقلب موازين الاستقدام
الأهم من الأرقام عزيزي هو أن الطريقة التي يستقدم بها العامل الأجنبي تغيرت جذريًا هذا العام، فوفقًا لتحليل مفصّل، فقد أصدرت الحكومة الرومانية في السابع والعشرين من أبريل 2026 مرسومًا حكوميًا طارئًا يحمل الرقم 32 لسنة 2026، أعاد تشكيل منظومة استقدام العمالة الأجنبية بالكامل.
بما في ذلك ترخيص شركات التوظيف والتنسيب ومراقبتها، وتوحيد إجراءات تأشيرات الإقامة الطويلة الخاصة بالعمل، ومنحت الحكومة نفسها فترة انتقالية امتدت حتى السابع من أغسطس 2026 الماضي، لتسجيل أصحاب العمل وترخيص شركات التوظيف واختبار المنصة الإلكترونية الجديدة.
على أن يبدأ التطبيق الكامل والفعلي للنظام الموحّد اعتبارًا من الثامن من أغسطس الماضي 2026 مباشرة، أي أن النظام الذي نتحدث عنه الآن ساري فعليًا ومطبق بالكامل منذ ذلك التاريخ.
تأشيرتان جديدتان
بموجب هذا النظام الجديد، حلت فئتان من تأشيرات الإقامة الطويلة للعمل محل نظام «التصريح الواحد» القديم الذي كان معمولًا به لسنوات.
فالفئة الأولى تحمل الرمز (D/AM1) أي «تأشيرة العمالة الماهر»، وهي مخصصة للعمالة عالية التأهيل والفئات الخاصة، ولا تخضع لأي كوتة سنوية ولا لقائمة مهن محددة مسبقًا، ما يجعلها المسار الأسرع لأصحاب الكفاءات النادرة والتخصصات الدقيقة.
أما الفئة الثانية فتحمل الرمز (D/AM2) أي «تأشيرة العمالة العامة»، وهذه هي الفئة التي تخضع للكوتة السنوية المحدودة بتسعين ألف عامل، والأهم أنها مقيّدة أيضًا بما يعرف رسميًا بقائمة المهن التي تعاني نقصًا، والتي اعتمدتها وزارة العمل الرومانية بموجب القرار الوزاري رقم 1073 لسنة 2026 ونشرت في الجريدة الرسمية في الخامس من أغسطس 2026
لتضم في نسختها النهائية ثلاثًا وخمسين مهنة إضافية عن المسودة الأولية التي كانت قد طُرحت للنقاش قبل ذلك بأسابيع.
وهذه القائمة ليست ثابتة إلى الأبد، بل تحدث بشكل نصف سنوي وفقًا لبيانات سوق العمل الفعلية، بمعنى أن مهنة غير مدرجة اليوم قد تُضاف لاحقًا أو العكس.
منصة إلكترونية واحدة
من أبرز ملامح الإصلاح أيضًا إطلاق منصة إلكترونية موحدة تحمل اسم (WorkinRomania.gov.ro)، وترجمتها للعربية «اعمل في رومانيا»، أصبحت نقطة التسجيل والتقديم الوحيدة لأصحاب العمل الراغبين في استقدام موظفين من خارج الاتحاد الأوروبي، بعدما كانت الإجراءات موزعة سابقًا بين جهات متعددة تسبب بطئًا وتعقيدًا لسنوات طويلة.
وبحسب مصادرنا فإن تصريح العمل لا يمكن بأي حال أن يتقدم به العامل نفسه بصفته الشخصية، بل يجب أن يتقدم به صاحب العمل حصريًا عبر المفتشية العامة للهجرة والتي تلتزم عادة بمهلة قصوى تصل إلى ثلاثين يومًا للبتّ في الطلب، مع إمكانية تمديدها خمسة عشر يومًا إضافيًا إذا استدعى الأمر تدقيقًا إضافيًا في الملف.
ويمكن متابعة الإجراءات الرسمية للمفتشية عبر موقعها المباشر.. «اضغط هنا»
الأوراق المطلوبة
بخصوص المستندات والشروط، فتشير مصادر متخصصة عدة في التوظيف الدولي مثل إلى أن أبرز ما يطلب من العامل الأجنبي عرض عمل موقع رسميًا من شركة رومانية مسجلة، وإثبات المؤهلات العلمية والخبرة العملية المطلوبة لطبيعة الوظيفة.
وشهادة خلو من السوابق الجنائية صادرة من بلد المنشأ، أي للمصريين من مصر، وإثبات وجود سكن مناسب داخل رومانيا، إلى جانب تأمين صحي ساري المفعول يغطي فترة الإقامة بالكامل، ثم التقدم لاحقًا بطلب الحصول على رقم ضريبي محلي خلال مهلة قصيرة بعد الوصول إلى البلاد، غالبًا لا تتجاوز الثلاثين يومًا.
وهناك شرطًا ماليًا مهمًا، إذ يجب على العامل إثبات قدرته على تغطية الحد الأدنى للمعيشة، خصوصًا بعدما رفعت الحكومة الرومانية الحد الأدنى للأجور اعتبارًا من الأول من يوليو 2026 إلى نحو أربعة آلاف وثلاثمئة وخمسة وعشرين ليو رومانيًا شهريًا كراتب إجمالي.
متى تغلق الأبواب فعليًا؟
هنا نصل إلى السؤال الذي يشغل بال كثيرين، متى تنتهي فترة التسجيل بالضبط؟.. الحقيقة أن الأمر مختلف قليلًا عن فكرة موعد نهائي ثابت كما في المسابقات أو المنح الدراسية، فالكوتة السنوية تفتح مطلقًا في بداية كل عام وتظل سارية طوال السنة نفسها حتى نهايتها في الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026.
لكنها في الوقت نفسه سقف عددي وليس موعدًا زمنيًا، بمعنى أنها قد تستنفد بالكامل قبل نهاية العام إذا امتلأت الأعداد المسموح بها من التسعين ألف عامل، وحينها تتوقف الموافقة على أي طلبات جديدة فورًا مهما كانت درجة إلحاحها أو اكتمال أوراقها، ولا تُفتح كوتة جديدة إلا مع بداية العام التالي.
فالكوتة تحتسب لحظة تقديم الطلب نفسه لا لحظة دخول العامل الفعلي للبلاد، بمعنى أن طلبًا قُدّم أثناء توفر الكوتة قد يرفض لاحقًا إذا لم يبت فيه قبل نفادها.
وأضف إلى ذلك أن أرباب العمل أنفسهم يشتكون بالفعل من أن الطلب على الاستقدام يفوق حجم الكوتة المتاحة بشكل كبير، وهو ما يعني عمليًا أن من يريد فرصة حقيقية هذا العام عليه ألا ينتظر حتى أواخر السنة، بل التحرك مبكرًا قدر الإمكان قبل أن تستنفد الأعداد المتاحة.
المصادر: