بوابة الأمل

بوابة الأمل


رفع آدم بصره نحوها فورًا، وعلى وجهه ارتسمت ابتسامة هادئة تحمل ألف معنى، ثم قال بنبرته الدافئة التي تهيم بها روحها:

-جيتي امتى من المدرسة؟

اقتربت وجلست بجواره على المقعد الآخر، وكأن الشرفة بكل اتساعها لا تكفيها ما لم تكن قريبة منه، ثم همست بخجلٍ وهي تخفض بصرها نحو يديها المتشابكتين في حجرها:

-لسه راجعة من شوية بس دخلت عند ماما وطنط سلوى في المطبخ الاول وبعدين قولتلهم هدخل اسلم عليك وأسألك في مسألة الرياضة وانزل اذاكر.

أومأ إليها بابتسامةٍ صافية ثم مال بجسده قليلًا نحوها وهمس بنبرةٍ مازحة أقرب إلى العتاب الحنون:

-ويا ترى في مسألة رياضة فعلًا عايزاني افهمالك؟؟

تدفق الدم إلى وجهها حتى احمرت وجنتاها، فهزت رأسها نفيًا وهي تبتسم بخجلٍ طفولي لا تخطئه العين ثم همست بدلالٍ بريء:

-انت اللي قولتلي أجيلك هنا؟

وضع آدم كفه أسفل ذقنه وعيناه مثبتتان في عينيها كأنه يغوص في أعماقها، ثم قال بنبرةٍ هامسة يكسوها شغف خفي:

-اه يعني أنا اللي كان نفسي اشوفك بس، يعني لو مكنتش اتصلت بيكي وقولتلك تعالي واطلعي مكنتيش جيتي.

سارعت أريج بنفي ذلك وهي ترفع رأسها نحوه بعينين دامعتين من فرط صدق مشاعرها ثم قالت بصوتٍ مرتبك:

-لا كنت هطلع واشوفك، أصلاً أنا كنت مخنوقة اوي ومحتاجة اشوفك.

قالها وكأنها تعترف ضمنيًا بأن وجوده وحده صار ملاذها الوحيد في مواجهة عالمٍ قاسٍ لا يرحم، أخذ آدم نفسًا عميقًا ثم تساءل بنبرةٍ يختلط فيها الحنو بالقلق:

-لسه متضايقة من حوار عمتك؟

لم يكن يحتاج إلى سؤالٍ ليعرف، فهو وحده من يستطيع لمس جراحها المخفية؛ يتسلل إليها بلطفٍ حتى تفتح له قلبها دون مقاومة، أطرقت برأسها قليلًا ثم قالت بنبرةٍ محملة بالغضب المكبوت:

-ايوه، عشان هي مش مبطلة زن على ماما عشان ترجع لبابا! معرفش على أساس إيه عايزاها ترجع له؟ وده كله عشان مراته اللي اتجوزها اتطلقت منه، بيحافظوا على الصورة الاجتماعية بتاعته قدام العيلة والاسم إنه طلقها عشان يرجع لأمي.

كان صوتها يرتعش وهي تتحدث وكأن كل كلمة منها سكين يغرز في صدرها، أومأ آدم بتفهمٍ صامت ثم قال بهدوءٍ رزين:

-طيب ما أمك رفضت يا أريج إيه اللي مضايقك؟

أطلقت تنهيدة طويلة وكأنها تحاول تفريغ صدرها المثقل ثم أردفت بانفعالٍ موجوع:

-الزن يا آدم عمتي تقريبًا مابتفصلش، وهو كمان…

واخد أمي كوبري عشان يضايق مراته التانية وترجع له، مفيش حد فيهم فكر فيا، ولا هو….هو المفروض يكون أبويا ويحس بيا، كل همه أهوائه واللي عايزه، مبيسألش فيا ولا بيعبرني، أنا اوقات ببقى كارهة حياتي عشان هو أبويا.

لم يقل آدم شيئًا لثوانٍ كأنه يبحث عن الكلمات التي تخفف ثقل قلبها، ثم تنهد قبل أن يهمس بلطفٍ يحمل تعاطفًا:

-معلش هو أبوكي في النهاية وده نصيبك.

أغمضت أريج عينيها لحظة وهي تتمتم بحزنٍ مكتوم:

-كرهني في الرجالة كلهم، ربنا يسامحه.

نظر إليها آدم بعتابٍ خافت متظاهرًا وكأن كلماتها طعنته دون قصد، فما إن التقت عيناها بنظرته حتى سارعت إلى تصحيح قولها بخجلٍ شديد، وهي تخفض رأسها أكثر وكأنها تبحث عن ملاذٍ في الأرض:

-بس انت غيره يا آدم وغير أي حد عشان كده أنا وثقت فيك و….

توقفت فجأة شعرت بحرارةٍ تسري في وجنتيها، قبل أن تكمل بصوتٍ بالكاد يُسمع:

-وثقت فيك وحبيتك.

لم يكن قلبها قد خفق بتلك القوة من قبل، بدا اعترافها كأنه خرج رغماً عنها دفعةً واحدة، كتنفسٍ أخير بعد اختناقٍ طويل، اقترب آدم منها أكثر،

حتى صار صوته هامسًا لا يسمعه سواها، وصارت أنفاسه تتداخل مع أنفاسها ثم قال بنبرةٍ دافئة مشبعة بالحب:

-وأنا بحبك يا أريج، وهعوضك عن أي حاجة شوفتيها.

حينها شعرت أريج وكأن العالم بأسره قد توقف، ولم يبقَ فيه سواهما، كان صوته وعدًا وكانت نظراته وطنًا ظنت أنها أخيرًا وجدته، لكنها لم تكن تدري أن تلك الوعود، مهما كانت صادقة في لحظتها، قد تتحول يومًا إلى خيباتٍ تمزق القلب وتطفئ آخر ما تبقى فيه من أمل.

 

                             **

كانت أريج ما تزال واقفة في شرفة شقة خالها، تتأمل البنايات الممتدة أمامها بينما عيناها معلقتان بفراغ بعيد، كأنها تبحث عن مخرج من ذاكرة تؤلمها أكثر مما تحتمل، شعرت بارتجافة خفيفة تسري في جسدها حين انفتح باب الشرفة فجأة، لتسمع صوته يأتيها من الخلف واثقًا وساخرًا كعادته:

-واقفة بتعيدي ذكرياتنا مع بعض ولا إيه؟

قبضت أصابعها على سور الشرفة بقوة حتى كادت تحفر فيه، ثم التفتت ببطء نحوه بملامح وجهها جامدة كلوحة باردة خالية من أي حياة، أجابته بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:

-أظن مفيش حد بيفتكر ذكرياته السوده، وأي ذكرى كانت معاك كانت سودة يا آدم.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة مشوبة بالسخرية، تلك الابتسامة التي لطالما خدعتها من قبل، أما اليوم فقد بدت واضحة وصريحة، تكشف وجهه الحقيقي الذي لم تره من قبل إلا متأخرًا؛ وجه المتلاعب الذي يشبه في قسوته قسوة أبيها، فقال بنبرة باردة:

-الله يرحم أيام من زمان لما كنتي بتجري ورايا في أي مكان، دلوقتي بقت ذكريات سودة.

شعرت أريج وكأن شيئًا ما ينغرس في صدرها، لكن كبرياءها كان أقوى من ضعفها فرفعت ذقنها لترد بثبات ممزوج بالخذلان:

-مش كل واحد بيبقى في نقطة سودة في حياته، أنت بقى النقطة السودة اللي في حياتي يا آدم وربنا ما يكتبها على حد أبدًا…

خطت مبتعدة عنه بعزمٍ وهي تهم بمغادرة الشرفة، لكنها توقفت فجأة عندما داهمتها فكرة ساخرة، فاستدارت نحوه ونظرت إلى يده حيث تلمع دبلته، ثم ابتسمت بسخرية لاذعة وهي تقول:

-بس تصدق منة أكتر واحدة لايقة عليك ما جمع إلا ما وفق، ربنا يهني سعيد بسعيدة.

لم تنتظر رده بل تركته يتجرع مرارة كلماتها بينما نظراته الغاضبة تلاحقها من الخلف، لكنها تجاهلتها تمامًا وقررت ألا تمنحه شرف رؤية انكسارها مرة أخرى.

دخلت غرفة خالها زيارة سريعة مقتضبة، لم تتحدث سوى بكلمات محدودة دون حتى أن تسمح لابتسامةٍ واحدة أن تتسلل إلى وجهها، وما إن أنهت واجبها حتى نزلت إلى شقتها بخطوات متسارعة وقلبها يغلي بالغضب والمرارة.

فتحت باب الشقة بعنف ثم التفتت إلى والدتها حفصة تثور في وجهها وصوتها يرتعش من شدة الانفعال:

-أنا مش عارفة ليه مُصرة تبقي ضعيفة وسلبية وتفرضينا عليهم، انتي دلوقتي مبسوطة لما اتحرق دمي يا ماما؟!

رفعت والدتها نظرها إليها بعينين ممتلئتين حزنًا وانكسارًا ثم قالت بهدوء حاولت أن تجعله أقوى مما هو عليه:

-دول عيلتي يا بنتي وأنا من غيرهم ولا حاجة.

صرخت أريج بانفعال وهي تتقدم نحوها خطوة بخطوة:

-من غيرهم ولا حاجة ليه يا ماما، عملولك إيه يعني؟

أطرقت حفصة رأسها قليلًا ثم قالت بصوت مبحوح يحاول الدفاع عن اختياراتها:

-عملولي كتير، وقفوا جنبي وقعدوني في شقة وساعدوني في المصاريف وحاموني من كلام الناس، و….

قاطعتها أريج بعنف وعيناها تشتعلان غضبًا ومرارة:

-ماما دي شقتك من ورثك، هما مش وقفوا جنبك، بالعكس هما كانوا عايزينك تقعدي معاه وتستحملي خيانته ليكي والاسم إنك تربيني، حاموكي من كلام الناس بس كانوا بيقولولك كلام أشد واوجع من كلام الناس، ولما زهقوا منك لفوا عليا أنا يسمموني بكلامهم والمفروض إن أنا استحملهم عشان هما عيلتي وسندي وهما ولا سند ولا زفت والبعد عنهم غنيمة.

جلست والدتها على الأريكة محاولة امتصاص غضبها، لكن أريج لم تستسلم بسهولة وقالت برجاءٍ

حزين:

-بصي يا ماما لو سمحتي ماتضغطيش عليا أنا مش مضطرة أبدًا اشوفهم ولا احتك بيهم ولا أكلمهم.

تنهدت حفصة بوجع وهي تحاول أن تفتح بابًا للعقلانية:

-يا أريج انتي اخدتي موقف منهم كلهم عشان اللي آدم قالوا وعملوا معاكي مع إن فيهم بيحبوكي.

رفعت أريج يدها بحدة وهي تصرخ بنبرة مكتومة من الغضب والخذلان:

-عشان كلهم محدش وقف جنبي ولا وقفوا لآدم بالعكس وقفوا معاه وراحوا خطوبته هو ومنة وسقفوا وفرحوا، في وشي قال إيه زعلانين عليا، وفي ضهري بيسمموني بنظراتهم اللي بتتريق عليا، كفاية يا ماما الله يباركلك وابعدينا عنهم.

ظلت والدتها صامتة لثوانٍ حتى خرج صوتها متهدجًا بالدموع وهي تقول:

-يا بنتي أنا مش عايزاكي تبقي ناقمة على كل اللي حواليكي وعلى حياتك.

لم تستطع أريج المقاومة أكثر، فانهارت على الأريكة بجانبها ودفنت وجهها في كفيها تبكي بحرقة، قبل أن تهمس بصوتٍ متقطع من الألم:

بالعكس أنا مش ناقمة أنا حامدة ربنا وبحمده في كل لحظة على نعمه معايا، أنا اه متوفقتش في أب كويس يكون لي السند والضهر ويجبني زي ما بقيت الابهات بتحب بناتها، ولا اتوفقت في عيلة تحميني وتقف في ضهري بس عندي انتي….وانتي بالدنيا كلها ومكتفية بيكي، وناجحة في شغلي، ومش محتاجة لحد، أنا راضية يا ماما ماتقلقيش.

ضمتها حفصة إلى صدرها بقوة وكأنها تحاول أن تمنحها الأمان الذي حرمت منه طويلًا، كان قلب الأم يبكي قبل عينيها أما قلب أريج فكان يحاول أن يقنع نفسه بالقناعة رغم الشقوق العميقة التي تركتها الخيبات في داخله.

                              ****

مر أسبوع كامل في سلامٍ نسبي، كأن الحياة قررت أخيرًا أن تمنح أريج استراحة مؤقتة من صراعاتها، لكن ذلك السلام لم يدم طويلًا، فقد جاءها اتصال من عمتها قلب هدوءها رأسًا على عقب، كحجرٍ يُلقى في بحيرةٍ ساكنة فيثير أمواجها المضطربة من جديد.

كانت أريج في ذلك الأسبوع تعتزل العالم بأسره، لا ترى أحدًا سوى والدتها ولا تتحدث إلا معها، أغلقت أبواب روحها على نفسها ودفنت ذاتها في العمل تعمل وتعمل فقط، حتى صديقاتها لم تعد تجيب مكالماتهن وتهرب منهن ومن لقاءاتهن وكأن الهروب هو وسيلتها الوحيدة للنجاة.

ورغم ترددها الطويل، وجدت نفسها تسير ببطء نحو كافيه عز جارهم حيث اتفقت مع عمتها على لقائها هناك بعد إلحاحها الشديد وطلبها المتكرر لقدومها في أسرع وقت، في البداية رفضت أريج كعادتها حتى لا تضطر لرؤية والدها، ذلك الذي يرفض هو أصلًا لقاءها وكأنها عبء لا يريد حمله.

جلست أريج داخل الكافيه في ركنٍ هادئٍ يطل على الشارع، بينما يحيط بها صخب الحياة من الخارج وهي غارقة في صمتها الداخلي، كانت تتأمل كوب القهوة أمامها دون أن تلمسه وكأنها تحاول ابتلاع خيبات حياتها واحدةً تلو الأخرى بصمتٍ مرير، عينها كانت معلقة بنقطةٍ فارغة أمامها شاردة كعادتها بينما تتقلب ذكرياتها في رأسها كما تتقلب السمكة على المشواة، تتلوى بين الماضي والحاضر بلا مفر، ومن بين كل تلك الخيبات كان هناك ذكرى واحدة تُثقل صدرها أكثر من غيرها…

ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه خيانة آدم…اليوم الذي عرفت فيه مكانتها الحقيقية لديه، أو بالأحرى عدم مكانتها، حين أدركت أنها لم تكن في حياته سوى فتاة ساذجة حمقاء، أهدت قلبها لرجلٍ كان يتسلى بها، مستغلًا ضعفها واحتياجها إليه حتى أحرقها ببروده وتركها تواجه وحدها مرارة الانكسار.

                              ★★

كانت أريج في ذلك اليوم قد أنهت أول اختبارٍ جامعي لها وأبلت فيه بلاءً حسنًا، حتى شعرت بأن قلبها يرفرف خفيفًا من السعادة والإنجاز، غير أن السماء كانت ملبدة بالغيوم كأنها ترفض أن تشاركها فرحتها المؤقتة وكأن الكون يأبى أن يترك لها لحظة صفاء خالصة دون شوائب.

ورغم التعب الذي كان بادياً على ملامحها من شدة التركيز والقلق، لم تجد ملاذًا آمنًا تلجأ إليه سوى ذلك المكان الذي كان حتى ذلك الحين ملاذ روحها وسكن قلبها…شرفة شقة خالها حيث يكون آدم.

حملت هاتفها بين يديها بترددٍ وارتباك، كتبت رسالة قصيرة كعادتها، حروفها تفيض شوقًا خفيًا لا تجرؤ على البوح به:

-لو موجود فوق محتاجة اطلع اقعد معاك شوية.

لم يصلها رد منه، فظنت أنه مشغول بشيء ما وخاصةً أن سيارته موجودة بالأسفل، ولكنها استغربت الأمر قليلاً؛ فمنذ أن تقاربت قلوبهما لم يترك رسالةً لها بلا جواب، بل كان يسبقها شوقًا قبل أن تفكر حتى في مراسلته، تجاهلت القلق الذي بدأ يتسلل إليها، وصعدت الدرج بخطواتٍ مترددة حتى وقفت أمام شقة خالها ثم طرقت الباب بخفة.

فتحت زوجة خالها الباب بابتسامةٍ باهتة وكأنها تخفي شيئًا ما، فأخبرتها أريج بحاجتها لرؤية آدم  وجدت اعتراضًا يلوح في أفق عينيها ولكنها لم تعترض فاكتفت بهز رأسها بصمتٍ غامض.

تقدمت أريج نحو الشرفة وكل خطوة كانت تزيد نبضات قلبها اضطرابًا، وما إن وصلت حتى تجمدت مكانها كتمثالٍ حجري، فقد كان آدم هناك بالفعل…لكنه لم يكن وحيدًا، رأته جالسًا على أحد المقاعد يتحدث همسًا مع منة ابنة خالتها، فقد كانت تجلس أمامه على مسافة قريبة، أقرب مما يليق وهو يبتسم لها بنفس الابتسامة التي طالما اعتقدت أنها لها وحدها.

لم تسمع أريج ما يقول، لكنها رأت بعينيها تلك النظرات…النظرات ذاتها التي اعتادت أن يخصها بها، شعرت في تلك اللحظة وكأن قلبها انكسر إلى شظايا حادة تتناثر داخل صدرها عاجزة عن التنفس.

تراجعت خطوة إلى الوراء ثم خطوتين، لكن الأرض بدت وكأنها ترفض حملها، حاولت أن تتمالك نفسها حتى لا تنهار أمامهما، لكن دموعها سبقتها ولمعت في عينيها رغمًا عنها، استمعت إلى صوت خالتها من خلفها وهي تردد:

-أريج بتعملي إيه هنا؟

التفتت أريج ببطء وعيناها متورمتان بالخذلان، وأصابعها تقبض على حقيبتها بقوة حتى ابيضت أطرافها، لم تنطق بحرف بينما اقتربت خالتها بخطواتٍ محسوبة، ألقت نظرة سريعة على الشرفة ثم ربتت على كتف أريج بخفةٍ باردة:

-معلش يا حبيبتي انتي كنتي فاكرة إنه هيخطبك مثلاً، بس هو في الحقيقة بيحب منة بنتي اوي وكلمني كذا مرة عشان يتقدملها، هو كان مكسوف منك وبنقول بكرة تكبري وتفهمي إن تعلقك بيه ده غلط، بس انتي مستمرة واحنا مش هنوقف حياته هو ومنة عشان انتي متعلقة بيه.

ظلت أريج صامتة تحدق في وجه خالتها بعدم فهم، وكأن الكلمات لا تدخل عقلها ولا تستوعبها روحها، لكن خالتها كعادتها لم تمنحها لحظة صمتٍ لترمم جرحها بل أردفت ببرودٍ أشد:

-مش انتي بردو اللي اعترفتيله بحبك وآدم محبش يكسفك ولا يجرحك عشان أنتي دايمًا زعلانة وبتعيطي من اللي عمله أبوكي، بس انتي كبرتي دلوقتي وفهمتي إن التعلق المرضي ده بآدم غلط.

ارتجفت شفتا أريج وهي تهمس بالكاد تشير إلى نفسها بصوتٍ مبحوح:

-هو…هو كمان قالي…إنه بيحبني، أنا…..

قاطعتها خالتها بابتسامةٍ ساخرة وهي تلمح زوجة خالها تقف في الخلف تتابع بصمت ثم قالت بجفافٍ جارح:

-شفقة يا حبيبتي، هو قالها شفقة ما أنا قولتلك ليه.

لم تحتمل أريج البقاء أكثر، لملمت بقايا كرامتها الممزقة وركضت خارج الشقة تتنفس دموعها قبل أن تخنقها، تهوي خطواتها على الدرج بسرعةٍ جنونية كأنها تهرب من حريقٍ يلتهم روحها.

وفي الخارج صادفت صديقتها المقربة تلك التي طالما حذرتها منه، احتضنتها صديقتها بحنانٍ صادق وهي تهمس:

-يا أريج هو واضح إنه مكنش بيحبك، مكنش بيشوفك إلا في بلكونتهم أو في المدخل العمارة وكل كلامكم تليفونات، بس في المقابل كنا بشوفه بيخرج مع منة بنت خالتك ومع بنات صحابه في كافيهات وأماكن كتير، آدم متزعليش مني نسخة واحدة من بابكي، بس الفرق أنه آدم ابن خالك أحقر واستغل ضعفك وحبك له واحتياجك الشديد

لتعوضي مكانة باباكي، ويا ما نصحتك وقولتلك بلاش تسمعيله ولا تتعلقي به، هو عمره ما يستحق واحدة زيك.

جلست في أحضان صديقتها تشعر بثقلٍ يسحق صدرها، وكأن الهواء قد صار خانقًا، كانت تسمع صدى كلماته القديمة في رأسها:

“وأنا بحبك يا أريج… وهعوضك عن أي حاجة شوفتيها.”

أدركت في تلك اللحظة أن الوعود قد تكون أحيانًا أخطر من الخيانات نفسها… لأنها تزرع في القلب أملًا زائفًا قبل أن تحرقه بخذلان موجع.

انهارت باكية وهي تضم ركبتيها إلى صدرها تبكي بلا توقف، فقد شعرت وكأن قلبها يُنتزع من مكانه قطعة قطعة، وكأن كل ما صدقته يومًا كان مجرد وهمٍ جميل انقلب كابوسًا قاسيًا.

                                ★★

 

عادت أريج من غرقها في دوامة ذكرياتها على صوت عمتها، التي يبدو أنها وصلت لتوها قبل أن تجلس أمامها وهي تتنهد بضيقٍ واضح:

-يالهوي الدنيا زحمة اوي وأنا جايلك.

ابتسمت أريج ابتسامة هادئة مصطنعة، تُخفي خلفها ضيقًا عميقًا ثم سألتها بنبرةٍ عادية تحاول أن تبدو لطيفة:

-تشربي إيه يا عمتو؟

هزت عمتها يدها وهي تلوح باستياء:

-أي حاجة سخنة تدفينا، مش كنتي جيتي عندي في البيت وكنت عملتلك سحلب واهو اوفر من فلوس الكافية ده.

أخفضت أريج رأسها قليلًا وكتمت تنهيدةً حبيسة ثم قالت بصوتٍ متحشرج وهي تتظاهر بالتماسك:

-كده أفضل.

ثم التفتت نحو أحد العاملين تناديه، وما إن رفعت بصرها حتى التقت عيناها بنظرات عز جارهم، حياها بإيماءةٍ خفيفة وخصها بابتسامةٍ صافية، فردت بابتسامة مقتضبة لا حياة فيها، وصل العامل إليها فطلبت منه كوبًا من السحلب لعمتها، ثم التفتت إليها قائلة بهدوء:

-ها يا عمتو في إيه؟

وضعت عمتها كوب الماء أمامها ثم تنهدت طويلًا، كأنها تمهد لجملةٍ ثقيلة:

-في إن أبوكي واقع في ضيقة ومحتاجك.

رفعت أريج حاجبيها بدهشة، وكتمت ضحكة ساخرة كادت تفلت منها ثم سألتها بنبرة باردة حادة:

-ضيقة؟ ومتحاجني أنا؟ هو بيسأل فيا عشان يفتكرني وقت مايحتاجني؟

زمت عمتها شفتيها ورفعت حاجبًا بنفاد صبر:

-مالوش لازمة كلام الشعارات ده يا أريج دلوقتي.

-شعارات؟ هو لما الأب يسأل على بنته ويهتم بيها يبقى شعارات، ده أبسط حقوقي على فكرة.

ابتسمت عمتها بسخرية وهي تميل بجسدها للأمام:

-انتي جاية بعد لما كبرتي وبقيتي قد الشحطة لامؤاخذة تقولي حقوق، وبعدين لما انتي عايزة حقوق، شوفي أمك واسأليها ليه خربت حياتها، ما كانت تصبر وتعيش وابوكي كان هيديكي حقوقك.

انقبض قلب أريج من تلك الجملة ثم ردت بنبرة مشحونة بالغضب:

-تصبر وتتذل وتتهان عشاني صح؟ طيب ما هو في ناس كتير بتطلق وبلاقي أبهاتهم بيسألوا عليهم، ده حتى السؤال كان بيستخسره فيا، وشايف إن وقته للستات أهم مني.

ارتفع حاجبا عمتها غضبًا وهي تزمجر:

-متطوليش لسانك، أبوكي له احترام.

حدقت أريج فيها بنظرةٍ حادة ثم قالت بلهجةٍ تنضح قهرًا:

-عمتي انتي جاية تحرقي دمي ولا إيه؟ وبعدين انتي اكتر واحدة المفروض لما هو جه وقالك إنه محتاج أني اساعده تقوليله لا انت مكنتش بتسأل فيها طول عمرك.

هزت عمتها رأسها بعنادٍ وهي ترفع صوتها قليلًا:

-لا مش هقوله عشان هو أبوكي ولو مكنتيش انتي تساعديه مين هيساعده، وبعدين انتي مستكترة كام باكو تفكي ضيقة أبوكي بيهم.

زفرت أريج بضيق وهي تحاول كبح غضبها:

-مامعيش للأسف أنا بصرف على البيت وعلاج ماما ومصاريفي، وبعدين ما هو استكتر بردو عليا ومدفعش جنية ليا لا في أي تعب ولا في دراسة ولا في أكل ولت لبس عيد.

رمقتها عمتها بنظرة استهجان وهي تقول بسخرية:

-هو إيه اللي مامعكيش يا بت، ده انتي بتقبضي بالدولار وشوفي الدولار عامل كام دلوقتي؟!

أحست أريج بحرارة الدم تصعد إلى وجهها، لكنها كبحت نفسها وقالت بحزمٍ متماسك:

-يعمل زي ما يعمل محدش له الصلاحية إنه يتدخل في حياتي، أنا بقولك مش معايا.

رفعت عمتها يدها في الهواء وهي تهز رأسها بامتعاض وعدم رضا:

-اما أنتي بت قليلة الادب بصحيح وأمك ماعرفتش تربيكي.

ارتفع صوتها فجأةً في أرجاء الكافيه حتى جذبت أنظار الجميع، بينما شعرت أريج بالصدمة والحرج، لكنها لم تكن المرة الأولى التي تستخدم فيها عمتها هذا الأسلوب الملتوي للضغط عليها، فجلست أريج في مكانها بهدوءٍ مميت، تحدق فيها بعينين جامدتين بلا حياة.

وقفت بعدها بهدوءٍ مفاجئ، وأخرجت محفظتها تدفع الحساب دون أن تنطق بكلمة، ثم همت بالمغادرة إلا أن عمتها جذبتها فجأة من ثيابها بعنفٍ وهي تصرخ بغضبٍ أعمى:

-أنا بكلمك وانتي بتمشي وبتسيبيني يا قليلة الأدب، مفيش احترام ليا، ولا احترام للي واقع في ضيقة ومحتاج مساعدتك بس اقول إيه أكيد أمك علمتك الجحود وقلة الاصل، هستنى إيه من واحدة تربية حفصة.

تجمدت أريج في مكانها ثم التفتت إليها ببطء، والشرر يتطاير من عينيها، وردت بصوتٍ متحشرج لكنه قوي:

-اخرسي، تربية أمي دي أحسن تربية.

قهقهت عمتها بسخرية قاسية وهي تقول:

-ما هو واضح اهو واقفة بتزعقي ومش همك حد، ما انتي لو كويسة كان زمانك مخطوبة ولا متجوزة، بس عشان نيتك السودة هتفضلي كده عانس..

في تلك اللحظة تقدم عز بخطواتٍ سريعة وقد بدا الغضب في عينيه، وقف بينهما قائلًا بنبرةٍ حادة حاول كبح حدتها:

-عيب كده يا ست انتي انتي في مكان محترم.

استدارت إليه عمتها وقد بلغ وقاحتها ذروته:

-وهي الاشكال دي تعرف أماكن محترمة، والله يا أريج لمخلية أبوكي يريبكي ويعلمك الادب، أصل انتي باين عيارك فلت ومحتاجة تتظبطي.

ثم غادرت بخطواتٍ سريعة تاركة وراءها أثرًا سامًا من الإهانات الملوثة بالخبث، وقفت أريج في مكانها مشدوهة، كأنها تلقت صفعة من يد القدر ذاته، عيناها معلقتان بالباب الذي غادرت منه عمتها، وقلبها يغلي خليطًا من الغضب والخذلان والجرح العميق، حاول عز أن يهدئها ببعض الكلمات لكنها لم تستطع سماع شيء، ركضت خارج الكافيه وكأنها تهرب من كل شيء حولها.

دخلت منزلها وهي تكاد تختنق من ثقل قلبها، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى بدأت في تحطيم كل شيء يقع تحت يدها، كأنها تنتقم من كل الخيبات المتراكمة في صدرها منذ سنوات.

حاولت والدتها احتضانها لتهدئتها، لكن محاولاتها باءت بالفشل فاكتفت بالجلوس إلى جوارها، تبكي بصمتٍ على حال ابنتها…وعلى حالها هي أيضًا.

                            ****

 

مرت الأيام ثقيلةً على قلب أريج، وهي تحاول جاهدةً أن تتأقلم مع ما يحدث حولها من تدخلاتٍ جارحة وإهاناتٍ صامتة وضحكاتٍ ساخرة تتسلل إلى مسامعها كسم بطيء، لم يكن الأمر يقتصر على كلماتٍ عابرة أو نظراتٍ مستهينة، بل تعدى ذلك إلى مطالباتٍ متواصلة من والدها، الذي لم يعرف قلبُه الرحمة يومًا إذ أوقع نفسه في مأزقٍ مالي كبير بعد أن مضى على نفسه وصل أمانة بمئة ألف جنيه لإحدى السيدات، فأصبحت تطالبه بالمبلغ بإلحاح، بينما زوجته الحالية هددته بالطلاق بعدما فقد كل ما يملك.

كانت أريج تعرف في أعماقها أن سلامها النفسي لن يتحقق أبدًا في بيئةٍ مسمومةٍ كتلك، وأن إعادة بناء نفسها لن تتم ما دامت حبيسة هذا الجو الخانق، كانت تحتاج إلى استقرارٍ مختلف استقرارٍ يشبه النور البعيد في نهاية نفقٍ طويل.

لكنها لم تفكر يومًا في أن يكون الحل الزواج، فكيف لها أن تمنح قلبًا مكسورًا لرجلٍ بريء؟ كانت تشعر أنها ستظلمه حتمًا خصوصًا إن كان مثل عز، الذي رأت فيه رجلاً يستحق امرأة قلبها سليم يستحق حياة أفضل من تلك التي يمكنها أن تمنحها.

لذلك كان الاستقرار الذي يداعب روحها هو السفر؛ الهروب إلى الخارج لتعمل هناك، وتعيد ترتيب حياتها بعيدًا عن كل ما يجرحها ويكسرها،

كانت الفكرة قد راودتها منذ سنوات لكنها كانت تؤجلها دائمًا، ربما خوفًا وربما حبًا لوالدتها التي لم تتصور أن تبتعد عنها يومًا، لكن الواقع بات أكثر قسوةً من أن يُحتمل، وضغوط الحياة تزداد يومًا بعد آخر حتى صارت أنفاسها تختنق بين جدران غرفتها.

وحين جاءتها فرصة العمل في إحدى الشركات المرموقة بالخارج، شعرت أن القدر يمد لها يدًا أخيرة لتنجو، بقي فقط أن تقنع والدتها…وكانت تلك المعركة الأصعب.

خرجت من غرفتها تبحث عنها حتى وجدتها جالسةً على الأريكة أمام التلفاز، تغرق في صمتٍ ثقيل يشبهها، اقتربت أريج ببطء وجلست إلى جوارها ثم ابتسمت بخفةٍ لتكسر حدة الصمت وقالت بصوتٍ دافئ:

-ماما أنا محتاجة اتكلم معاكي شوية.

لم تلتفت حفصة نحوها لكنها أجابت بنبرةٍ تعرف ما سيقال قبل أن يُقال:

-سافري يا أريج، سافري لو راحتك هتبقي في السفر.

اتسعت عينا أريج دهشة وابتسمت بمرارةٍ ممزوجة بالحب:

-ليه بتقولي وكأني هسافر لوحدي، أنتي قبلي يا ماما.

هزت الأم رأسها نفيًا وقد غلفت كلماتها مسحة حزنٍ عميقة:

-لا يا بنتي أنا لا عمري ولا صحتي يسمحولي إني أسافر.

وضعت أريج يدها فوق يد أمها بحنانٍ حار، وقالت برجاءٍ يقطر من صوتها:

-ليه يا ماما؟ وبعدين هو أنا يعني هبهدلك مثلاً؟! أنا هوفرلك كل سُبل الراحة يا حبيبتي ماتقلقيش، أنا ماعرفش أعيش من غيرك.

تنهدت الأم وكأنها تحمل على صدرها كل آلام السنين، ثم قالت:

-طيب يا بنتي ما تقعدي هنا ونعيش وسط اهلنا واتجوزي زي باقي البنات واستقري وابني حياة..

رفعت أريج رأسها بحدة وقد غامت عيناها بالغضب الممزوج بالحزن:

-ماما…أنا ماليش أهل غيرك، مفيش حد اتدخل من في مشكلتي مع أبويا بالعكس كلهم قالوا ما تديله، كل قرش أنا حوشته وتعبت فيه عايزني أديهوله عشان هو وقع في شر اعماله مع واحدة ست.

ارتجف صوتها وهي تكمل وعيناها تبرقان بحرقة:

-عايزني أساعده وهو عمره ما فكر يساعدني؟! ولا في تعبي ولا في دراستي ولا حتى في لقمة أكل!

حاولت أن تبتلع غصتها لكنها تابعت بصوتٍ متقطع:

-وبعدين جواز إيه يا ماما وأنا كده، يا ماما أنا كده بحكم على نفسي بالفشل وأنا خلاص تعبت من الفشل والوجع، وهظلم أي راجل معايا…وعارفة انك هتقولي خدي اللي بيحبك ماتخديش اللي بتحبيه، بس يا ماما حتى اللي بيحبني لو ملاقاش الحب بينا متبادل هيزهق ويسيبني وأنا مش في حمل كده.

لم تتمالك حفصة نفسها، فغامت عيناها بالدموع وقالت بصوتٍ مبحوح:

-أنا أسفة يا بنتي أنا السبب في ده كله.

أمسكت أريج وجه أمها بكلتا يديها ونظرت في عينيها بحنانٍ عميق:

-متتأسفيش يا ماما بالله عليكي، ماتحسسنيش بالذنب، أنا بحاول أفوق واطلع من اللي أنا فيه، وادور على راحتي، وراحتي هتبقى جنبك بس في مكان بعيد عن هنا، مكان اقدر استعيد نفسي فيه واقدر اكون اقوى وانسى فيه اللي حصلي وبيحصلي، عشان حتى لما أرجع في يوم من الأيام

اقدر أواجه أي حاجة كانت بتضايقني وبتجرحني.

صمتت للحظة ثم همست بنبرةٍ كأنها تعترف لنفسها:

-يمكن يا ماما السفر في حياة جديدة أنا بتمناها وعمري ما هلاقيها هنا، بس ده كله مش هيحصل إلا وانتي معايا انا وأنتي ملناش غير بعض يا حبيبتي.

ساد صمت طويل بينهما قبل أن تضع الأم يدها فوق يد ابنتها وتبتسم ابتسامة باهتة تُخفي خلفها خوفًا وحنينًا:

-موافقة يا أريج خلينا نجرب ونبعد يمكن يكون أحسن لينا.

ألقت أريج رأسها على كتف والدتها وأغمضت عينيها بقلبٍ مثقل، كأنها وجدت أخيرًا بوابة الأمل التي كانت تبحث عنها وسط ظلامٍ طويل.

                          النهاية

انضم للمجتمع

admin
admin