بوابة الأمل

بوابة الأمل


جلست أريج في صالة الاستقبال داخل شقة خالها هشام، تتأمل الأرض في صمتٍ ثقيل، بينما تنتظر أن يغادر الزوار من غرفة خالها لتدخل وتؤدي واجبها بزيارته، ثم تغادر سريعًا دون احتكاكٍ يُثقل روحها، كانت تترقب اللحظة التي تنهي فيها هذه الزيارة بأقل قدرٍ ممكن من الكلام…ولكن من أين يأتي السلام في بيتٍ يعج بالوجوه التي لا تعرف إلا الوخز والخذلان؟

قطعت تيار أفكارها أصوات خطواتٍ آتية من المطبخ، فرفعت رأسها قليلًا لتجد خالتها تخرج وهي تحمل صينية من أكواب العصير ترافقها زوجة خالها، وما إن اقتربت حتى قالت خالتها لوالدتها بلهجةٍ لاذعة وهي تبتسم بسخرية واضحة:

-والله انتي عملتي إنجاز يا حفصة عشان عرفتي تطلعي بنتك من الكهف اللي كانت عايشة فيه.

انعكست على ملامح حفصة والدة أريج نظرات عتابٍ خافتة لكنها آثرت الصمت، بينما قابلت شقيقتها عتابها ببرودٍ متعمد وابتسامة ساخرة، غير أن أريج لم تستطع احتمال الإهانة فتنهدت بعمق قبل أن تتحدث بنبرةٍ باردةٍ لا تخلو من الحدة:

-والله أنا مش عايشة في كهف يا خالتو، أنا بس مش فاضية وعندي شغلي ولازم اهتم واركز فيه، فمش طبيعي أبدًا اسيبه عشان اقعد معاكم قعدات مفيش منها أي فايدة.

رمقتها خالتها بنظراتٍ حانقة بينما ارتسمت على ملامحها غمامة ضيقٍ وحنق، وكأن كلمات أريج أصابت غرورها في مقتل، غير أن حفصة سارعت مجددًا لتهدئة الموقف محاولةً إصلاح ما يمكن إصلاحه:

-دي أريج أول ما عرفت إن خالها تعبان قالتلي لازم اطلع اتطمن عليه.

رمقتها أريج بنظرةٍ جانبية تحمل امتعاضًا صامتًا، وكأنها تفضح زيف ما قالته والدتها ثم نهضت من مكانها وقالت بابتسامة مقتضبة لا تصل لعينيها:

-هقف في البلكونة لغاية ما اللي جوه عند خالي يمشوا.

ولم تنتظر ردًا من أحد بل اتجهت بخطواتٍ حازمة نحو الشرفة، وفي طريقها التقطت أذناها همسًا خافتًا لزوجة خالها وهي تخاطب والدتها بنبرةٍ لا تخلو من الاستعلاء:

-بس يا حفصة بنتك عمرها ما هتتجوز كده، طول ما هي جامدة وبتتعامل مع الناس بقلة ذوق.

ارتسمت على شفتي خالتها ابتسامة ساخرة وهي تردد كلمات زوجة أخيها لتؤكدها قاصدة أن تطعنها أكثر:

-هي البينة بانت خلاص مفيش حد بيتقدملها، شكلها هتقعد جنبك طول عمرها.

كلمات كالسهام الغادرة انطلقت من أفواهٍ من المفترض أن يكونوا أقرب الناس إليها، شعرت أريج بحرارةٍ تتصاعد في صدرها إلا أنها لم تتوقف أو تلتفت؛ فقد أدركت مسبقًا أن رد والدتها إن جاء سيكون ضعيفًا لا يرد لها اعتبارها ولن يحميها من خنجر تلك الطعنات المتكررة.

خطت سريعًا نحو الشرفة، ذلك المكان الذي طالما كرهته في هذه البناية الطويلة العريضة…شرفة شقة خالها هشام، كم كرهت الوقوف هنا ليس لضيق المساحة أو سوء المنظر بل لأنها تُعيدها قسرًا إلى ماضٍ لم تتعافَ منه بعد.

هنا…كانت تلتقي آدم، هنا كانت تظنه الأقرب إلى قلبها، الصديق الذي يحميها من هلاك نفسها المنهكة بفعل خيبات والدها، وهنا بالذات أعطته قلبها ظنًا منها أنه سيحمله كما تحمل الروح جسدها فإذا به يعبث به بمهارة مَن اعتاد الخداع.

وقفت مكانها تحدق في فراغ الشارع أسفل البناية، بينما قلبها يثقل بأنين الذكرى، كم تلاعب بها آدم وكم كانت غبية إذ صدقت أن الحب يكفي ليحميها من تكرار خيانة والدها، تنفست بصعوبة وكأن الهواء مثقل بذكرياتٍ اختارت نسيانها لكن الواقع يفرضها عليها من جديد، حتى شعرت وكأن الشرفة نفسها تُذكرها بخطاياها كلما وطأتها قدماها.

                             ★★

دخلت أريج إلى شقة خالها هشام بخطواتٍ مترددة، ترتدي ثياب مدرستها وقد بدا عليها الإرهاق من يومٍ دراسي طويل، لكنها لم تأتِ هنا حقًا لمساعدة زوجة خالها في إعداد الطعام كما أوهمت والدتها، بل لسببٍ آخر أخفته في قلبها سببٍ جعل دقات قلبها تتسارع مع كل خطوةٍ تخطوها.

تسللت بصمتٍ حذر نحو الشرفة، المكان الذي صار ملاذها الخفي حيث كان ينتظرها آدم…ابن خالها الذي يكبرها بخمس سنوات، والذي صار في نظرها منذ فترة ليس مجرد قريب بل عالمًا آخر تلجأ إليه كلما ضاقت بها الحياة.

وما إن دفعت باب الشرفة حتى أبصرته يجلس على مقعدٍ بلاستيكي صغير، يتظاهر بالانشغال باحتساء كوبٍ من الشاي، لم يكن بحاجةٍ إلى النظر في عينيه لتدرك أنه كان ينتظرها على أحر من الجمر؛ فقد حفظت تفاصيله كما يحفظ القلب نبضاته، تقدمت بخطواتٍ خجولة تتعثر بارتباكها، حتى وقفت أمامه وهمست بصوتٍ خافت وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:

-آدم.

انضم للمجتمع

admin
admin