أصبح التنبؤ بأزمة ارتفاع ضغط الدم قبل حدوثها خطوة أقرب إلى الواقع، بعدما كشفت دراسة جديدة عن إمكانية الاستعانة بالساعات الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد مؤشرات مبكرة تنذر بتعرض المرضى لأزمة صحية خطيرة قبل وقوعها بنحو 3 أيام. وتفتح هذه النتائج الباب أمام تطوير وسائل أكثر دقة لمتابعة مرضى الضغط، خاصة أن الاعتماد على قراءة واحدة داخل العيادة أو المنزل قد لا يكشف جميع التغيرات التي تحدث في الجسم على مدار اليوم والليل.
ووفقًا للدراسة المقرر عرضها خلال الجلسات العلمية لجمعية القلب الأمريكية لعام 2026، فإن الجمع بين قياسات ضغط الدم المتكررة وبيانات معدل ضربات القلب قد يساعد على تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للخطر خلال الساعات الـ72 التالية. وتكمن أهمية هذه التقنية في منح الأطباء فرصة للتدخل المبكر ومراجعة الحالة الصحية للمريض، بما قد يسهم في الحد من المضاعفات الخطيرة، مع التأكيد على أنها لا تزال تقنية بحثية تحتاج إلى مزيد من الاختبارات قبل استخدامها على نطاق واسع.
كيف تساعد الساعة الذكية في التنبؤ بأزمة ارتفاع ضغط الدم؟
تعتمد التقنية الجديدة على دمج البيانات التي تجمعها أجهزة قياس ضغط الدم المحمولة ذات الكفة، مع المعلومات الصحية التي توفرها أجهزة تتبع اللياقة البدنية القابلة للارتداء على المعصم. ويحلل نموذج الذكاء الاصطناعي هذه البيانات للبحث عن تغيرات غير طبيعية قد ترتبط بزيادة احتمالات التعرض لأزمة ارتفاع ضغط الدم. ولا تقتصر المتابعة على قياس الضغط في وقت محدد، بل تشمل مراقبة الأنماط التي تتكرر خلال ساعات النهار والليل، بما في ذلك فترات النوم والاستيقاظ وممارسة الأنشطة اليومية. وتساعد هذه الطريقة على تكوين صورة أكثر شمولًا عن حالة المريض، بدلًا من الاعتماد على قراءة منفردة قد لا تعكس التغيرات التي تحدث في جسمه على مدار اليوم.
دور الذكاء الاصطناعي في تحليل ضغط الدم
يؤدي الذكاء الاصطناعي دورًا أساسيًا في هذه التقنية، إذ يستطيع معالجة كميات كبيرة من البيانات الصحية ومقارنة القراءات المتتابعة لاكتشاف الأنماط المرتبطة بارتفاع خطر الإصابة. ويحلل النظام مؤشرات متعددة، من بينها مستويات ضغط الدم ومعدل ضربات القلب والتغيرات التي تطرأ عليه، ثم يستخدم هذه المعلومات لتقدير احتمالات حدوث الأزمة خلال فترة تصل إلى 72 ساعة. وعندما يرصد النظام مؤشرات تستدعي الانتباه، يمكنه إرسال تنبيه إلى الطبيب لمراجعة حالة المريض والتواصل معه، والاستفسار عن الأعراض ومدى انتظامه في تناول العلاج. وقد يقرر الطبيب، وفقًا للتقييم الطبي، مراجعة الخطة العلاجية أو تعديلها إذا كانت الحالة تستدعي ذلك، دون أن يكون التنبيه وحده سببًا كافيًا لتغيير الدواء.
علامات مبكرة كشفتها الدراسة عن ارتفاع ضغط الدم
رصد الباحثون عددًا من التغيرات التي ارتبطت بزيادة احتمالات التعرض لأزمة ارتفاع ضغط الدم، وكان من أبرزها عدم انخفاض ضغط الدم خلال ساعات النوم بالمعدل المعتاد لدى الأشخاص الأصحاء. ووفقًا لنتائج الدراسة، ارتبط هذا النمط بزيادة احتمالات التعرض للأزمة بنحو خمسة أضعاف. كما لاحظ الباحثون أن ارتفاع ضغط الدم بأكثر من 35 ملم زئبق بعد الاستيقاظ مقارنة بمستواه أثناء الليل ارتبط بزيادة احتمالات الإصابة بنحو أربعة أضعاف. وتوضح هذه النتائج أن متابعة التغيرات التي تحدث بين الليل والنهار قد تكون مهمة في تقييم مخاطر المرضى، لكنها لا تعني أن ظهور هذه العلامات يؤكد حتمية حدوث أزمة صحية.
دراسة على 4190 مريضًا تكشف نتائج واعدة
شملت الدراسة 4190 شخصًا بالغًا تتراوح أعمارهم بين 40 و85 عامًا، وجميعهم مصابون بارتفاع ضغط الدم من المرحلة الثانية، أي أن قراءاتهم تبلغ 140/90 ملم زئبق أو أكثر وفق تصنيف الدراسة. واستمرت متابعة المشاركين لمدة 12 شهرًا، خلال الفترة من يناير 2025 إلى يناير 2026، داخل أحد المستشفيات بإقليم السند في باكستان. وخلال هذه الفترة، تعرض 312 مشاركًا لما مجموعه 418 أزمة ارتفاع ضغط الدم، وهو ما يمثل نحو 7% من إجمالي المشاركين. واستخدم الباحثون البيانات الصحية المسجلة لتقييم قدرة نموذج الذكاء الاصطناعي على التمييز بين المرضى الأكثر عرضة للخطر والأقل عرضة له، قبل وقوع الأزمة بفترة تصل إلى ثلاثة أيام.
أرقام مهمة.. ماذا حققت تقنية التنبؤ بالأزمات؟
أظهرت نتائج الدراسة مجموعة من المؤشرات التي لفتت انتباه الباحثين، إذ تعرض نحو 32% من الأشخاص الذين تلقوا تنبيهات إيجابية بالفعل لأزمة ارتفاع ضغط الدم. وفي المقابل، ظل 97.4% من المرضى الذين لم يتلقوا تنبيهات خالين من الأزمات خلال فترة المتابعة. كما رصد الباحثون انخفاضًا في عدد الأزمات بنحو 61% لدى المرضى الذين تلقى أطباؤهم التنبيه وتم تعديل أدويتهم خلال 24 ساعة، مقارنة بمن لم يحصلوا على تدخل سريع مرتبط بالتنبيه. وانخفضت زيارات أقسام الطوارئ بنحو 45% لدى المجموعة التي تلقت التدخل في الوقت المناسب. ومع ذلك، لا تثبت هذه الأرقام وحدها أن التقنية تضمن منع الأزمات، بل تشير إلى نتائج واعدة تستحق مزيدًا من الدراسة والتحقق.
ما أزمة ارتفاع ضغط الدم ولماذا تمثل خطرًا؟
تحدث أزمة ارتفاع ضغط الدم عندما يصل الضغط إلى مستويات شديدة الارتفاع، وقد تتجاوز القراءة 180/120 ملم زئبق. وتصبح الحالة طارئة عندما يصاحب الارتفاع الحاد تلف أو تهديد حاد لأحد الأعضاء الحيوية، مثل القلب أو المخ أو الكلى أو الأوعية الدموية. ومن المضاعفات المحتملة السكتة الدماغية والنوبة القلبية وتلف الكلى الحاد وتسلخ الشريان الأورطي، إضافة إلى الوذمة الرئوية التي تعني تراكم السوائل داخل الرئتين. وتكمن الخطورة في أن ارتفاع ضغط الدم قد لا يصاحبه دائمًا أعراض واضحة، لذلك لا ينبغي انتظار الشعور بالتعب حتى يهتم المريض بقياس الضغط ومتابعة العلاج. وإذا ظهرت أعراض خطيرة مثل ألم الصدر أو ضيق التنفس أو ضعف مفاجئ أو اضطراب الرؤية مع ارتفاع شديد في الضغط، فيجب طلب الرعاية الطبية الطارئة.
ماذا قال الباحثون عن دور التقنية في الوقاية؟
أوضح الدكتور وليد رزاق شودري، الباحث الرئيسي في الدراسة والطبيب المقيم بقسم الطب الباطني في مركز جامعة ميريلاند كابيتال ريجون الطبي، أن ضغط الدم يتغير بصورة طبيعية على مدار اليوم والليل، وأن القراءة الواحدة لا تعكس سوى لحظة زمنية محددة. وأشار إلى أن تحليل الأنماط المتكررة باستخدام الذكاء الاصطناعي قد يوفر وسيلة إضافية لاكتشاف العلامات التحذيرية قبل وقوع الأزمات. كما أكدت الدكتورة ماريا ديلجادو-ليليفري، المتخصصة في ارتفاع ضغط الدم بجامعة ميامي، أن التقنيات الرقمية قد تساعد الأطباء على فهم التغيرات التي تحدث بين الزيارات الطبية، وتدعم تقديم رعاية صحية أكثر ملاءمة لكل مريض. لكنها شددت على أن هذه الأدوات ينبغي أن تظل وسيلة مساعدة للطبيب، وليست بديلًا عن الفحص والتقييم السريري.
هل يمكن الاعتماد على الساعات الذكية لقياس ضغط الدم؟
رغم النتائج الواعدة، لا تعني الدراسة أن جميع الساعات الذكية أصبحت قادرة على قياس ضغط الدم بدقة طبية أو التنبؤ بالأزمات بصورة مؤكدة. وتوصي جمعية القلب الأمريكية باستخدام أجهزة قياس ضغط الدم الأوتوماتيكية المعتمدة ذات الكفة التي تُثبت على أعلى الذراع، باعتبارها الخيار الموصى به للقياس المنزلي. كما لا توصي بالاعتماد على الأجهزة التي تُثبت على المعصم أو الأصابع بديلًا عن أجهزة الكفة المعتمدة، بسبب اختلاف مستوى الدقة. لذلك ينبغي عدم تغيير جرعات الأدوية أو إيقافها بناءً على تنبيه من ساعة ذكية، بل يجب الرجوع إلى الطبيب ومراجعة القراءات باستخدام جهاز موثوق، مع تسجيل النتائج بصورة منتظمة لمساعدة الطبيب على تقييم الحالة.
ما أبرز التحديات التي تواجه استخدام التقنية؟
لا تزال هناك تحديات علمية وعملية قبل تعميم استخدام هذه التقنية في متابعة مرضى ارتفاع ضغط الدم. فقد أُجريت الدراسة على مرضى في مستشفى واحد بإقليم السند في باكستان، وكان المشاركون من المصابين بارتفاع ضغط الدم من المرحلة الثانية، وهو ما يجعل من الضروري اختبار النموذج على مجموعات سكانية أكثر تنوعًا وفي مؤسسات صحية متعددة. كما أن النتائج عُرضت في صورة ملخص بحثي ضمن فعاليات جمعية القلب الأمريكية لعام 2026، ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران والنشر في مجلة علمية محكمة وفق المعلومات الواردة في التقرير. ويحتاج الباحثون كذلك إلى تحديد كيفية التعامل مع التنبيهات، والتحقق من القراءات، وتقليل الإنذارات غير الدقيقة، ووضع آليات واضحة تضمن تدخل الطبيب في الوقت المناسب.
الأسئلة الشائعة
هل تستطيع الساعة الذكية التنبؤ بأزمة ارتفاع ضغط الدم؟
أظهرت الدراسة أن دمج بيانات أجهزة قياس الضغط مع معلومات الأجهزة القابلة للارتداء وتحليلها بالذكاء الاصطناعي قد يساعد على توقع زيادة خطر حدوث الأزمة قبلها بنحو 72 ساعة، لكن التقنية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاختبارات.
ما المدة التي يمكن أن تتنبأ خلالها التقنية بالأزمة؟
وفقًا لنتائج الدراسة، استطاع نموذج الذكاء الاصطناعي تحديد المرضى الأكثر عرضة للخطر قبل وقوع الأزمة بفترة تصل إلى ثلاثة أيام، أي نحو 72 ساعة.
ما العلامات التي قد تشير إلى زيادة خطر ارتفاع ضغط الدم؟
من العلامات التي رصدتها الدراسة عدم انخفاض ضغط الدم أثناء النوم، وارتفاعه بأكثر من 35 ملم زئبق بعد الاستيقاظ مقارنة بمستواه ليلًا. لكنها مؤشرات بحثية وليست تشخيصًا مؤكدًا.
هل يمكن الاستغناء عن جهاز قياس الضغط التقليدي؟
لا، فلا توصي النتائج بالاستغناء عن أجهزة قياس الضغط الطبية المعتمدة ذات الكفة، ولا ينبغي اعتبار الساعة الذكية بديلًا عنها في الوقت الحالي.
ماذا أفعل إذا كانت قراءة الضغط أعلى من 180/120؟
أعد القياس بعد دقيقة، وإذا ظلت القراءة مرتفعة فتواصل مع مقدم الرعاية الصحية فورًا. وإذا صاحبها ألم بالصدر أو ضيق تنفس أو ضعف أو تغير في الرؤية أو صعوبة في الكلام، فاطلب الإسعاف فورًا ولا تنتظر انخفاض الضغط من تلقاء نفسه.
هل يجب تغيير دواء الضغط إذا أرسلت الساعة تنبيهًا؟
لا، لا يجب تعديل جرعة الدواء أو إيقافه اعتمادًا على تنبيه الساعة وحده. ينبغي مراجعة الطبيب وقياس الضغط بجهاز معتمد، ليحدد الإجراء المناسب وفق حالة المريض ونتائج الفحص.