في عصر أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي هي المحرك الأساسي لكثير من التصرفات اليومية، لم نعد نستغرب رؤية مشاهد غير مألوفة تتسابق لحصد الإعجابات والمشاهدات. ولكن، أن يتحول السعي وراء “التريند” أو حتى الخلل النفسي غير المعالج إلى قنبلة موقوتة تهدد حياة الأبرياء في الشوارع، فهذا هو ناقوس الخطر الذي يجب أن نتوقف عنده طويلاً. مؤخراً، ضج تطبيق “إنستجرام” بمقطع فيديو يحبس الأنفاس لشخص يقف في أعلى نقطة هيكلية على كوبري ترسا بمحافظة الجيزة، متقمصاً دور “سبايدر مان”، في مشهد عبثي يجمع بين الرعونة والاستهتار المطلق بأرواح الآخرين.
الفيديو الذي انتشر كالنار في الهشيم، لم يكن مجرد لقطة عابرة لشخص متهور، بل كان يجسد مأساة حقيقية متعددة الأبعاد. الشاب الواقف على الحافة الحديدية المرتفعة، غير مكترث بالسيارات المسرعة أسفله، يطرح تساؤلاً مرعباً في ذهن كل من شاهد المقطع: ماذا لو زلت قدمه؟ ماذا لو سقط فجأة؟ والسؤال الأهم الذي طرحه مصور المقطع بمرارة: “ما ذنب صاحب أي سيارة من المارة بالأسفل؟”
صناعة المأساة: عندما يسقط شخص غير متزن على سيارة عابرة
تخيل معي هذا السيناريو المرعب: أنت تقود سيارتك عائداً من عملك المنهك، أو ربما تصطحب أسرتك في نزهة هادئة، تلتزم بقواعد المرور وتسير في الحارة المخصصة لك أسفل كوبري ترسا. فجأة، وبدون أي مقدمات، يسقط جسم بشري ضخم من السماء ليتحطم على زجاج سيارتك الأمامي. في جزء من الثانية، تنقلب حياتك رأساً على عقب.
إن سقوط شخص من هذا الارتفاع الشاهق لا يعني فقط نهاية حياته المأساوية، بل يعني تدميراً كاملاً لحياة السائق البريء الذي تواجد في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ. العواقب هنا لا تقتصر على الأضرار المادية الجسيمة التي تلحق بالسيارة، بل تمتد لتشمل:
- الصدمة النفسية العنيفة: مشهد تحطم شخص على سيارتك هو صدمة أو “تروما” قد تلازم السائق طوال حياته، وتجعله غير قادر على القيادة مجدداً أو حتى ممارسة حياته بشكل طبيعي.
- المساءلة القانونية المعقدة: بالرغم من أن السائق هو الضحية هنا، إلا أنه سيجد نفسه مضطراً للمرور بسلسلة من التحقيقات في النيابة العامة، وإجراءات إثبات البراءة، واحتجاز السيارة للفحص الجنائي، مما يعطل حياته ويضعه تحت ضغط عصبي هائل لا ذنب له فيه.
- خطر الحوادث المتسلسلة: سقوط شخص فجأة أمام السيارات المسرعة سيؤدي حتماً إلى محاولة السائقين تفاديه بشكل مفاجئ، مما قد يتسبب في تصادمات كارثية بين عدة سيارات، ليتسع نطاق الكارثة وتتعدد الضحايا.
شهامة المارة ومحاولات الإنقاذ المهدورة
الجانب المضيء والمحبط في نفس الوقت في هذه الواقعة، هو رد فعل الشارع المصري المعتاد؛ الشهامة. يروي موثقو الفيديو أنهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي يصورون المشهد فقط، بل تدخلوا بالفعل. لقد خاطر بعض الشباب وصعدوا إليه، وتحدثوا معه حتى أقنعوه بالنزول، وبالفعل تم إنزاله بسلام من أعلى نقطة في الكوبري.
ولكن الصدمة جاءت لاحقاً. يقول أحد المارة: “إحنا نزلناه، وبعد ما مشينا طلع تاني!”. هذا التصرف العبثي والإصرار على العودة إلى منطقة الخطر يسلط الضوء على نقطتين في غاية الخطورة:
أولاً: قد نكون أمام حالة من الخلل النفسي الشديد أو الانفصال عن الواقع (شخص غير متزن). في مثل هذه الحالات، التدخل الشعبي والمناصحة اللفظية لا يكفيان. المريض النفسي أو الشخص الواقع تحت تأثير أزمات حادة أو مواد مغيبة للعقل، لا يدرك عواقب أفعاله، وعودته للصعود فور انصراف المنقذين هو دليل قاطع على أنه يحتاج إلى تدخل احترافي واحتجاز طبي.
ثانياً: هوس الـ “سوشيال ميديا”. في أحيان أخرى كثيرة، لا يكون الدافع هو المرض، بل السعي المجنون وراء المشاهدات وتصوير مقاطع بطولية زائفة. هؤلاء الأشخاص مستعدون لإعادة تصوير المشهد عشرات المرات حتى يحصلوا على اللقطة “المثالية” التي ستجلب لهم التفاعل على إنستجرام أو تيك توك، غير مدركين أن ثمن هذه اللقطة قد يكون دماءهم ودماء غيرهم.
دور الأجهزة المعنية وتأمين البنية التحتية
إن تكرار مثل هذه الحوادث (سواء محاولات استعراضية أو حالات عدم اتزان) يضعنا أمام ضرورة ملحة لمراجعة إجراءات الأمان والسلامة في البنية التحتية، وخاصة الكباري والجسور الحيوية المرتفعة مثل كوبري ترسا.
حلول مقترحة لتجنب كوارث الكباري:
- تعديل التصميمات الهندسية: يجب إضافة حواجز شبكية أو أسوار مانعة للتسلق (Anti-Climb Fences) على الأجزاء الهيكلية للكباري لمنع أي شخص من الوصول إلى القمة.
- تكثيف الرقابة الإلكترونية: تزويد الجسور بكاميرات مراقبة ذكية مزودة بخاصية الإنذار المبكر، لترسل إشارة فورية لغرف عمليات المرور بمجرد رصد أي جسم بشري في المناطق المحظورة.
- سرعة الاستجابة الأمنية: في مثل هذه الحالات، يجب ألا يُترك الأمر لاجتهادات المارة (رغم نبل نواياهم). بمجرد رصد شخص غير متزن على جسر، يجب إرسال فرق التدخل السريع من الحماية المدنية والشرطة للتعامل معه وتأمين المنطقة أسفله وإيقاف حركة المرور جزئياً حتى يتم إنزاله وتأمين المكان.
View this post on Instagram
الجانب القانوني والمسؤولية المجتمعية
من الناحية القانونية، مثل هذه التصرفات لا يجب أن تمر مرور الكرام. سواء كان الشخص مريضاً أو مدعياً للبطولة، يجب إلقاء القبض عليه فور إنزاله وعرضه على الجهات المختصة. إذا ثبت أنه يعاني من خلل نفسي، يتم إيداعه في مصحة لتلقي العلاج حمايةً له وللمجتمع. أما إذا ثبت أن فعله كان بغرض الاستعراض وإثارة الفزع، فيجب تطبيق أقصى العقوبات القانونية بتهمة تعريض حياة المواطنين للخطر وإزعاج السلطات، ليكون رادعاً لكل من تسول له نفسه تكرار هذا العبث.
أما على مستوى المسؤولية المجتمعية، فإن ناشري هذا المحتوى (إذا كان بتخطيط مسبق مع بطل الفيديو) شركاء في الجريمة. الخوارزميات التي ترفع من شأن المحتوى الصادم والمتهور تجعلنا نتحمل جزءاً من المسؤولية عندما نقوم بمشاركة هذه الفيديوهات بغرض التسلية، مما يخلق حافزاً لدى مراهقين آخرين لتقليدها.
مشهد غريب
مشهد الشاب المعلق فوق كوبري ترسا ليس مجرد فيديو عابر على إنستجرام، بل هو رسالة تحذير صارخة. ما بين شخص غیر متزن يحتاج إلى علاج، وسائق بريء لا ذنب له سوى أنه مر في هذا الشارع، تضيع الحقيقة وتحدث الكوارث. يجب ألا ننتظر حتى تسقط هذه “القنبلة الموقوتة” على إحدى السيارات لتسفك الدماء البريئة حتى نتحرك. حماية الأرواح تتطلب حزماً قانونياً، ووعياً مجتمعياً، وتأميناً هندسياً لمنع تحول جسورنا ومرافقنا العامة إلى مسارح لمآسي مجانية.