سكت عمر وهو بيبص عليا وبيحاول يفكر في كل الإجابات لسؤال زي ده من واحدة زيي وبيحاول يلاقي أحسن رد.
عمر: لو بحب حد مش لازم أقوله، كفاية عليا أعمل عشانه، الحب أفعال مش كلام.
سلمى: طب نعمل إيه في الشخص المتقلب إللي ما تفهملوش وضع؟
ابتسم وسكت، عرفت إنه هيرد بالسكوت، مش هيرد عليا، هيبص في عيني ويسكت، أنا بكره الردود الساكتة، بس معايا اتعودت كتير على الحاجات إللي أنا ما بحبهاش، اتعودت على البعد والتطنيش والسكوت.
عند عمر
حاسس إني لوحدي، لوحدي جدًا، بخاف أستفرد بنفسي وأقعد مع نفسي لوحدي عشان بأثر على نفسي بالسلب وبأذيها وبجلدها من غير ما أحس، أنا مش كويس، أنا عارف إني بحبها وبرتاح وأنا جنبها، هي النور وسط الضلمة إللي أنا عايش فيها، أنا عايش في ضلمة من غيرها.
بس أنا برضه خايف، خايف أعترفلها وأكسر قلبها، لما بشوف عينيها بتنور، بخاف وجودي يطفيه، ما أقدرش أأذيها، كل يوم كنت بشوف في عينيها إنها مستنياني أعترفلها، وعندها أمل كبير، بس آخر اليوم بيتحول ليأس، بس المريب إن كل يوم كان النور بينور تاني بالأمل، بس في حاجة جوايا بتقولي إني لازم أخلي عينيها تنور على طول، بس أنا عارف إني هكسر قلبها لو عملت كده.
عند سلمى
قعدت في الكافيه المفضل، كنت بشرب قهوة باردة، ببص على الكرسي إللي جنبي، كانت خيبتي قاعدة جنبي وحاطة رجل على رجل وبتتريق عليا وبتشرب معايا القهوة، وبتتكلم معايا في كل حاجة غلط عملتها، من ساعة ما أخدت قلم صاحبتي في الفصل وكسرته، لحد عمر، الراجل إللي ما بيخليش عندي ثقة في نفسي، ولا ثقة بذكائي، ولا بالناس كلها.
أنا بقيت متلخبطة بسببه، ليه هو غامض بالطريقة دي؟ ليه ممكن إنسان يكون مخيف كده، بس في نفس الوقت لطيف وطيب وحنون؟ أنا خلاص اتجننت.
غمضت عيني عشان أستوعب إني قاعدة لوحدي، وإن كل ده من وحي خيالي، هو فعلًا بيحبني؟ ولا أنا بيتخيل ؟
بعد كم دقيقة، لقيته دخل الكافيه، قعد على الكرسي إللي خيبتي كانت قاعدة عليه، حسيت إن دي إشارة إنه هيكون خيبتي الكبيرة.
عمر: القهوة دي عاملة زي الخيبة، مرة، مش مجرد حبيبات من البن.
ما قدرتش أمسك نفسي من الضحك، كان قاعد بيبصلي وكإنه كان عارف إنه قاعد مكان خيبتي، أو بيحاول يعرف إيه إللي بيضحكني بالطريقة دي، قرب مني وحضني وقالي: مش مشكلة.
وبقيت أعيط، أعيط جامد، كإن عمري ما عيطت قبل كده، ما كنتش مهتمة لو حد باصص عليا، ولا مهتمة بمنظري قدام الناس، كل إللي كان فارق معايا هو، وهو بيطمني وبيحاول يخليني أهدى.
عمر: حبيبتي، كل حاجة هتكون كويسة، أوعدك، ما تقلقيش، هديت وما نطقتش بحرف، وهو ما سألنيش أنا بعيط ليه، وأنا ما قلتش سبب عياطي، كان كل ده ما حصلش، والناس إللي حوالينا عمالة تبص لنا بإستغراب، كأنهم مستنيين سبب عياط، البنت دي بين أحضان الراجل ده، بس ما لقوش أي حاجة غير اتنين قاعدين بيشربوا القهوة بتاعتهم وهم ساكتين، كإن مفيش حاجة حصلت من كم دقيقة، كانوا بيبصولنا من وقت للتاني، مستنيين حد مننا يعاتب التاني أو يزعقله، بس لقوا كلام طبيعي.
استغربت نفسي، أنا عمري ما كنت البنت إللي بتعيط عشان الحب.
يمكن إللي حبيته قبل كده ما كانش حب، يمكن هو بس تعلق، أنا بكره نص الحاجات، يا إما تحصل كلها، يا إما متحصلش، أنا كارهة وضعي، وما أعرفش أي حاجة غير إني بحبه، وبتوجع من عدم اعترافه.
قبل أربع سنين، عند عمر
عمر: يا بابا، أنا بحب أميرة وعايز أتجوزها.
أبوه: حبها براحتك، ما حدش هيتكلم معاك، لإن ما حدش يقدر يتحكم في قلبه، بس مش هتتجوزها، مرفوض.
عمر: طب إيه السبب؟
أبوه: مش عايزك تغلط غلطي، مش هتقدروا تكملوا مع بعض، صفاتكم مختلفة، إنت مش عارف تفكر بعقلك وبتتحرك دلوقتي بعواطفك وقلبك، لكن أول ما تبقوا في بيت واحد كل المشاعر دي هتروح، وهتقعد تفكر، ومش هتلاقي غير المشاكل والخناق والإختلافات في الثقافة والدين والعادات والتقاليد، ما ينفعش أم أطفالك يبقى دينها غير دينك، حب براحتك وعيش، بس لما تتجوز، تتجوز بدماغك مش بقلبك.
عمر: أنا مش صغير، ومش باخد الإذن، أنا هتجوزها.
أبويا كان أشهر رجل أعمال في الوطن العربي، وكان رايح يعمل شغل في لندن، وقع في غرام أمي، حبوا بعض أوي واتجوزوا بسرعة، بس أبويا كان رجل شرقي وما قدرش يغير صفاته، وما قدرش يستحمل كل الاختلافات، واتطلقوا، وفضلت أنا عايش مع أمي، مع إنه حاول كتير إنه ياخدني أعيش معاه.
كنت عارف إنه أب كويس بس ما بيعرفش يبين مشاعره، كان على طول شايف إنه لازم أبقى شبهه طبق الأصل، وما كانش قادر يتقبل فكرة إني جزء منه وجزء منها، مش هقدر أكون لا نسخة منه ولا نسخة منها، أنا مش شبه حد.
رحت أبلغ أمي إني هتجوز، فرحت أوي وباركتلي، هي بتحب أميرة جدًا وما اهتمتش باعتراض أبويا، وقعدنا نجهز ليوم الفرح.
في الوقت الحالي، عند سلمى
عدى يومين على إللي حصل في الكافيه لما قعدت أعيط وهو ما حاولش يعرف إللي فيا، أعتقدت إنه عارف أصلاً ليه، دايمًا بحس إني عايزاه جنبي، وعايزة أسمع صوته وأبص في عينيه، وحشني، وحشني جدًا.
دكتور حسن: سلمى، إيه إللي واخد عقلك؟
سلمى: ممكن تبقى صاحبي؟ أنا ما عنديش دايرة علاقات كبيرة، دايرتي محدودة، والدنيا تلاهي، وكل واحد ملهي في حياته، فلو بقيت صاحبي هحكيلك، وأتمنى ما تتلهيش زيهم، اداني قهوة كان عاملهالي وقال: أكيد، أنا سامعك.
سلمى: أنا بحب واحد، وحاسة بمشاعر متناقضة من ناحيته، شوية بكون خايفة من غموضه، وشوية بكون مرتاحة معاه، بيعدي أوقات حلوة وأوقات لا، وبحس إني ما عنديش مانع أعمل أي حاجة بس يكون جنبي، بحب أشوفه، بحبه، وأول مرة أقع في الحب بالشكل ده، متوترة، أحيانًا بلمس حبه ليا، بس مش متأكدة، هو ودود مع كل الناس، ولا عايز يتسلى بيا؟ ولا إيه إللي مانعه إنه يعترفلي؟ بوحشه، بشوف ده في عينيه لما بشوفه، يا ترى الموضوع هيستمر ولا هيزهق؟
ليه بيخليني أرهق نفسي في التفكير وما بيريحش قلبي؟ بس أنا معنديش مانع أسيبه يجرح قلبي، ولو كسره مليون حتة، هنزل وأديهموله تاني، ولو ضمني وهو بيغزني بسكينة، وفلت منه، هنزل وأديهاله تاني بس عشان يفضل ضاممني.
أنا بحبه بغباء، وحاسة إن حبه مش كفاية لدرجة إنه مش عارف يعترفلي لو فعلاً بيحبني، أو حتى يريحني ويقولي إنه ما بيحبنيش.
دكتور حسن: بصي، أنا مش هتكلم كتير، عشان كده كده لو أنا دفعت عنك أو عنه، كده كده إنتِ ممكن تكذبي شعورك عشان تفضلي جنبه، إنتِ جواكي إحساس قوي، هو دليلك، كل أنثى عندها دليل بيحركها، بيعرفها إيه الصح وإيه الغلط، بس لما الست بتكون عايزة حاجة، بتقفل الدليل وبتغمض عينيها وتمشي، وبعد ما تقع في المشكلة تقول كنت عارفة، قلبي كان حاسس.
بصي يا سلمى، شوفي دليلك بيقولك إيه، وما تغمضيش عينك.
سابني ومشي، وساب جوايا مليون سؤال، هو أنا فعلاً جوايا دليل بيحركني؟ هو أنا فعلاً عارفة الغلط وبرضه بروحله؟
بعد كم دقيقة، لقيت عمر قدامي، بيبصلي وهو تعبان، ضحكلي، وضحكت حياتي معاه، ما اتكلمش ولا كلمة، هو بس حضني كإنه دخل بيته بعد يوم شاق، حسيت إن عظمي عجينة طرية، بيشكلها على مزاجه، حضني جامد، وقعدنا فترة على كده، ما حسيتش بالدنيا حواليا.
عمر: سلمى، أنا بحبك.
سكت. ما قدرتش أصدق إللي هو لسه قايله، هو فعلاً بيحبني؟ كنت حاسة بكل حاجة وعكسها، بس الأكيد إني كنت مبسوطة أوي، بس مرعوبة برضه، ما كانش المفروض يعترفلي أول مرة في المستشفى، مش مكان رومانسي يعني، بس الوقت بيرفكت، كنت خلاص قربت أيأس، حسيت إني بحبه من طرف واحد.
بس برافو، عمل زي الأهلي، بيكسب في الدقيقة الأخيرة من الشوط الثاني.
خدني وطلعني على سطح بيت عشان نشوف كل حاجة صغيرة، حطيت راسي على كتفه، وبدأت أتفرج على كل حاجة كإني بشوفها أول مرة، كل حاجة بتكون نظرتها مختلفة لما بتحط راسك على كتف إللي بتحبه، كان صوته فيه حنية غريبة، يمكن هيقولي كل حاجة لما يحس إنه قادر يقول، أنا شايفاه بيتوجع، لازم أستحمله.
هستناك يا عمر، هستناك تيجي تحكيلي كل حاجة بنفسك، هخلي الصبر يندهش من قوة صبري، مش هسيبك أبدًا، وهعدي كل الحواجز عشان أعرف أوصل لقلبك، أوعدك.
عمر: سلمى، أنا بحبك من أول يوم اتقابلنا فيه، مكنتش بصدق بالحب من أول نظرة والعبط ده، لحد ما شفتك داخلة الكافيه، الوقت وقف، إنتِ بس إللي قدامي، ما فيش حد حواليا، ريحتك انتشرت في المكان، لحد ما قعدتِ جنبي، حسيت إن القدر قاصد يجمعنا، وحسيت إن جرحي بيرمم، أرجوكي، ما تسيبينيش.
مردتش عليه، بس مسكت إيده جامد، حسيت بالفرحة، ما كنتش وقتها زعلانة، مش حاسة بس غير بالفرحة، بس طبعًا لازم يصاحب الفرحة دي شوية مش الخوف، خوف مش مطلوب، بس بيجي بالإكراه، خوف إن الفرحة دي تخلص، خوف إن كل حاجة تبوظ، خوف إن القلوب تتكسر.
عند عمر
ما قدرتش أبعِد، كلّ ما كنت بحاول، كنت بروحلها، أنا عارف إنها يمكن هتسيبني، هيجي يوم وهتسيبني، بس أنا هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أخلي اليوم ده أبعد يوم، هحاول أأجّله وأخره على قد ما أقدر.
ما كنتش حاسس إني كويس طول السنين إللي فاتت لحد ما شُفتها بتضحكلي، حسيت إن الكون كله بيضحكلي، وإني قادر أتنفس كويس، وقلبي ما وجعنيش إلا لما حسيت إنها هتبعد عني.
محسيتش بنفسي إلا وأنا حاضنها وبقولها إني بحبها، وبتْرَجّاها تفضل معايا، مع إني عارف إنها مش هتقدر، ومش هتقدر تتقبل كل إللي حصل قبل ما أعرفها، وعارف إنها هتتوجع، أيوه، أنا أناني، مش هسيبها حتى لو عارف إنها هتسيبني.
رحت لليلى زي كل مرة لما بتزنق بروح لها.
عمر: عاملة إيه؟
ليلى: كويس إنك افتكرتني، والله هدخلك المرة دي بس عشان وحشتني القهوة بتاعتك.
عمر: اموت في استغلال الفرص والإبتزاز بس يا ست عيوني.
ليلى: إحكي.
عمر: خلاص بقيت كتاب مفتوح قدامك.
ليلى: أنا عارفاك بقالي سنين، مش بتفتكرني إلا لو في مشكلة أو واقع في مصيبة، أخلص.
عمر: هتجوز سلمى.
ليلى: إنت واثق من اللي إنت بتعمله؟
عمر: مالِك يا ليلى؟ ده إنتي أكتر واحدة بتزني على دماغي وتقوليلي عيش حياتك وأتجوز وخَلِّف.
ليلى: أيوه حصل، بس المفروض البنت تكون عارفِة كل حاجة عنك، مش مْخَبي عليها الماضي بتاعك.
عمر: هَعَرَّفها، بس مش دلوقتي.
ليلى: أيوه، هتعرفها إمتى؟ لما تتجوزها وتخلف منها؟ هتقولها؟ يعني تكون هي لبست واتدبست؟ عمر، ما ينفعش تكون أناني بالطريقة دي لو فعلًا بتحبها.
عمر: لو بَعَدت عني مش هقدر أعيش.
ليلى: ليه حاطط إحتمال إنها تسيبك أساسًا؟ كل ده حصل في الماضي، هي أكيد مش هتعمل كده.
عمر: هو فعلًا ماضي، بس مستمر معايا يا ليلى، إنت أكتر واحدة عارفة.
ليلى: مش صح إللي بتقوله، مش صح.
كنت عارف إن ليلى معاها حق، بس ما كنتش موافق أقول لنفسي الكلام ده حتى، مش هقدر أقولها، مش هقدر أسيبها، ولا أقدر أخليها تسيبني دلوقتي، يا ريتني كنت أقدر أغير الماضي، ولا حتى المستقبل، ما أقدرش أهرب من نفسي.
قبل أربع سنين، عند عمر
النهارده يوم فرحي أنا وأميرة، بعد سنين من الحب، حب بيكبر يوم بعد يوم وما بيخلصش أبدًا، على طول بيقولوا إن الحب ده في البداية بس بيكون فيه اشتياق ولهفة لأول مرة، بس حياتي كانت مع أميرة كل حاجة كانت بتحصل كأنها أول مرة، هي اللي خلتني أشوف كل حاجة على حقيقتها، هي إللي علمتني أحب القراءة وأتعلم الفنون ويبقى عندي ذوق موسيقي جميل، خلتني أعشق الفنان فان جوخ، أنا فاكر حتى أول يوم لينا مع بعض في بيت واحد، وأنا شايفها بالفستان الأبيض، ما قدرتش أمسك نفسي، ولقيت عيني بتنزل دموع، دموع الفرح والانتصار، كانت شبه الملايكة اللي نازلين على الأرض لمهمة معينة.
أميرة: عمر، إنت بتعيط؟
عمر: عايز خمس بنات يكونوا شبهك بالظبط، عشان الكون يشكرني على النعم اللي هقدمهاله.
بتضحك بصوت عالي، بحب ضحكتها، بحس إن الدنيا كلها بتضحك.
في الوقت الحالي، عند سلمى
كنت فرحانة أوي، مع إني عارفة إن الفرحة دي مش هتكمل للآخر، زي ما دكتور حسن قال، دليلي بيقولي الطريق الصح، ودليلي بيقولي إن الفرحة دي مش هتدوم، يمكن وجوده يكون فترة، بس أنا ناوية أفرح بكل دقيقة جنبه كإنها آخر دقيقة.
تليفوني رن، وكان عمر، حبيبي.
عمر: عاملة إيه؟ وحشتيني.
سلمى: أنا كويسة، إنت كمان وحشتني، كنت لسه على بالي.
عمر: أنا من ساعة ما عرفتك وإنتِ مش بتطلعي من بالي.
كان كلامه عادي، اتقال قبل كده كتير، بس ليه أثره صعب عليا؟ بيخترق قلبي كإني بنت عندها 14 سنة وبيعاكسها إبن الجيران، سهرنا مع بعض الصبح بنحكي عن بعض لحد ما نمنا والتليفون ما اتقفلش.
مع إن كلامه بيحسسني إنه مخبي حاجة، مش قادرة أنا ما أفكرش فيها، ويثيرني فضول ناحية إللي مخبيه، هو إللي مخبيه وحش للدرجة دي، ولا هو مش عايز يفتكره؟
لحد ما صحي الصبح وقفل الخط ورن عليا كذا مرة عشان يصحيني، كانت أول مرة على صوته، كان صوته إللي فيه أثر النوم، تاني أحسن حاجة بعد وجوده.
كنت حاسة إن عندي 15 سنة وبحب لأول مرة، حسيت إني ما كبرتش في العمر، الحب بيحسسنا إننا لسه صغيرين مع اللي بنحبهم، بنزعل، نتخانق، وفي ثانية نتصالح، مجرد ضحكة بتنسينا الزعل، الحب بيخليني غبية لدرجة كبيرة.
بقالي كام شهر في لندن، عدى وقت في وجع، وقت في فرحة، وقت فيه وحشة وقعدة استئناس، وقعدت شهور كتير على أول مرة شفت فيها عمر وإزاي حبنا بعض، وصحوبيتي مع روز ومصطفى ودكتور حسن.
عدى وقت طويل، وبلدي وحشتني فعلاً، وحشتني إسكندرية، وأمي وحشتني، والبحر، وأصحابي إللي هناك، وحشني كل حاجة، مع إني بكلم أمي كل يوم وأصحابي، بس برضو ما فيش زي الحقيقة، المقابلة ورا الشاشات ما تجيش حاجة جنب حضن أمي ولمّة أصحابي حواليَّا.
وبما إني في إجازة، هروح مصر زيارة، البلد اللي ما أقدرش أهرب منها، مهما إفتكرت إنك عايز تسافر وتسيب بلدك، أول ما تخرج منها هتوحشك وهتكون عايز ترجعلها وتحط رجلك فيها، كان فاضل بس إن أنا أعرف عمر إني هسافر مصر.
سلمى: عمر، أنا هرجع مصر، كل حاجة وحشتني هناك.
عمر: هتسيبيني؟
حسيت بالخوف في عينيه، كإني مجرد ما هبعد عنه وأروح دولة تانية هنساه.
سلمى: ما تقلقش، أسبوعين بالكتير زيارة عشان أطمن على أمي وأقابل أصحابي وهَرَجَع.
عمر: طبعًا إنتِ صح، ماشي يا روحي، طب استعدي عشان أجهزلك ورقك وكل اللي هتحتاجيه.
بفرح من رجولته وتصرفاته وكإني مسؤوذلة منه، هو فعلاً شخص مسؤول، أنا طول عمري بعمل كل حاجة لنفسي من غير مساعدة، محدش بيكون معايا، ولما كبرت كنت اتعودت فمبقيتش أخلي حد يساعدني، لكن عمر دايمًا بيكون جنبي وبيساعدني على طول حتى من غير ما أطلب.
سلمى: طول حياتي ما طلبتش من حد مساعدة، ولا حد عملي حاجة تخصني، إنت بس إللي لو احتجت حاجة بفكر فيك، إنت بتسندني وبتقويني، ولو اتعوجت، بتعدلني.
عمر: أنا على طول معاكي، في الصح والغلط، في الخير والشر، أنا معاكي، عمري ما هسيبك.
كان ده آخر كلامنا وإحنا في المطار، وأنا بشرب القهوة الفرنسية وبستغرب من نفسي، وأنا جايه المطار ده من كم شهر كنت عاملة إزاي وبقيت عاملة إزاي، كان بيبصلي كأنه آخر مرة هيشوفني، ولما سمعت النداء بينادي على المسافرين، حضنني جامد وشالني وقال: مش هسيبك تمشي يا سلمى.
كل الناس بقت تتفرج علينا، إللي بيطلعوا تليفوناتهم ويصورونا، وإللي بيضحكوا علينا، واللي بيدعموه على إللي بيعمله، وأنا بصوت وبضحك، لحد ما نزلني وقال بنظرة مكر.
عمر: عشان ما حدش من المسافرين يفتكر إن إنت سنجل ويحاول يفكر فيكي، عشان يعرفوا إن معاكي راجل يقدر يمسح بوش إللي يقربلك بلاط الأرض.
حسيت إني مطمنة، مع إنه مش هيكون معايا، بس مطمنة بجد، طمأنينة جوايا، ومش هيأثر الغياب على إحساسي بيه، حضنته جامد وقلتله في ودنه: بحبك.
وركبت الطيارة راجعة بلدي، البلد إللي عمرها ما حبتني، بس أنا على طول بحبها، راجعة من مكان ما عرفت، بس المرة دي مش لوحدي، هو معايا في قلبي.
قبل أربع سنين، عند عمر
العيشة مع أميرة كانت بيرفكت، كنا مبسوطين، وقليل جدًا لو اتخانقنا، كنا بنفهم بعض، وحبنا كبر معانا، خصوصًا لما عرفت إنها حامل، حامل مني، هتكون أم عيالي، وهتخلفلي أحلى طفل في الدنيا، ما كانش ناقصنا حاجة.
كنت دايمًا بفكر، عشان إحنا مختلفين، أنا زي الشيطان وهي زي الملاك، كنت دايمًا بسمع الطيبون للطيبات، وما فهمتش إزاي إحنا اتجوزنا طالما الطيبون للطيبات، يمكن أنا كويس من جوايا فعلاً عشان كده أستاهل إن أميرة تكون معايا، أنا فاكر اليوم إللي أميرة قالتلي فيه إنها حامل، عزمت أمي وأبويا وأهلها في البيت، وكانت عايزة تفرحنا كلنا، عزمتهم على العشا عندنا، وقعدنا كلنا على الترابيزة، وكل واحد قدامه طبق ومتغطي بطبق تاني .
استعجبت بس ما اهتمتش أوي عشان أميرة على طول بتعمل حركات غير معتادة، وأول ما بدأنا نجهز نفسنا عشان ناكل، كل واحد من إللي قاعدين كشف طبقه عشان يلاقي هدوم صغيرة لبيبي، أو جزمة صغيرة جدًا، أو شراب، أو طاقية.
كلهم عرفوا إللي بيحصل إلا أنا، لقيت في طبقي صورة سونار ومعاها بيبي تشيك، مكنتش قادر أصدق خالص. بصيت حواليَّا على الناس وأنا مستغرب ومش فاهم، لقيتهم كلهم فرحانين وهيطيروا من السعادة، لحد ما أميرة قربت مني وبصتلي بصّة أول مرة تبصهالي وقالت: بعد سبع شهور بس هجيبلك أحلى ابن في الدنيا.
وأنا لسه ساكت مش قادر أصدق الموضوع، مش عارف إزاي في الأفلام بيصوتوا ويقولوا “يعني أنا هبقى أب أخيرًا”. هي دي سرعة بديهه منهم؟ وسذاجة مني؟ ولا إيه؟ أنا لحد دلوقتي مش قادر أصدق، يعني إيه هيكون عندي بيبي؟ ابن ليا؟ ابني أنا؟
ما أعرفش، بس لقيتني بعيط، وكانت أميرة بتحضني بطريقة أول مرة تحضنهالي، المرة دي كان هرمونات الأمومة بدأت تظهر عليها، وحسيت إنها أمي، أمي أنا، والجنين، مش فاكر إني كنت مبسوط في حياتي قبل اللحظة دي، حبيبتي جنبي، وهيكون عندي إبن منها ومني، أنا من أكتر الرجالة المحظوظة في الدنيا، وكانت الشهور بتعدي، وكان يوسف بيكبر في بطن أميرة.
أيوه، إحنا قررنا إننا هنسميه يوسف، كنت عايز أسميه اسم ميكس بين الشرقي والغربي عشان يبقى يوسف وجوزيف، وكل ما بيقرب ميعاد ولادته، كلما أنا وأم يوسف بنحب بعض أكتر، أو أنا كنت فاكر كده.
في الوقت الحالي، عند سلمى
وصلت لمطار مصر، وزي ما خرجت من مصر من غير ما أقول لحد، رجعتلها برضو من غير ما أعرف حد، هعمل مفاجأة ليهم كلهم زي ما عملتلهم مفاجأة وحشة ومشيت من غير ما أقول.
فتحت الأبليكيشن وطلبت أوبر، وبالصدفة البحتة لقيت إن سواق الأوبر هو واحد كان بيحبني جدًا وكنت فاكرة إن أنا كمان بحبه.
الشخص: لما شفت الإسم كدبت نفسي، قلت أكيد مش هي، وقلت أجرب، والحمد لله طلعت إنتِ.
سلمى: مروان، إيه الأخبار؟
مروان: أنا كويس الحمد لله، كان عندي شوية ظروف بس الحمد لله.
بصيتله وأنا ببتسم، وده معناه إني مش عايزة أكمل كلام، وهو عارف الموضوع ده، لسه فاكر، فاكر كل حاجة، بعد كم دقيقة لقيته بيشغل الأغنية إللي أنا بحبها، ما قدرتش أمنع نفسي من إني ما أبتسمش وأنا سامعة مروان بيغني مع عبد الحليم. “يمكن يرجعلي في يوم.”
مروان قلب الصوت واطي جدًا.
مروان: يمكن يرجعلي.
سلمى: حقك عليا.
مروان: ليه بتقولي كده؟
سلمى: حقك عليا وخلاص على كل حاجة حصلت.
مروان: آه، يمكن إنتِ بتعتذري عشان أنا حبيتك وإنتِ ما عرفتيش تحبيني، واني كنت مستعد أموت نفسي بس عشان أنول رضاكd، واني كان نفسي عيالي تكوني إنتِ أمهم، وإن أي واحدة بتقرب مني من الجنس الآخر، بتلخبط في إسمها وأقول إسمك، ما تقلقيش، ما تعتذريش، مش مهم.
حسيت أول مرة إن مروان معاه حق وإنه مش أوفر في كلامه، عشان أنا في الأول اتوجعت لما حسيت إني بحب عمر وهو مش بيبادلني الشعور، عشان بس ما اعترفليش، أنا عشقت عمر زي ما مروان عشقني، يا ترى عمر هيجرحني زي ما أنا جرحت مروان؟ ربنا هينزل عدله في عمر عشان ينتقم مني؟ أتمنى كلامي يكون مجرد أوهام.
كنت سارحة في الطريق وفي السما بفكر في كل حاجة حصلت زمان ودلوقتي، وبعدين، بفكر في عمر كتير، وحشني، وحاسة إني مش من حقي أفكر في عمر قدام مروان إللي بيعيط من شدة حبه ليا، وأنا غرقانة في التفكير في راجل تاني بحبه.
بعد كام دقيقة، لقيت عمر بيرن عليَّا، ومروان خد باله وقفل الأغاني وسكت عشان يحاول يسمع المكالمة ويعرف إذا كان في حد في حياتي ولا لا، أو خايف يكون في حد في حياتي، ما أعرفش.
سلمى: عمر.
عمر: وحشتيني.
سلمى: أنا خلاص وصلت، كم دقيقة وأكون قدام البيت، بيضحك عمر عشان برضه وأنا في المستشفى بيقعد يعاكسني ويقول لي كلام حلو قدام الناس، وأنا ما بقدرش أرد عليه من كتر الكسوف.
عمر: بحبك.
سلمى: أنا داخلة على البيت، أهو شويه وهكلمك.
كان مروان حافظ كل حاجة عني وكان عارف إني ما بعرفش أرد على المدح، وأعتقد إنه عرف كل حاجة، مكنتش عايزة أجرحه أكتر من كده، وقلت لعمر: “اقفل، هكلمك لما أوصل”، وقفلت.
مروان: بتحبيه؟
سلمى: سكوت.
مروان: حقيقي فرحان، فرحان إنك حبيتي، عشان الحب ده أحلى حاجة في الدنيا، مهما اتألمت منه، برده هيفضل أحلى حاجة في الدنيا.
أنا لقيت إن السكوت أحسن حل، وفضلت أبص في الطريق وأسرح لحد ما وصلت بيتي، وأكيد مروان مكانش محتاج يسألني بيتي فين عشان هو عارفه كويس أوي، إفتكرت من سنتين، قلتله إن إحنا لازم نسيب بعض، جي عند بيتي واتصل عليَّا وقعد يعيط وقال لي: “انزلي، وإلا هطلعلك أنا البيت”
قلتله: “اهدأ شويه، واستناني في الكافيه إللي بنقعد فيه على طول”.
وفعلاً رحتله هناك، كانت هدومه مبلولة وكان قاعد بيشرب سجاير قدام كوبايه قهوة، قعدت أبصله وأنا ساكتة، بحاول أعرف حالته النفسية عاملة إيه وأقدر أتعامل معاها إزاي، وهو كان بيبصلي، كإني مش موجودة، كان بيتكلم كإنه بيتكلم مع نفسه مش معايا.
مروان: إنتِ ما ينفعش تسيبيني، مرفوض! ليه عايزة تعملي فيَّ كده؟ أنا مش بحبك، بس أنا بعشقك! ليه هتسيبيني؟ ليه تسيبي حد بيحبك بالطريقة دي؟
بصلي، بس كانت حالته صعبة، مخلينيش أعرف أتكلم معاه بالعقل والمنطق، كان صوته هادي جدًا، كانت الدوشة إللي جواه أكبر من إنه يطلعها ويركز في صوت الحروف وهي خارجة من شفايفه.
وقف وقرب مني، نزل على رجليه قدامي، حط إيدي في إيده، وحط راسه على إيديا وقال وهو بيعيط: “ما تسيبنيش”.
حضنته زي الأم إللي بتحضن ابنها الصغير، حسيت إنه ضايع، كنت بحاول أخليه يهدأ، بس أنا ما كنتش أمه وما كنتش حتى حبيبته، أنا ما أعرفش أنا كنت إيه في حياته، بس أنا عمري ما حسيت معاه زي ما حسيت مع عمر، كنت عايزة أدفع الحساب، بس هو بصلي البصّة إللي بيبصهالي على طول لما بحاول أدفع وهو معايا، مش هخبي عليكم، كنت بخاف من البصّة دي.
سلمى: شكرًا على التوصيلة.
مروان: من ساعة ما عرفتك، وأنا بوصلك الحتة إللي إنتِ عايزاه تروحيها، عمري ما توهتك.
كنت عارفة إن كلام مروان ليه معنى تاني، ويقصد بيه حاجة تانية، بس سبته يقول إللي هو عايزه عشان أنا حاسة بيه، ما كنتش عايزة أوجعه أو أفكره بأي حاجة قديمة، ما كنتش عايزة أوجعه تاني بجد.
كان قلبي بيدق بسرعة كل ما قربت من الباب، طلعت المفاتيح وفتحت، دخلت البيت، وكان صوت السكوت بس، بيتنا عمره ما كان ساكت كده، كل حاجة كانت محطوطة في مكانها، كإني ما بعدتش عن البيت ده ولا يوم، دخلت أوضة أمي، ما لقيتهاش، قلبي وجعني، هي فين؟ حسيت بالخوف، عمري ما جيت البيت وما لقيتش أمي، قعدت أدور عليها زي العيلة الصغيرة إللي عندها أربع سنين وأنا مرعوبة، لحد ما لقيتها نايمة في الأوضة بتاعتي، قعدت على الأرض وعيطت، ما أعرفش ليه، بس حسيت إنها سابتني ومشيت، مع إني مكلماها قبل ما أجي، صحيت على صوت عياطي، وقامت مخضوضة.
الأم: إنتِ جيتي من إمتى وبتبكي ليه؟ فيكِ إيه؟
سلمى: ما فيش حاجة، أنا بس خفت لما ما لقيتكيش في السرير بتاعك.
الأم: ليه؟ هو أنا عبيطة زيك عشان أسيب سريرك وأحط عليه ورقة وألم شنطتي وأسافر؟
ضحكت، عشان أنا عارفة بعملتي دي إنها عمرها ما هتنساها، وهتفكرني بيها لحد ما أموت، حضنتها، وحسيت إني لسه واصلة البيت حالًا، كانت عايزة تتكلم معايا كتير، بس أنا كنت تعبانة، ونمت وإحنا بنتكلم.
صحيت لقيتني في السرير بتاعي، ابتسمت، وحسيت إني عايزة أكلم عمر عشان وحشني.
خرجت من الأوضة، سمعت صوت أمي بتكلم حد، ما اهتمتش، إفتكرت إنها بتتكلم في التليفون، لحد ما طلعت وأنا مش لابسة بنطلون، حتى لابسة تيشرت بس، واتفزعت لما شفت عمر قدامي.
أنا حتى نسيت ألبس حاجة، ما فيش غير صوت أمي ونظرات عمر الغريبة إللي فوقوني، دخلت الأوضة تاني، وأنا مش مصدقة نفسي ولا عيني، وبحاول أفتكر أنا كنت بتنفس إزاي، لحد ما هديت شوية، ولبست هدومي وخرجت، ولقيت أمي بتقولي: ده عمر جاي يطلب إيدك مني.
قبل ثلاث سنين عند عمر
كنت أنا وأميرة في فترة مش مبسوطين ومش متوازنين، كنت عارف إن في شوية ستات بيجيلهم اكتئاب لما بيكونوا حوامل، وبرضه اكتئاب ما بعد الولادة، وهي كانت من ضمنهم، يمكن هي خايفة، أو يمكن الحمل متعب، قعدت أبررلها كل التبريرات إللي قدرت عليها، قلت مستعد أتكيف مع النكد من غير حتى ما الاقي مبرر، حسيت إني عايز أشوف ليلى، أشوف ليلى بس، ورحتلها كالمعتاد عشان تقف جنبي، ما بتلومنيش لما ببعد عنها فترة، بالعكس، تفتحلي بيتها زي الأم إللي بتقابل عيالها من غير عتاب ولا زعل.
ليلى: مالك؟ فيكِ إيه؟ شكلك تعبان.
عمر: لا، أنا كويس.
ليلى: عمر، بلاش كذب.
عمر: فعلاً، أنا كذاب، بس ما فيش كلام يتحكي، مش عارف حتى من حقي أتضايق ولا لأ، مش عارف في إيه، إحنا كنا كويسين، وفجأة ما أعرفش إيه إللي حصل!
ليلى: إنتِ وأميرة كويسين؟
عمر: بنبعد عن بعض كل شوية، والمسافة بتكبر، والحواجز بتزيد، والسكوت بقى لغتنا، بدورلها على أعذار كل شوية، مش عايز نوصل للحته دي.
ليلى: بص يا عمر، الحياة مع الشخص إللي بتحبه مش هتبقى دايمًا وردي وجميلة، وطالما إنتوا اتجوزتوا هتقعدوا مع بعض في أسوأ حالاتكم، أوقات مش هتبقوا طايقين بعض، وأوقات خناق، وأوقات تانية فرحة، وأوقات عشرة ومودة، ولازم تستحملها لأنها فعلاً في فترة صعبة.
لو إنت عايز تكون جنبها ومش عايز تحسسها إنها تقيلة عليك وانها متغيرتش، ما تحسسهاش إن ده تفضل منك، بالعكس ده الواجب بتاعك، حتى لو مفيش أعذار ولا مبررات.
اعملها إنت عشان الحب يستمر، الناس ممكن تحكم على حياتكم من غير ما تعرفها، إنت أكتر واحد شايف الصورة كاملة وعارف، إيه المضحك في الموضوع؟ إن اللي شايف الصورة كاملة مش بيحللها صح.
سكتت ليلى كم دقيقة عشان تقدر تكمل كلامها، كان الكلام إللي بتقوله ليها بتلم فيه بواقي قلبها المكسور، قعدت جنبها وشربنا خمره، وأنا بفكر في أميرة، بفكر في حياتنا، وإزاي أكسر المسافات إللي بينا، والسكوت إللي بقى مالي بيتنا، وجنبي ليلى بتفكر في راجل عشقته وهو ما حبهاش ولو شويه صغيرين.
وجه اليوم الموعود، يوم هيشرف فيه أستاذ يوسف، كنت أنا وأمي وأبويا وأهلها موجودين، ولادتها كانت صعبة، أميرة اتوجعت جامد، يوسف ما كانش عايز يطلع يشوف الدنيا كإنه عارف إللي بيحصل فيها، وما حدش يقدر يلومه على كده، لو كان للإنسان إرادة في كده، ما كانش إتولد، بس ربنا ليه حكمه.
يمكن يوسف ما كانش عايز يخرج عشان سمعني وأنا بتكلم عن الحروب إللي في سوريا وفلسطين والثورات إللي بتحصل، والرؤساء والملوك الظلمة، أو يمكن سمع عن ربنا والجنة والنار والحسنات والسيئات، يمكن مش عارف هو هيكون مبسوط معانا ولا لا، أو يمكن سمع وأنا بتكلم مع أميرة عن أبويا وحس بالخوف إني أكون أب زيّه في يوم من الأيام.
هو بس حاسس إنه عايز يفضل جوه أميرة على طول وما يخرجش للدنيا، ضحكت على نفسي وعلى تفكيري، وكنت بضحك وأنا فخور بابني عشان هو ذكي، مش عايز يجي الدنيا عشان عارف إللي فيها، وعايز يختار إنه يروح الجنة على طول من غير تكليف.
كنت بفكر في كل ده وأميرة ماسكة إيدي بتعيط وتصوت من الوجع، فعلاً لازم الجنة تكون تحت أقدام الأمهات، هو أنا عملت إيه؟ دوري ما كانش كبير زي دور أميرة، يوسف إتكون جواها، ومنها، ما كانتش بتعرف تنام ولا تاكل، ما كانتش بتقدر تتنفس كويس في آخر كام شهر، ومش هتقدر تنام كويس طول عمرها.
أنا سمعت أمي وهي بتقول إن آخر يوم نامت فيه كويس كان اليوم إللي قبل ما تعرف فيه إنها حامل فيا، ومن ساعتها وهي ما بتعرفش تنام كويس، كل شوية بخبط في الرحم بتاعها، وأنا زهقان أو بخبطه عشان عايز أخرج للدنيا قبل ما أعرف كل القرف إللي فيها، لو كنت عارف ما كنتش اتحركت من مكاني، حزن على إللي هيحصلي.
سمعت عياط، سمعت عياط ابني، حسيت إنها إشاره ليه، أول ما الطفل يتولد بيعيط، قرأت مرة إن البيبي وهو في بطن أمه بيشوف شريط حياته، عشان كده بنعيط عشان هنعرف إللي هيحصلنا لما نخرج، وإللي حوالينا أغبية مش فاهمين، وإحنا بمرور الوقت هنبقى أغبية زيهم وننسى، بس عمرنا ما هننسى إللي بنشوفه كل يوم الصبح، عشان كده متلازمة تيجابو هي لقطة من الشريط إللي شفناه وإحنا في بطن أمهاتنا، إيه العبط ده؟
كلنا فاكرين إننا بنختار طريقنا، بس في الحقيقة ربنا خلق فينا حاجة بتخلينا نختار الطريق إللي هو محدده لينا، ساعات بفكر إنه من ساعة ما اتولدت وأنا مكتوب إن أنا هجيب ولد واسميه يوسف، يعني اسم ابني مش أنا إللي مختاره، فعليًا أنا مجبر أختاره بإرادتي.
بحاول أبطل أفكر في الغيب كتير عشان الشيطان ما يدخلش دماغي ويلعب بيها عشان أكون عبد كويس، مش عايز أحس إني مجرد عروسة بتتحرك من غير إرادتها وهي فاكرة إنها بتتحرك بمزاجها، عايز أموت عشان أسأل ربنا كل الأسئلة اللي بتدور في دماغي.
هو إحنا هنشوف ربنا في يوم من الأيام؟ هل ربنا ينعم علينا بالنعمة دي ويقولنا كل حاجة إحنا ما قدرناش نفهمها لوحدنا؟ وكنا بنخاف نسأله عشان ما نكونش كفره ويغضب علينا.
هل ربنا هيحس إننا نستاهل نسمع إجابات عقلنا البشري يقدر يفهمها بعد ما آمنا بربنا، مع إننا ما نقدرش نشوفه؟
فكرت في كل ده والممرضة بتحمي يوسف وأميرة معاها، الدكتور بيهديها وبيديها تعليمات عشان تهتم بصحتها وأكلها، وأنا عارف دلوقتي إن أنا بقيت أب، مش هكون أبدًا أب زي أبويا مع كل اللي حصل منه، أنا عارف إني بحبه مع إنه ما حاولش يعلمني أي حاجة غير إنه علمني ما أكونش أب وحش زيّه.
أميرة خدت يوسف ترضعه، وأنا قاعد ببصلها، ببص على أسرتي الصغيرة، كنت طاير من الفرح لما سمعته بيعيط لأول مرة، حسيت إن في حتة من قلبي كانت مقفولة واتفتحت لما سمعت صوته، حسيت وقتها إني سامحت أبويا على كل حاجة، سامحته عشان حس الإحساس ده ناحيتي، ويمكن بيحسوا لحد دلوقتي.
أميرة مسكت إيدي وقالتلي: “شيله”، سمعت صوت قلبي، ما قدرتش أشيله، هو من حقي إن أنا أشيله؟ هل هقدر؟ هو فعلاً ما بقاش مجرد جنين، ده بقى طفل وتكون عنده جسم وأقدر أشيله؟
كنت خايف، إحساس عمري ما حسيته، وأميرة زي عوايدها بتخلي أي حاجة صعبة سهلة، مسكت إيدي وحطتها على شعره، ما أعرفش حسيت بإيه وقتها، بس عيطت، ابني، أنا شايل ابني، شيلته وقلتله في ودنه: “أنا هحبك على طول، مهما تعمل هتفضل ابني على طول.”
أبويا قرب مني وقال: “شيل ابنك وأذن في ودنه، الطفل مسلم.”
ما كنتش في حالة تسمح فشاله هو، وكان يوسف بيعيط لحد ما أبويا قرب من ودنه اليمين وقال: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.”
وفي ودنه الشمال قال: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.”
كلنا واقفين بنتفرج عليه، بنتفرج على سكوت يوسف بعد ما كان بيعيط، أميرة كانت مبتسمة وما زعلتش أبدًا، بس استغربت إن يوسف سكت، هي مؤمنة بمحمد ودين محمد، ولقيتها بتقول مع أبويا: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.”
ما كنتش عارف هي كده دخلت الإسلام ولا بس بتريح روحها، عمري ما اتكلمت مع أميرة في الدين، بس حسيت إنها دخلت الإسلام، روحتلها وبوست راسها، وهي شالت يوسف وبصتله، وهي بتقول: “جوزيف، أنا بحبك أوي.”
عدى شهور على اليوم إللي اتولد فيه يوسف، شهور ما قدرناش ننام كويس، كان كل واحد ليه دور، إللي يغيرله البامبرز، واللي ينيمه، مرة كنا بنبدل عشان نعرف نستريح، ابني حبيبي ما كانش بيحب ينام بالليل، كان بيبقى مبسوط إن عنده أم وأب بيسهروا عليه طول الليل عشان ياخدوا بالهم منه، شهور وإحنا بنحاول نتعود على فكرة إن بقى عندنا ابن دلوقتي، ما نقدرش نسهر براحتنا ولا نسافر وقت ما نحب، يمكن يتعب، يمكن يجوع أو يعيط، العياط بتاع يوسف كان طرب.
يوسف كان شبه أميرة أوي، وده كان سبب تاني يخليني أحبه أكتر ما أنا بحبه عشان هو ابني، وعلاقتي مع أميرة كانت بتبوظ بعد إكتئاب ما بعد الولادة، جت في دماغي فكرة إن أنا أخدها ونتعشى برا في مطعم أميرة إللي بتحبه، كنت حاسس إنها عايزة تقولي حاجة، قررت أساعدها عشان تتكلم، كنت أنا وهي ويوسف في العربية، وشغلت أغنية أميرة إللي بتحبها وكانت: Don’t try to make me stay or ask if I am okay cause I don’t have the answer.
بعدها أميرة عيطت، ما أعرفش مالها، فيها إيه، بس كنت عارف إنها هتقولي حاجة، أكيد هتقولي، ولو ما عرفتش مش هضغط عليها، أنا بس عايزها تكون كويسة، مفيش حاجة بتوجعني أكتر من إني أشوفها وهي بتتألم من السكوت أو من الخوف، هي خايفة من إيه؟ أنا ما أعرفش، لقيت نفسي بقولها: أميرة، أنا هفضل جنبك على طول.
إبتسمت وهي بتبصلي كأنها عارفة إني هفضل جنبها على طول، مسكت إيدي ونامت على كتفي، وكان بقالنا شهور ما حصلش مني أي لحظة رومانسية، وكان اليوم ماشي بسلام لحد ما أميره قررت تعترفلي باللي جواها.
في الوقت الحالي عند سلمى
عمر في بيتي في مصر قدامي قاعد مع أمي، عايز يتجوزني!
عمر: مش العروسة موافقة؟ يلا نقرا الفاتحة.
ضحكت وقلتله: إنت جاي تشتري هدية؟ لا، ما تستعجلنيش، ادينا مهلة كده أسبوعين نفكر ونرد عليك، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
قام من مكانه وقرب مني وهو بيقول بطريقة صارمة: ولا ثانيتين، يلا نقرا الفاتحة بهدوء بدل ما نقراها على قبرك.
سلمى: يعني هو ده آخر كلام عندك؟ على فكرة أنا ما بتهددش.
بصلي بعينيه وكان لسه هيقرب مني.
سلمى: طب يا روحي تحبي تقرأها دلوقتي ولا كمان شوية؟ ما تقعد إنت واقف ليه كده؟ رجلك توجعك؟
ضحك، وأنا ضحكت، وأمي ضحكت، ضحكنا وإحنا مبسوطين، والفرحة مالية بيتنا، كانت أمي مبسوطة إنها شافتني، وعمر طلب من أمي إنه ياخدني النهاردة يفسحني، وهي وافقت بكل سهولة.
عمر: عايزاني أوديكي فين؟
سلمى: أي مكان معاك، جنة.
عمر بإبتسامة: خلاص عرفت، هوديكي فين.
خدني بالعربية وداني قدام واحدة من العمارات إللي بحبها وإللي بتبص على البحر، ما فهمتش حاجة، نزلنا من العربية، اتكلم عمر مع بواب العمارة، وإداله مفتاح، وإدالي المفتاح التاني، ولسه مش فاهمة حاجة.
طلعنا الدور الخامس وبعدها وقف عمر وفتح الباب بالمفتاح إللي إداهولي، دخل عمر، وفضلت أنا واقفة في مكاني، هو أنا المفروض أدخل ولا لا؟
في لندن كنا بنشرب قهوة مع بعض على طول، وإحنا لوحدنا في البيت بتاعي، بس إحنا هنا في مصر مش في لندن، حسيت إنه يمكن الأماكن بتغير طباعنا وتقاليدنا، وإللي كنت بوافق عليه هناك ما أقدرش أوافق عليه هنا، مع إن هو هو، عمر ما بيتغيرش، يمكن عشان كده عندنا ازدواجية في التفكير، عشان إحنا مش مصدقين إللي بنعمله، بنعمله عشان لازم نعمله، بس مش عشان إحنا عايزين نعمله، إحنا مخصوبين على كده، بنوافق على حاجات في مكان ما بنوافقش عليها في مكان تاني، إللي طلعني من السرحان صوت عمر وهو بينادي عليا.
عمر: سلمى؟
قلت لنفسي مش لازم أكون ازدواجية تاني في حياتي، هكون إللي يعجبني في أي مكان يعجبني، دخلت الشقة وقفلت الباب، ولقيت الشقة تحفة ومتجهزة، وكل حاجة فيها زي إللي أنا بحبها بالظبط، كانت زي الجنة، تجنن، بس أنا لسه برضه مش مدركة إللي بيحصل، قررت أسأل عمر.
سلمى: عمر، هي إيه دي؟
عمر: دي شقتنا إللي هنعيش فيها لما نيجي إسكندرية.
قعدت أتفرج على كل شبر في الشقة وهو مكمل كلامه: أنا سألت روز، أكتر مكان بتحبيه في مصر، وهي عرفتني إن ده المكان المفضل إللي كان نفسك تعيشي فيه، وطلبت منها تتفق مع الناس والسمسارين هناك وتخلص كل حاجة، وأنا إللي نقيت كل حاجة في الشقة على ذوقك إنتي.
ما كملش كلامه عشان أنا حضنته وسكت، بس أنا حسيت بدقات قلبه بتزيد وأنا بقوله: بحبك أوي.
ما انبهرتش من كل ده قد ما انبهرت من إهتمامه وحبه ليا وإنه عايز يعيشني في المكان اللي كان نفسي أعيش فيه وإنه مهتم بقى بكل التفاصيل، الألوان إللي بحبها، واللوحات، وكل حاجة خد باله منها.
قلتله من غير ما أحس، من غير إدراك: نفسي أعيش معاك عمري كله وأكون جنبك في حضنك.
عمر: هتعيشي معايا، ما حدش هيكون جنبي وفي حضني غيرك يا سلمى.
سلمى: مش حقيقي، عيالنا، أنا عايزة أخلف ولد يكون شبهك بالظبط، مع إنّي طول حياتي نفسي أجيب بنت.
حسيت إن نبض قلبه بيزيد أكتر، حسيت إنه مش كويس، بعد عني شوية، وأنا سألته: مالك يا عمر، فيك إيه؟
بصلي وهو بيحاول ما يبانش عليه أي حاجة وقال: لو قعدنا هنا لوحدنا أكتر من كده، ما تلومنيش على إللي هيحصل.
بعدت عنه، خبطته في كتفه وهو كان بيضحك، وقعدت أقول كلام مش مفهوم من كتر الكسوف، وقالي أجهز نفسي عشان لسه في مفاجأة تانية، وخدت شنطتي ورحت ناحية الباب، هو قرب مني، قرب مني بنفس الطريقة إللي قرب مني فيها ساعة لما كنا في المكتب.
سلمى: إيه الحالة جت؟
ضحك عمر وهو بيجري ورايا وبيقولي: هتشوفي الحالة دلوقتي.
قعدت أجري وهو يجري ورايا، بس في الآخر مسكني، أصلاً بجري ليه كده؟ كده هروحله برجلي، ما فيش هروب منه.
قبل ثلاث سنين عند عمر
أميرة: أنا خنتك.
كانت بتقول الكلام بكل بساطة كإنها دربت نفسها كذا مرة قبل ما يجي اليوم إللي هتعترف فيه، كأنها مش أول مرة تعمل كده، وعايشة بقالها كتير مع الخطيئة دي، ما قالتليش سامحني، ما عيطتش، قالتلي بكل ثبات، فعلاً كإنها بتسألني عايز أكل النهاردة على الغداء؟
كانت قوية في كلامها، ما قدرتش أطلع صوت، صوتي اتكتّم بس في سؤال جوايا طلع من غير ما أحس: ليه؟ وأمتى؟ وفين؟ ومع مين؟ وليه؟
ليه؟ ليه؟
كان عندي أسئلة كتير جوايا، أولها كانت: ليه؟ ما كنتش عارف، ليه؟ ما قدرتش ألاقي عذر، ما قدرتش أسامحها، أكيد كان في سبب عشان تخوني، بس مهما كان، مش هقدر أسامحها، بس ليه أنا كنت معاها على طول؟ كنت معاها على طول، مش فاكر في مرة إن أنا بعدت عنها، ليه؟ ليه بجد؟
ما لقيتش الكلام إللي يطلع إللي جوايا، من ألم، خانتني، خانتني، أنا سبتها ورحت الحمام، قفلت الباب، وما حسيتش بنفسي، إلا وأنا قاعد على الأرض بعيط وبكلم نفسي بصوت عالي وبقول…
عمر قعد على الأرض في الحمام وهو بيعيط وبيكلم نفسه بصوت عالي ويقول: خانتني ليه؟ مش هتلاقي حد أبدًا يحبها زي ما أنا حبيتها وهي حبتني، وعندنا طفل، يوسف، إزاي تخوني؟ هي بتهزر؟ هي عايزة تشوفني أنا هعمل إيه؟ بتختبر صبري؟ يمكن؟ لا، أكيد.
روحتلها هي ويوسف وأنا بقنع نفسي إنها بس بتختبرني أو بتعمل فيا مقلب، يمكن عايزة تشوف هو أنا عصبي زي أبويا ولا لأ، لما رجعت كانت هي طلبت التشيك، دفعت الحساب، وشلت يوسف ورحت العربية، ركبنا ورجعنا البيت، كلنا ساكتين في سكوت بيوجع، وحاسس إني سامع صوت قلبي إللي اتكسر، بس هي اتكلمت تاني وقالت: عمر، إحنا لازم نتطلق.
ما أعرفش إيه إللي حصل لحد ما صحيت ولقيت دكتور في وشي بيسألني: إنت كويس؟ حاسس بإيه؟
عمر: أنا فين؟
الدكتور: إنت في المستشفى، عملت حادثة وعربيتك اتكسرت إنت كويس؟ حاسس بإيه؟
عمر: يوسف؟ يوسف فين؟ وأميرة فين؟ أميرة؟
في الوقت الحالي عند سلمى
اتفقنا على ميعاد الفرح، وجهزنا كل حاجة، كنت مبسوطة أوي، بس النهاردة عمر هيسافر لندن، عنده كام حاجة هيعملها، وهيجيب ليلى وروز ومصطفى معاه ويرجع، رحت معاه المطار، وقبل ما يمشي باس راسي.
عمر: هتوحشيني.
سلمى: ما تتأخرش، مستنياك، تعالى على طول.
عمر: حاضر، هاجي على طول، مش هتأخر.
إبتسمت وكنت أنا مخططة أنا وأصحابي هنقابل بعض ونتبسط، وأكيد قعدتنا هيكون فيها ملاحظات عن جمال عمر وإنه الأمير اللي هيخطفني على الحصان الأبيض، وبعدين سلوى قالت: بس مريب شوية.
ما حسيتش بنفسي إلا وأنا بدافع عنه وبشكر فيه، سلمى: لا، بالعكس ده عمر واضح وصريح وطيب وراجل.
سلوى: أيوه معاكي حق، بس ما فيش حاجة حلوة كاملة، دوري إنت بقى، مخبي إيه؟ ولا حكايته إيه؟ عمرك ما هتلاقي شخص كويس على طول وبس، لازم يبقى في حكايه.
إفتكرت وقتها سكوته وإنه مش بيتكلم كثير عن نفسه، وعلى طول حاسة إنه مخبي حاجة أنا ما أعرفهاش، وهو مش عايز يقولها، هو فعلاً ما فيش حاجة حلوة كاملة، فعلاً ما فيش حاجة واحدة بس في الكون كله كويسة من أولها لآخرها، يمكن سلوى معاها حق، ليه ما بنقدرش نتخيل إن في حاجة في الدنيا كاملة؟ ليه ما بنقدرش نستوعب النهاية السعيدة؟ وبنحس إنها كلام فاضي ومش حقيقي وأساطير؟ ويمكن تمشي النهاية أصلاً.
لكن النهاية الحقيقية لازم تكون حزينة، يمكن السبب في ده إن الدنيا وحشة، ولا إحنا إللي وحشين؟ ما أعرفش، بس يا ريت يا عمر، يا ريت إنت تكون النهاية السعيدة، يا ريت يا عمر نكون مع بعض لآخر الدنيا، حاولت أتحكم في نفسي وهجوم الأفكار على دماغي، وحسيت إني لازم أكون على سريري دلوقتي لوحدي، أعيط أو يمكن أقعد ساكتة، بس اللي كنت حاسه بيه إني مش قادرة أقعد معاهم، وعايزة بس أقعد لوحدي.
عند عمر
وصلت لندن ورحت أجيب ليلى.
عمر: جهزي نفسك، هتنزلي معايا مصر.
ليلى: مش عايزني أعملك مساج وأطبخلك وأكنسلك وأمسحلك؟ إنت اتجننت؟ هروح مصر أعمل إيه؟
عمر: عشان أنا وسلمى هنتجوز هناك، والفرح هيكون هناك.
ليلى: إنت أكيد بتهزر.
عمر: لا، مش بهزر.
ليلى: طب، إنت حكيتلها كل حاجة؟
عمر: لا، برضو.
ليلى: عمر، إللي بتعمله ده أكبر غلط، ما ينفعش تكذب عليها إنك…
عمر: ليلى، الصح مش دايمًا بيجيب نتيجة، لحد إمتى هفضل أعمل الصح؟ هو أنا مش من حقي أغلط أبداً؟ أنا عايز أمشي في الطريق ده عشان في سعادتي وراحتي، حتى لو صعب شوية، أنا تعبت في حياتي كتير وعديت بحاجات صعبة، أنا بحبها وهي بتحبني، وده المهم.
ليلى: الحب لوحده مش كفاية يا عمر، هي مش هتسامحك لو عرفت إنك بتكذب عليها.
عمر: بس الحب بيخلي الانسان عنده قدرة إنه يسامح ويتغافل عن أي حاجة عشان يكمل مع إللي بيحبه، هتسامحني حتى لو ما عملتش كده أول ما تعرف هتعمل كده بعدها بشوية لكن دلوقتي أنا مش هقدر أعرفها ولا هقدر أسيبها، جهزي حاجتك عشان عندي مشوار هخلصه وأجي أخدك.
في مصحة نفسية في لندن، راح عمر عشان يقابل أميرة مراته.
عمر: أميرة أنا عارف إنك سامعاني بقالك كتير سامعاني من سنين بس مش عارف هتردي عليا إمتى، إنتِ هتحسي بيا .. أنا النهاردة جيت عشان أقولك إني هتجوز إسمها سلمى حبيتها وحبتني حبيتها بعد ما كنت فاكر إني عمري ما هحب واحدة غيرك ولا قلبي هيدق تاني وكنت فاكر إن حياتي خلصت بعد ما إتكسرت يا قلبي، وبعد كل ده قلبي ما طاوعنيش إني أسيبك.
هنعمل فرحنا بكره جاي أعرفك إني ما قلتلهاش ولا حكيتلها حاجة عنك، مش قادر أقولها الحقيقة ولا هعرف أطلقك، هقولها إزاي إن مراتي إللي كنت بموت فيها خانتني وعملنا حادثة وابني مات مات وهو في حضني؟
هقولها إزاي إن جه عليا أوقات ما كنتش متأكد لو كان إبني أو كنت بعمل كده عشان محسش بالكسر والوجع، أنا إبني مات بسببي؟ فراقه كان صعب، أنا عايش وميت في نفس الوقت، نص مات مع يوسف بعد ما خنتيني، ونص عاش بعد ما شاف سلمى.
عرفت إزاي أضحك معاها لما ضحكتلي وقلبي حبها، أنا مش جاي أعاتبك عشان أنا عارف إنك مش هتردي عليا، بس حبيت أعرفك عشان في حاجة بتقولي إنك لازم تعرفي.
ولما جه عشان يمشي بعد ثلاث سنين، ولأول مرة سمع صوت عياطها بتعيط وكانت منهارة، بتعيط كأنها ما عيطتش قبل كده، كانها بتعيط على كل حرف ما اتكلمتوش ولا نطقته من ثلاث سنين.
بتعيط على موت يوسف، ابنها، هي كده خسرت ابنها وجوزها، وقف عمر زي التمثال، ما قدرش يتحرك، ما قدرش يمشي ويسيبها ولا يروحلها، وقف في النص، في النص بين الماضي إللي بيدبحه والمستقبل إللي ما يعرفلوش شكل، ويمكن يذبحه هو كمان، وقف عشان محتاج يستريح.
أميرة قربت منه، ولأول مرة من ثلاث سنين تحضنه، تحضنه جامد وتضم صدره إللي خرجت منه بمزاجها، يمكن ساعات كانت بتحس إنها هي إللي قتلت ابنها، وساعات كان هو إللي بيحس بكده.
بس عمر ما بادلهاش الحضن ولا بعدها عنه، كان في النص مش عارف يعمل إيه، أثرت عليه أميرة، وريحتها، ولمستها ليه، بس دلوقتي هو قلبه مليان بسلمى، باسته وكانت آخر بوسة طول عمره.
لما بيبوسها كان بيدوق فرحتها، المرة دي كان بيدوق عياطها وحزنها، كانت أميرة عندها غصة في قلبها بسبب الخيانة والموت والخسارة، ولأول مرة عمر ما باسش أميرة، بالعكس، حاسس إنه بيخون سلمى بعيد عنها بلطف عشان ما يجرحهاش، مع إنها خانته، بس كان حبه ليها أكبر من خيانتها، بس برضه، خيانتها كانت كبيرة لدرجة ما تخليهمش يكونوا مع بعض تاني.
بعد عنها، باسها من دماغها وقال: أنا بحب سلمى، ولأول مرة من ثلاث سنين أميرة تتكلم من ساعة ما عرفت إن يوسف مات: وأنا بحبك أنت، وأوعدك حبك عمره ما هيتشال من قلبي لحد ما أموت.
أميرة سابته ورجعت السرير بتاعها إللي ما سابتهوش من ثلاث سنين، بصلها زي اللي بيودع وطنه، بيودعه بس جواه ذكريات طفولته وأهله وإحساس الدفا إللي كان فيه، بس في نفس الوقت عنده شغف بالوطن إللي هيروحله والحياة الجديدة.
كانت أميرة زي الوطن القديم إللي خزله، بس مهما كان، الوطن هيفضل وطن، مقدرش عمر يستحمل إحساسه بالذنب إنه هو إللي موت يوسف، ما قدرش يسيب أميرة ولا يطلقها مع كل إللي حصل ده، مقدرش، كإنه زي الأب إللي بيسامح غلطات عياله، وما يقدرش يسيبهم لوحدهم خالص.
عمر راح لليلى وكان كلم روز ومصطفى.
ليلى: رحت لأميرة؟
عمر: مين قالك؟
ليلى: أنا، محدش بيقولي حاجة، ما حدش فاهمك في الدنيا كلها زي ما أنا فاهماك.
عمر: أميرة نطقت وقالتلي إنها بتحبني.
ليلى: حسيت بإيه؟ كنت تايه؟
عمر: أنا عرفتها إني بحب سلمى، ما كنتش عايز أسمع الكلمة دي من حد تاني غيرها، ما كنتش عايز حد يحضني غير سلمى، ليلى، أنا بجد ممكن يجرالي حاجة لو بعدت عني.
ليلى حضنت عمر عشان تحاول تهديه، ليلى بتحب عمر أوي كإنه ابنها وهي أمّه أو أخته الكبيرة، هو أخوها الصغير إللي اتولد على إيديها، وكان هو كل حاجة ليها في الدنيا، كان هو الحاجة الوحيدة الكويسة إللي حصلتلها من ساعة ما اتولدت تقريبًا.
عيط عمر في حضنها كتير، وهي عارفة إنه كان محتاج يعيط في حضن حد، حد عارف كل حاجة، حد مش هيسيبه، وكانت هي الحد ده، ومش هتسيبه أبدًا.
هي شافته في أحسن حالاته وأسوأ حالاته، كانت معاه على طول من لما كانوا عيال، وهو ضرب ولد صغير كان بيحاول ياخد العجلة بتاعتها غصب عنها، من أول ما شافوا بعض أول مرة وهو بيسندها ويحميها، وكانت العلاقة إللي بتربطهم أكبر من علاقة حب وجواز، كانت علاقة من نوع تاني، في حنية وأمومة.
قعد يعيط بنحيب وهي بتهديه وتقوله إن كل حاجة هتكون كويسة، وهو يعيط ويقول كلام ملوش معنى، هي حتى ما حاولتش تسأله عن معناه، هي على طول حاسة بيه، والإنسان محتاج إيه أكتر من إن حد يحس بيه؟ هي الوحيدة إللي كانت تقدر تشوف إللي في قلبه حتى لو مخبي شعوره تحت وشه إللي بيضحك، كانت شايفة ضعفه.
عمر: أنا في حياتي كلها ما ارتحتش مع حد زي ما ارتحت معاكي، في أي وقت بتسنديني، في أي مكان بلاقيكي معايا، بتقدري تفهميني من غير ما أتكلّم، ليلى، إنتِ أعظم حاجة في حياتي، من وإحنا صغيرين وأنا بتعذب بين أب وأم مطلقين، وكل واحد بيستخدمني سلاح يحارب بيه التاني، وإنتِ كنتِ مصدر أماني، مهما بعمل، بتحميني وتحسسيني بالأمان، أنا بجد بحبك يا ليلى.
كلام عمر أثر في ليلى، عيطت معاه وحضنته أقوى وقالت: إنت مش مجرد صاحبي وأخويا، إنت ابني، أنا كمان بحبك، يلا عشان في فرح وعروسة ودنيا كبيرة، عروسة حلوة وبتحبك، وبعد الفرح هنفكر في كل حاجة شاغلة بالك، ما تقلقش، كل حاجة بتتحل.
عند سلمى
فرحي بكرة هكون مرات راجل بحبه وبيحبني، راجل كل إللي أنا كنت عايزاه، في فتى أحلامي لقيته فيه.
رحت المكان المفضل عندي، شربت قهوة وكنت بودّع المكان عشان أنا وعمر اتفقنا إننا هنروح فرنسا نقضي شهر العسل هناك بعد الفرح، وبعدين هنرجع لندن تاني، بعد كام دقيقة لقيت مروان قاعد معايا، وهو شايل القهوه بتاعته وهو بيقول وبيبتسم إبتسامة مش حقيقية: العروسة سابت الفرح وهربت ولا إيه؟
قال كده عشان أضحك، بس أنا ما ردتش عشان ما يتوجعش، كان باين عليه إنه متوجع أوي، مش ناقص، وحسيت إن أنا لو قلت كلمة واحدة هيعيط وينهار.
مروان: مبارك.
سلمى: الله يبارك فيك، عقبال ما أفرح بيك.
مروان: طب إيه؟ مش هتعزميني؟
سلمى: هو إنت يعني محتاج عزومة؟
سكتنا بنحاول نغير الموضوع إللي هيخلص بالعياط والعتاب، كنت مستنية عمر يرجع، كانت طيرته نزلت مكانش معاه ليلى وروز ومصطفى.
كنت خايفة من مقابلتهم، ما أعرفش ليه، عمر عمره ما سألني عن الماضي بتاعي ولا حياتي قبله كانت عاملة إزاي، كإنه مش مهتم، أو كأنه مش عايزني أنا كمان أسأله عن حياته قبل مني والماضي بتاعه.
ما أعرفش، أنا كمان ما اهتمتش، عمر جه وكان لوحده، يا دي النيلة، كده هكون خايفة أكتر، عمر قرب، لما شافني بص على مروان وابتسمله، مد إيده عشان يسلم عليه.
مروان شافه وابتسم وطول شوية لحد ما مد إيده لعمر، كنت حاسة إنه لازم حد منهم يمشي قبل ما يحصل مشكلة أو خناقة بين راجل كان عايز يتجوزني، والراجل هيتجوزني فعلاً، بين الماضي والمستقبل، بين مروان وعمر، أي إنسان بيحس بالخطر لما بيحس إن ماضي مراته أو حبيبته قدامه، وبيفهم ده من النظرات والقلق، بيعرف على طول.
عمر مسك إيدي وبساها وقال: وحشتيني.
ما قدرتش أمنع نفسي إني ما أضحكش في وشه ومبصلهوش جامد، هو فعلاً وحشني، بس برضو كنت بحاول أعمل حساب لمشاعر مروان إللي عمر ما عملوش حساب وهو قاصد.
كإنهم هم الاثنين زي الحيوان المفترس والفريسة، كل واحد بيحاول يثبت للتاني مكسب أو خسارة، مقدرش، مروان يستحمل الخسارة، ما قدرش يستحمل بصات عمر إللي كلها ثقة، مقدرش يتخيل إني أكون مرات واحد تاني وهنام جنبه، وأنا شفت ده في عين مروان، مهما كان، أنا عارفة مروان كويس جداً.
عمر: ما قلتليش بقى، تعرف سلمى منين؟ عمرها ما اتكلمت عنك قبل كده.
بصلي مروان كتير وكإنه بيلومني إني حتى ما حكتش عنه لعمر، ولا كإني كنت أعرفه قبل كده.
مروان: أنا الماضي، أنا الماضي بتاعها، هتتكلم عني ليه؟ كلام في الماضي بيوجع وبيفكرك بحاجات قديمة، وسلمى في حياتها كلها بتحب تعدي، تعدي الناس والشوارع والأيام بتاعتي كمان، قصص الحب والغضب، سلمى زي العيلة الصغيرة، بتنسى بسرعة، بتبكي في ثانية وتضحك ثانية إللي بعدها.
أنا الثانية إللي سلمى عيطت فيها، وبعد كده هربت بالسفر عشان ما تعيطش تاني، وهناك قابلتك إنت، وكنت إنت الثانية إللي ضحكت فيها، ما حدش عارف الثانية الجاية هيحصل فيها إيه.
حس عمر بالغيرة والعصبية، ورد بسرعة: الثانية الجاية هتكون في حضني.
حسيت إني في النص بين خناقة كبيرة وحرب، حاولت أهدي الدنيا وقلت: ليلى وروز ومصطفى فين؟
عمر: مرهقين شويه من السفر، طلعوا على الأوتيل على طول، هيناموا النهاردة وهنتقابل بكرة عشان بكرة اليوم هيكون متعب.
استأذن مروان عشان يمشي، هو كده عرف إن دوره انتهى وخلاص، ودعني.
سكت عمر شويه كانه مستني أحكيله أو أشرحله إللي بيحصل، بس أنا كنت ساكته، فسألني:
كان حبيبك؟
عمر: كان حبيبك؟
سلمى: كنت فاكرة إنه كان حبيبي أو إني بحبه، بس في الحقيقة لما شفتك عرفت إني محبتش غيرك ولا عرفت الحب إلا معاك، وما حدش حبيبي غيرك يا عمر.
الكلام ده قدر يهدي من غيره عمر شويه، غيره عمر إللي أنا ما شفتهاش قبل كده، كان قلقان بيحرك رجله بسرعة ويهزها، حطيت إيدي على رجله وبصيتله، بطل يهزها، قربت منه وقلتله في ودنه: أنا بحبك.
ابتسملي ووضعه إتغير، القلق والتوتر والعصبية اتبخروا، كان عمر بكلمة توديه سابع سما وكلمة تجيبه سابع أرض، كان التعامل معاه مش سهل زي ما أنا كنت فاكره، بس أنا اتعاملت معاه بطريقتي إللي هو بيحبها، عشان كده حس بالهدوء والراحة.
الموضوع ما كانش محتاج مني أكتر من كلمة حنينه يحس بيها إنه هو لوحده إللي في قلبي، هو لوحده وبس، كان بيتوتر شويه ويشك أحياناً، يمكن حصله حاجات وحشة خليته بالطريقة دي.
عشان كده مش بيقدر يثق في حد بسرعة، ولا بالساهل، أكيد في حاجة حصلتله بتوجعه من وقت للتاني وبتخليه يتعامل بالطريقة دي، هيحكيلي في يوم، أنا عارفة، هيجي يوم ويحكيلي.
عند عمر.
جه اليوم الموعود، اليوم إللي هتكون فيه سلمى مراتي، هتكون ليا على طول لحد الموت، وبعد الموت كمان هتكونلي أنا لوحدي، كتبنا الكتاب قبل ما أسافر وده كان شرط أمها، ومحدش كان مش موافق على قرارها، بس النهاردة هنكون في بيتنا، هنعيش مع بعض، نصحى سوا، هحضنها براحتي وقت ما أحب، هشوفها وقت ما أحب، هتكون معايا، حاسس كإني ما اتجوزتش قبل كده، حاسس إني قلقان.
كانت بنت بنوت أول مرة تتجوز، بس أكتر شعور مسيطر عليا الخوف من إن جوازي المرة دي يفشل، مش هقدر أستحمل إن أنا أخسرها، مش هقدر تاني، مش هقدر أستحمل إنها تسيبني، طاقتي خلصت من الوجع، ما بقاش عندي طاقة أستحملها تاني، أنا استنفذت، ما بقاش باقي عندي قوة أستحمل بعدها عني.
الوقت بيعدي وهي بتجهز نفسها، هي بتجهز نفسها وأنا متوتر، هو أنا بعمل حاجة غلط فعلاً؟ هي هتسيبني في يوم من الأيام؟ أنا حقيقي خايف، خايف أوي، وبحبها أوي، جه الوقت إللي مستنينه بقالنا كتير، أنا رايح لسلمى، رايح أشوفها أخيراً، أشوفها وهي لابسالي الفستان الأبيض، مش عايز أوصفها إنها شبه الملاك، مش عاوز أوصفها بأي حاجة الإنسان اتوصف بيها قبل كده، هي سلمى، سلمى وبس، يمكن لو أنا عايز أتغزل فيها هقول اسمها عشان ما فيش حاجة شبهها.
عند سلمى
بستعد لفرحي، حاسة بتوتر أوي بس فرحانة إني هكون مع عمر، هبقى معاه ومراته على طول، حاسة إني طايرة في السما، مش ماشية على الأرض، عادي صحابي حواليّا وكل إللي بحبهم، النهاردة اليوم البيرفكت ليا.
لبست الفستان إللي عمر اختارهولي وجابهولي عشان يفاجئني، دخلت الأوضة بتاعتي لقيته على السرير في علبة كبيرة ومعاه جزمة وكل حاجة، ما نسيش أي حاجة، كإنه عارف كويس إللي المفروض يعملوا ويشتريه، أكيد عشان ما نسيش حاجة.
هيخليني أسعد إنسانة على وش الأرض، كنت شبه الأميرات، أميرات ديزني، ما كنتش بحب أحط مكياج، بس هو جابلي أحسن makeup artist، حقيقي حبيتها وعملتلي ميك أب سمبل، كنت قلقانة شويه عشان أنا داخلة على حياة جديدة، وهتكون مسؤولية، ممكن أبقى أم في يوم من الأيام، يا ترى هكون أم كويسة؟
هكون زي أمي، حنينة وصارمة، صاحبة وأم في نفس الوقت، أنا كنت دايماً شايفة أمي صاحبتي، خلتني أخاف إني ما كنتش قد ثقتها بيا، مش أخاف منها، شايفاها النهاردة مبسوطة، مبسوطة جداً، يا ترى هكون أم ممتازة زي أمي؟
فكرت في كل ده وأنا ببص عليها وهي بتتحرك على طول، كإنها طايرة في السماء مش ماشية على الأرض من خفتها وفرحتها، كنت عايزة أروح عند عمر، مش قادرة أستنى لحد ما يشوفني وأشوفه، ما كنتش مهتمة خالص باللي المفروض يحصل في اليوم ده، بالعكس كنت مهتمة باللي أنا عايزاه يحصل.
اتسحبت وأنا مستخبية لحد ما قربت من الأوضة بتاعته، لقيته بيزعق، وقفت في مكاني ما قدرتش أتحرك، دماغي مصدعة في خناقة جوايا، وقفت جنب الباب بحاول أسمع، هو بيزعق ليه ولا أفتح الباب وأدخل وأعرفه إني سامعاه، ولا أمشي وما أحاولش أفهم حاجة وهو هيحكيلي في الوقت المناسب، هو قال إنه هيحكيلي كل حاجة.
فجأة لقيت نفسي بحاول أسمع هو بيقول إيه وقال: يعني إيه مراتك انتحرت؟ هو أنا حاططها في مصحة ولا راميها في الشارع؟
كان بيزعق بالإنجليزي، ما كنتش عارفة حاجة، هو أنا سمعت صح؟ هو قال مراتك؟ مراته مين؟ أنا هنا، اهو، كويسة؟ ولا أنا انتحرت؟ وده العفريت بتاعي.
وقفت كم دقيقة كده بحاول أدرك إللي بيحصل، دخلت عليه، حاول يخبي إللي جواه بس ما قدرش، قعدت جنبه وقلت: مراتك انتحرت؟
حسيت مرة واحدة إنه ما سمعنيش، كان القوة إللي بيحاول يمثل إنها موجودة اختفت، قعد على الأرض حط إيده على راسه وسكت.
وأنا عمالة أعيد وأزيد وأقوله مراتك مين، مراتك مين، مراتك مين؟ زي الراديو البايظ إللي علق لحد ما نطق وقالي كل حاجة. أخيرًا قالي: مراتي، أنا متجوز.
حسيت إن أعصابي بتفلت مني، عقلي مش مدرك إللي هو بيقوله، جملة مجرد جملة قدرت تذبحني، حسيت إن الجملة دي مش مجرد جملة عادية، ده سكينة غرست في قلبي وفي جسمي كله، مش قادرة أتنفس، قلبي واجعني، مش واجعني وجع عادي، لو في كلمة أقوى من كلمة إن قلبي اتكسر فتافيت هيكون هو ده إللي حصل.
حسيت إني سامعة صوته وهو بيتكسر، عقلي فاضي تمامًا، مش قادرة أفكر في أي حاجة، ساكتة من قوة صوت قلبي اللي بيتكسر، عمر قرب مني وهو بيعيط وقال: أنا هشرحلك كل حاجة.
ما حسيتش بنفسي إلا وأنا بقلع الفستان، الفستان الأبيض بقلعه قدامه وبقيت عريانة، كإني أكون عريانة قدامه، أحسن لما ألبس حاجة هو جابهالي، قعدت على الأرض ساكتة، ساكتة بتوجع وبس، وسامعة صوته وهو عمال يتكلم، بس أنا مش عارفة بيقول إيه، كان بيحاول يخليني مقلعش الفستان وهو بيحضني ويقول: إهدي، هشرحلك.
ما قدرتش أعد كم مرة قالي فيها الجملة دي “اهدي هشرحلك”، ما قدرتش أهدى، بس هو قالها كتير أوي وحاسة إني مش قادرة أسمعها.
قعد جنبي ساكت، قفل باب الأوضة عشان ما حدش يدخل ويشوفني عريانة، قعد جنبي وهو بيقول: يوسف، أميرة.
أميرة؟ أيوه، أميرة، أميرة إللي قالي إسمها وهو سكران؟ هي مراته؟ هي دي مراته إللي انتحرت؟ ومين يوسف ده كمان؟ هو متجوز! عمر متجوز!
عمر: كنت بحبها، كانت حبيبتي وحب عمري، اتجوزنا، اتحديت أبويا ووقفت قدامه والدنيا كلها، خلفنا جبنا يوسف.
طلع تليفونه وراني صورته وهو بيعيط، كنت بفهم كلامه بصعوبة، كان منهار وحالته لا يرثى لها، وكمل: مات، أنا إللي قتلته.
حسيت مرة واحدة إني بركز في كلامه، وبقيت ما ببصش بعيد وبصيت في وشه، كان مكسور، كان أب موجوع على فراق ابنه، عشان كده قلبه كان بيدق بسرعة لما قلتله إني عايزة أخلف ابن منه يكون شبهه.
عمر: كنا في المطعم، قالتلي إنها خانتني، كنا في العربية راجعين مروحين البيت، الحادثة … عملت حادثة، مات إبني، مات، قتلته.
قعد يعيط كإنه ما عيطش على موت ابنه أبدًا، ما حسيتش بنفسي إلا وأنا بعيط معاه، بعيط على كل حاجة، بعيط على موت ابنه، كإنه ابني بالظبط، بعيط على عياطه، بعيط حتى على موت مراته، مراته إللي هي مش أنا، وابنه إللي مش ابني، ولا مني، بعيط معاه وهو بيعيط بنحيب.
عمر: إنتِ مش هتحسي بيا، أنا اتألمت وأنا مش عارف هو ابني ولا لأ، أوقات كتير كنت بفكر، هو يوسف ابننا فعلاً؟ ابننا أنا وهي ولا ابنها هي بس؟ مات وهو في حضني، مات وأنا بقوله كل حاجة هتكون كويسة، مات وهو باصصلي، آخر حاجة شافها كنت أنا.
عيط، عيط جامد زي ما عيط وهو سكران وقال: ما قدرتش أطلقها، كان صعب عليا، أنا قتلت ابنها، وهي من وقتها في حالة صدمة، مش بتنطق، حاولت كتير أعالجها، وأديتها دكاترة ومن مستشفى لمستشفى، بس برضه ما كانتش بتتكلم، ما قدرتش أسِيبها، يمكن لو كنت سبتها وطلقتها لما عرفت إنها خانتني، وسبتلها يوسف، كانت هتفضل عايشة، لكن أنا عملت إيه؟ أنا قتلتهم الاثنين، ما قدرتش أسِيبها، موتهم، وأنا كمان مت، ما كنتش عايش لحد ما جيتِ إنتِ.
حسيت تاني بالحياة، أول ما شفتك، جبرتي جرحي وصلحتيه، خليتي مني إنسان مش بقايا، أنا ما حكيتلكيش، وخبيت عنك عشان كنت مرعوب تسيبيني وتتخلي عني.
كان عمر لابس الروب بتاع الأوتيل، بصيتله، قربت منه، فكيتله الروب، كان بيبصلي وهو مش فاهم حاجة، بس كان مستعد يعمل أي حاجة عشان ما ابعدش عنه، كان الباب عمال يخبط، وسامعه صوت ليلى وأمي، بس أنا ما اهتميتش، بصيت على جسمه، وحضنته، ما عيطتش، ما اتحركتش، قلتله: أنا مراتك وعايزاك.
وبعد ما تمت ليلة الدخلة، إبتسمت وقلتله بكل هدوء: طلقني.
عمر غمض عينه وكان مستني مني أي حاجة، كان مستني إني أطلب منه الطلب ده من ساعة، كان مستنيها من قبل ما ندخل على بعض، فتح عينه تاني، وهو بيدور على كلام يهديني، حاول يمسك إيدي، بس أنا منعته بانهيار وعصبية: طلقني.
قربت منه وقلتله في ودنه: هي خانتك عشان هي خاينة، مش عشان إنت معيوب أو عندك مشكلة.
قمت وأنا متوجعة، حسيت إني مش قادرة أقف على رجلي، حسيت بالوجع النفسي والجسدي.
عمر ما ردش على كلامي، سكت، لبست الروب إللي هو كان لابسه، كنت جاهزة عشان أطلع وأقابل العالم، فتحت الباب وقلت لأمي إني مش هتجوزه وإننا هنطلق، دخلت أوضتي، لبست الهدوم إللي لقيتها قدامي، وخرجت من الأوتيل كله من غير ما أقول لحد.
لقيت العربية بتاعة مروان، ركبت معاه، هو قعد يسألني مالي وبيحاول يفهم أي حاجة، بس أنا طلبت منه يطلع الساحل، وفضلت ساكتة طول الطريق، نمت من التعب، كان جسمي واجعني جداً، وقلبي متكسر، وعقلي كان ناقص شوية، ويمشي من كتر الصداع، وصلنا، ومروان ما رضيش يسألني عن أي حاجة.
مروان سابني وراح يشتري شوية طلبات وأكل، وسألني لو عايزة حاجة، بس أنا ما ردتش عليه، قعدت أفكر في عمر، وكسرت كل حاجة قدامي، وجه مروان يحاول يهديني قعدت على الأرض بعيط ومروان بيواسيني على وجع من راجل غيره قد ايه هو قوي بعد ما فقت شويه طلبت من مروان يتجوزني.
عند عمر
سلمى سابتني ومشيت، سابتني وأنا عريان على السرير، يا دوب مستغطي باللحاف، دخلت ليلى وهي مخضوضة وبتسألني حصل إيه، وأنا قعدت أنهار من العياط، قلتلها إنها عرفت وسابتني، ليلى بَستني من راسي وقالتلي: ما تقلقش، كل حاجة تتحل، يلا قوم البس.
عمر: سابتني ومشيت.
ليلى: ماشي، عرفت، هترجع، أنا هكلمها وهرجعها.
أم سلمى وصلت الأوضة، وبعد كام ثانية فهمت إللي حصل هنا، فين بنتها، وأنا عملت إيه، وهي ليه سابتني، أم سلمى واقفة مش فاهمة أي حاجة في أي حاجة، وأنا بعيط، وليلى بتهديني، ليلى كانت عارفة إن رد فعل سلمى مش هيكون قليل، بس ما كانتش متوقعة إنه يكون بالطريقة دي.
عند سلمى
مروان كان عارف إني بخرف، فخدني على قد عقلي وقال: نامي دلوقتي، وبُكرة نتكلم.
صحيت الصبح كنت عايزة أرجع بيتي، مش عايزة أخلي أمي تبقى قلقانة عليا أكتر من كده، ولازم أواجه عمر وأطلب الطلاق ، رجعت البيت، لقيت أمي قاعدة، وشها باين عليه الحزن، وكان معاها عمر في البيت، تقريبًا كان بيحكيلها كل حاجة لحد ما جيت ومعايا مروان.
عمر لما شافه اتعصب، وأنا طلبت من عمر يطلقني عشان أنا هتجوز مروان، أمي لأول مرة تضربني، ضربتني وقالت لمروان يمشي، عمر كان لازم يسافر عشان يستلم جثة أميرة ويدفنها، ما خلتش عمر يسافر إلا لما طلقني، دخلت أوضتي وأنا بعيط ومنهارة وحاسة بالتسرع، مش عايزة أظلم مروان معايا.
عمر وليلى راحوا يستلموا جثة أميرة، واستلموها ودفنوها، ليلى كانت على طول بتكلمني وتطمن عليا وتطمني على عمر من غير ما أطلب، مروان كان بيرن عليا كتير، واتقابلنا عشان خاطر اواجهه إني مش هقدر أتجوزه، وإنه كان قرار متسرع، بس هو كان مصر، فقررت أقوله إني ما بقيتش بنت، يمكن ده يغير رأيه.
حس بالغضب لكنه سكت، عدّى شهر، كنت داخلة وجايبة شاي بلبن لأمي، قعدت أنادي عليها، مصحيتش، قلقت وخفت عليها، مسكت إيديها وكانت باردة، كلمت أسماء صاحبتي الدكتورة، والإسعاف جت، ما رضيوش ياخدوها لأنها كانت ماتت، وأنا مش مصدقة ومش مستوعبة.
قعدت أعيط وأنهار، لكن اتماسكت عشان أعرف أدفنها وأخلص الإجراءات، أسماء كلمت ليلى، وليلى كلمت عمر، ورجعوا مصر، عمر حضني وطمني إنه هيكون جنبي، مش هيسيبني أبدًا.
دفنت أمي، وكنت حزينة على فراقها لدرجة إني مش قادرة أكل، وبرجع أي حاجة باكلها، أسماء أصرت إنه لازم أعمل تحليل، وطلع نتيجته إني حامل، يعني أنا شايلة ابن… ابن عمر في بطني، طب أنا هسامحه وأقوله ولا أخبي عليه؟
وأول ما رجعنا البيت… أسماء قالتلهم إني حامل من غير ما تاخد رأيي، حضني عمر وفرحت ليلى.
بعد كام سنة خلفت طفلين، وكنت حامل في التالت، وليلى إتجوزت راجل بتحبه وبيحبها، مخلفة ولد سمّته يوسف، وكونت أسرة سعيدة، المشاكل مش هتخلص، والأوجاع والصعوبات طول ما إحنا عايشين، بنمر بأيام حلوة وأيام وحشة، بس الحلو فيها إننا بنمر بيها سوا.
النهاية