تصوير الأشخاص في الشارع.. متى يصبح جريمة يعاقب عليها القانون؟

تصوير الأشخاص في الشارع.. متى يصبح جريمة يعاقب عليها القانون؟


أصبح تصوير الأشخاص في الشارع باستخدام الهواتف المحمولة أمرًا شائعًا، سواء لتوثيق المواقف اليومية أو تسجيل الأحداث أو نشر مقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هل تصوير الأشخاص في الشارع جريمة يعاقب عليها القانون؟ وهل يحق لأي شخص توجيه كاميرته نحو الآخرين دون الحصول على موافقتهم لمجرد أنهم موجودون في مكان عام؟ هذه الأسئلة تثير جدلًا واسعًا، خاصة مع انتشار مقاطع الفيديو التي تُظهر أشخاصًا في مواقف مختلفة دون علمهم أو موافقتهم. وفي هذا السياق، حسمت محكمة النقض جانبًا مهمًا من الجدل، موضحة الفارق بين التصوير في الطريق العام وانتهاك حرمة الحياة الخاصة، وكذلك الحالات التي قد يتحول فيها استخدام الكاميرا إلى فعل يستوجب المساءلة الجنائية. ويكشف الحكم أن وجود الشخص في مكان عام لا يعني بالضرورة أن تصويره جريمة انتهاك للخصوصية، لكنه لا يمنح المصور الحق في استخدام الكاميرا بطريقة تتسبب في إزعاج الآخرين أو مضايقتهم. وتظل ظروف كل واقعة وطبيعة التصرف من الأمور المهمة في تحديد المسؤولية القانونية.

أولًا: هل تصوير الأشخاص في الشارع جريمة وفقًا لحكم محكمة النقض؟

أكدت محكمة النقض في حكم سابق لها أن مجرد تصوير الأشخاص في الطريق العام، وعلى مرأى من المارة، لا يُعد في حد ذاته انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، موضحة أن هناك فارقًا قانونيًا بين التصوير في الأماكن العامة والتصوير داخل الأماكن الخاصة التي تتمتع بحماية الخصوصية. ويأتي هذا التوضيح في إطار تفسير المحكمة لأحكام المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، التي تتعلق بحماية الحياة الخاصة ومواجهة صور معينة من الاعتداء عليها. ولا يعني الحكم أن التصوير أصبح مباحًا في جميع الظروف، وإنما يوضح أن مجرد وجود شخص في الشارع وتصويره لا يكفي وحده لاعتبار الواقعة جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، إذ يجب النظر إلى طبيعة المكان وطريقة التصوير والظروف المحيطة بالفعل.

ثانيًا: ما المقصود بالمكان الخاص في القانون؟

أوضحت المحكمة أن المكان الخاص المقصود في سياق الحكم هو المكان المغلق الذي لا يمكن رؤيته من الخارج، ولا يُسمح للغير بدخوله، وهو ما يختلف عن الطريق العام المتاح للمارة. وتكمن أهمية هذا التمييز في أن الخصوصية تختلف باختلاف طبيعة المكان والظروف التي يوجد فيها الشخص، فوجود الإنسان داخل مكان مغلق لا يستطيع الآخرون دخوله يمنحه نطاقًا مختلفًا من الحماية مقارنة بوجوده في الطريق العام. ومع ذلك، لا ينبغي فهم هذا التفسير باعتباره إلغاءً لحق الإنسان في الخصوصية خارج منزله، فهناك صور أخرى من الاعتداء أو المضايقة قد تترتب عليها مسؤولية قانونية بحسب ظروف الواقعة والنصوص القانونية المنطبقة عليها. ولذلك فإن تحديد طبيعة المكان يمثل عنصرًا مهمًا، لكنه ليس العامل الوحيد الذي يحسم قانونية التصرف.

ثالثًا: ماذا تقول المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات؟

تُعد المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات من النصوص التي تناولت صورًا من الاعتداء على الخصوصية والقيم الأسرية في المجتمع، ولذلك استندت إليها المحكمة عند بحث الاتهام المتعلق بانتهاك حرمة الحياة الخاصة. وتكمن أهمية هذه المادة في أنها تضع إطارًا للمساءلة عن بعض الأفعال التي تتم باستخدام وسائل وتقنيات المعلومات، ومن بينها صور من الاعتداء على الحياة الخاصة وفقًا للشروط التي يحددها القانون. لكن تطبيق النص القانوني لا يتم بمجرد وجود كاميرا أو هاتف محمول في الواقعة، وإنما يتطلب بحث الفعل المنسوب إلى المتهم ومدى انطباق عناصر الجريمة عليه. ولهذا فرقت محكمة النقض بين التصوير في الطريق العام وبين الاعتداء على الخصوصية بالصورة التي يعاقب عليها القانون، وفقًا لظروف القضية المعروضة عليها.

رابعًا: متى يتحول التصوير في الشارع إلى جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات؟

أوضحت تفاصيل الحكم أن التصوير في مكان عام لا يمنع المساءلة القانونية إذا ارتبط بطريقة استخدام تمثل إزعاجًا أو مضايقة للآخرين. ففي الواقعة محل الحكم، رأت المحكمة أن التصوير، رغم حدوثه في الطريق العام، شكّل إزعاجًا ومضايقة نتيجة إساءة استعمال أحد أجهزة الاتصالات. وهنا يظهر الفرق بين الفعلين؛ فالمحكمة استبعدت جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، لكنها أبقت على الإدانة عن جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات. ويعني ذلك أن تقييم الواقعة لا يتوقف عند السؤال عن مكان التصوير فقط، بل يمتد إلى كيفية استخدام الهاتف أو جهاز الاتصال، وطبيعة التصرف الذي صدر عن المصور، وما إذا كان قد تجاوز حدود الاستخدام المعتاد إلى سلوك يسبب المضايقة أو الإزعاج.

خامسًا: لماذا عدلت محكمة النقض العقوبة في الواقعة؟

بحسب تفاصيل الحكم، استبعدت محكمة النقض جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، مع الإبقاء على الإدانة عن جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات، ثم قضت بتعديل الغرامة إلى 500 جنيه، مع الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية، وأمرت بمحو التسجيل المصور. ويكشف هذا الجزء من الحكم أهمية التفرقة بين الوصف القانوني للفعل والعقوبة المترتبة عليه؛ فقد ترى المحكمة أن بعض الاتهامات لا تتوافر عناصرها القانونية، بينما تظل هناك جريمة أخرى ثابتة وفقًا لظروف الواقعة. ومن ثم لا يعني استبعاد اتهام انتهاك الخصوصية أن المحكمة اعتبرت كل تصرفات المصور مشروعة، بل إن المساءلة استمرت عن الفعل الذي رأت أنه يشكل إساءة استعمال لأحد أجهزة الاتصالات.

سادسًا: هل نشر فيديو لشخص في الشارع يختلف عن مجرد تصويره؟

هناك فرق مهم بين مجرد التقاط صورة أو تسجيل مقطع لشخص في الطريق العام وبين التصرف في هذا التسجيل لاحقًا، مثل نشره أو تداوله أو استخدامه بطريقة قد تضر بالشخص الظاهر فيه. فالحكم المشار إليه تناول واقعة محددة تتعلق بالتصوير في الطريق العام والاتهامات المرتبطة بها، ولا ينبغي اعتباره حكمًا عامًا يجيز نشر صور الآخرين أو مقاطعهم في جميع الأحوال. فقد تثير طريقة النشر ومضمونه والظروف المحيطة به مسائل قانونية أخرى، خاصة إذا ارتبطت بالإساءة أو التشهير أو المضايقة أو الاعتداء على الخصوصية. ولذلك يجب التمييز بين مشروعية التصوير في مكان عام وفقًا لظروف معينة، وبين مشروعية نشر التسجيل أو استخدامه، فلكل تصرف ظروفه وتكييفه القانوني الذي قد يختلف عن الآخر.

سابعًا: ما الضوابط التي يجب مراعاتها عند تصوير الأشخاص في الأماكن العامة؟

رغم أن الطريق العام متاح للجمهور، فإن ذلك لا يعني تجاهل حقوق الأشخاص الذين يظهرون في الصور ومقاطع الفيديو. ومن الأفضل مراعاة مجموعة من الضوابط عند استخدام الهاتف للتصوير، ومنها عدم تعمد ملاحقة شخص بالكاميرا أو توجيهها إليه بصورة متكررة بهدف مضايقته، وعدم استخدام التسجيلات للإساءة إلى الآخرين أو التشهير بهم، والتفكير جيدًا قبل نشر أي مقطع يتضمن أشخاصًا يمكن التعرف عليهم. كما ينبغي احترام طلبات الأشخاص المتعلقة بعدم تصويرهم، وتجنب تحويل المواقف الشخصية أو الخلافات اليومية إلى محتوى يُنشر على مواقع التواصل. وهذه الضوابط تمثل سلوكًا مسؤولًا في التعامل مع الآخرين، مع التأكيد أن تحديد ما إذا كان تصرف معين يشكل جريمة يظل مرتبطًا بظروف الواقعة والنص القانوني المنطبق عليها.

ثامنًا: ماذا يعني حكم النقض للمواطنين ومستخدمي الهواتف المحمولة؟

يحمل الحكم رسالة مهمة لمستخدمي الهواتف المحمولة، وهي أن وجود الشخص في الطريق العام لا يجعل تصويره تلقائيًا جريمة انتهاك لحرمة الحياة الخاصة، لكنه لا يمنح المصور حصانة مطلقة من المساءلة. فهناك فرق بين توثيق مشهد عام بصورة عادية وبين استخدام الهاتف في سلوك يسبب الإزعاج أو المضايقة، كما أن نشر التسجيلات قد يثير مسائل قانونية مختلفة عن مجرد التقاطها. ومن المهم أيضًا ألا يتعامل المواطنون مع الحكم باعتباره تصريحًا مفتوحًا بتصوير أي شخص أو نشر صوره دون مراعاة حقوقه. فالحكم صدر في واقعة محددة، وتظل لكل قضية تفاصيلها وأدلتها وظروفها التي تنظرها المحكمة عند تحديد المسؤولية. لذلك فإن الاستخدام الواعي للكاميرا واحترام خصوصية الآخرين يظلان أمرين ضروريين لتجنب النزاعات والمساءلة القانونية.

أسئلة شائعة

هل تصوير الأشخاص في الشارع جريمة في مصر؟

ليس بالضرورة؛ فوفقًا لما أوضحته محكمة النقض، مجرد تصوير شخص في الطريق العام وعلى مرأى من المارة لا يُعد في حد ذاته انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، لكن قد تنشأ مسؤولية قانونية إذا ارتبط التصوير بفعل مجرم آخر بحسب ظروف الواقعة.

هل يحق لي تصوير أي شخص في مكان عام دون إذنه؟

الحكم المشار إليه لا يمنح تصريحًا مطلقًا بتصوير الجميع دون قيود، وإنما يوضح أن مجرد التصوير في الطريق العام لا يحقق وحده جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة، مع ضرورة مراعاة طريقة التصوير والحقوق القانونية للآخرين.

هل نشر فيديو لشخص دون علمه يعرضني للمساءلة؟

قد يثير النشر مسؤولية قانونية بحسب محتوى التسجيل وطريقة استخدامه والظروف المحيطة به، ولا يمكن اعتبار كل حالات النشر مباحة لمجرد أن التصوير حدث في الشارع.

ما الفرق بين التصوير في الشارع والتصوير في مكان خاص؟

أوضحت المحكمة أن المكان الخاص في سياق الحكم هو المكان المغلق الذي لا يمكن رؤيته من الخارج ولا يُسمح للغير بدخوله، بينما الطريق العام متاح للمارة، وهو ما يؤثر في التكييف القانوني لواقعة التصوير.

ما العقوبة التي قضت بها محكمة النقض في الواقعة؟

عدلت المحكمة الغرامة إلى 500 جنيه، مع الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية عن جريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وأمرت بمحو التسجيل المصور، بعد استبعاد جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة.

هل كل تصوير يسبب إزعاجًا يعتبر جريمة؟

لا يمكن الجزم بذلك بصورة عامة؛ إذ يتوقف الأمر على طبيعة السلوك والظروف والأدلة ومدى انطباق النص القانوني على الواقعة، وتختص المحكمة بتحديد الوصف القانوني الصحيح.

الخلاصة: يوضح حكم محكمة النقض أن تصوير الأشخاص في الشارع لا يُعد تلقائيًا انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، لكن استخدام الكاميرا بطريقة تتسبب في إزعاج الآخرين أو مضايقتهم قد يضع صاحبها أمام مساءلة قانونية. لذلك فإن الفارق الحقيقي لا يتعلق بمكان التصوير وحده، بل بطبيعة التصرف والهدف منه وكيفية استخدام التسجيل. ومن هنا تأتي أهمية احترام حقوق الآخرين وعدم اعتبار وجودهم في مكان عام تنازلًا عن كل صور الحماية القانونية المقررة لهم.

انضم للمجتمع

Rabab
Rabab