أوهموا ابنتي بجنوني

أوهموا ابنتي بجنوني


اسمي “ميرا”، وأنا امرأة اعتقدت لسنوات طويلة أنني أعيش في “قصة حب” هادئة ومستقرة. كنت أبلغ من العمر 35 عاماً، أعمل مدرسة لغة عربية، وأكرس كل دقيقة من حياتي لأسرتي الصغيرة المكونة من زوجي “أحمد” وابنتنا الوحيدة “ليلى” ذات العشر سنوات. كان “أحمد” يبدو الزوج المثالي؛ هادئ الطباع، كريم، ويحب ابنته بجنون – أو هكذا كنت أظن. كانت حياتنا تسير بوتيرة رتيبة لكنها مريحة، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي تغير فيه كل شيء. بدأ الأمر باقتراح بدا بريئاً للغاية. جلس “أحمد” بجانبي ذات مساء، وبنبرة مليئة بالحزن المصطنع قال: “ميرا، والداي يتقدمان في السن، وأمي تشتكي دائماً من الوحدة. أفكر في أن آخذ ليلى معي كل عطلة نهاية أسبوع لتقضي معهما اليوم. هذا سيقوي صلة الرحم، وأيضاً سيعطيكِ وقتاً للراحة والاهتمام بنفسك.” ابتسمت له بحنان، بل وشعرت بالامتنان لاهتمامه بوالديه وبي. قلت له: “طبعاً يا حبيبي، ليلى ستحب ذلك، وجدتها تحتاج لمن يؤنسها.” لم أكن أعلم حينها أنني بيدي أوقع وثيقة تسليم ابنتي إلى جحيم نفسي، وأنني أفتح باباً للشر لن يغلق إلا بزلزال يهدم بيتي.

الظلال تتسلل إلى المنزل

بدأت الزيارات. في الأسابيع الأولى، كان الأمر عادياً. يعود “أحمد” ومعه “ليلى” في المساء، وتكون الفتاة متعبة قليلاً من اللعب. لكن مع مرور الشهر الأول، بدأت ألاحظ تغييرات طفيفة، كأنها شروخ دقيقة في لوح زجاجي. “ليلى”، تلك الطفلة التي كانت تملأ البيت ضحكاً وغناءً، بدأت تنطوي على نفسها. كلما عادت من عند بيت جدها، كانت تدخل غرفتها فوراً، تدعي النعاس، وتتهرب من الحديث معي. كنت أسألها بحماس: “كيف كان يومك عند جدتك؟ ماذا أكلتم؟”، فكانت تجيب بكلمات مقتضبة وعيناها مثبتتان في الأرض: “كان جيداً.. أكلنا مكرونة.. أنا ذاهبة للنوم.” تطورت الحالة من الصمت إلى الخوف. بدأت “ليلى” تعاني من كوابيس ليلية. كنت أسمع صراخها في منتصف الليل، فأركض إليها لأجدها ترتجف وتتعرق، وحين أضمها كانت تتمسك بي بقوة وكأنها تخشى أن أختفي. حاولت التحدث مع “أحمد”. قلت له: “أحمد، البنت ليست طبيعية. هل يحدث شيء في بيت أهلك يضايقها؟ هل يصرخ عليها أحد؟”. لكن ردة فعله كانت غريبة. بدلاً من القلق، كان يهاجمني ببرود مستفز: “أنتِ موسوسة يا ميرا! أمي تدللها وتطعمها ما تشاء. أنتِ فقط تغارين لأنها بدأت تتعلق بأهلي أكثر منكِ. لا تنقلي عقدك النفسية للبنت.” كانت عبارة “عقدك النفسية” تتردد كثيراً على لسانه في الآونة الأخيرة، وكأنه يحاول زرع فكرة في رأسي بأنني لست متزنة. بدأت أشك في نفسي فعلاً.. هل أنا أبالغ؟ هل أنا أم متسلطة؟ هل أغار فعلا من علاقة إبنتي بجدتها؟

القشة التي قصمت ظهر البعير

جاءت لحظة اليقين في يوم جمعة، قبل ذهاب “ليلى” لبيت جدها بساعة. كانت تسرح شعرها أمام المرآة، وكانت يدها ترتجف وهي تمسك الفرشاة. دخلت عليها الغرفة وقلت لها بمرح: “هيا يا لولو، بابا ينتظرك”. فجأة، استدارت لي والدموع تملأ عينيها، وقالت بصوت مخنوق: “ماما.. هل أنتِ تحبينني؟” صُدمت من السؤال، جثوت على ركبتي وأمسكت يديها: “يا روح ماما، أنا أتنفس من أجلك. لماذا تسألين هذا؟” نظرت إلي نظرة لن أنساها ما حييت، نظرة طفلة تحمل هماً أكبر من عمرها بسنوات، ثم قالت: “لا شيء.. فقط أسأل.” في تلك اللحظة، صرخ حدسي كالأم بصوت يصم الآذان: هناك خطب ما.. وهناك سر كبير. لم أستطع منعها من الذهاب لأن “أحمد” كان ينتظر بالسيارة وسيفتعل شجاراً كبيراً لو منعتها، لكني قررت أنني لن أبقى في الظلام دقيقة واحدة أخرى. ذهبت إلى خزانتي، أخرجت جهاز تسجيل صوتي صغير جداً وحساس كنت أستخدمه قديماً لتسجيل محاضراتي في الجامعة. تأكدت من شحنه بالكامل. وتسللت إلى غرفة “ليلى” بينما كانت تلبس حذاءها. فتحت الجيب الداخلي لحقيبة ظهرها الصغيرة التي تأخذ فيها ألعابها، وضعت الجهاز في قاع الجيب تحت المناديل والألوان، وتأكدت أنه في وضعية “التسجيل”. ودعتها عند الباب وقلبي يعتصر ألماً. كنت أشعر أنني أرسل حملًا إلى وكر ذئاب، لكنني كنت بحاجة للدليل.

ساعات الانتظار الطويلة

مر ذلك اليوم ببطء قاتل. كنت أدور في الشقة كالنمرة الجريحة. الأفكار السوداء تأكل رأسي. هل يضربونها؟ هل يتحرش بها أحد؟ (مجرد الفكرة جعلتني أتقيأ وأمرض). حاولت الاتصال بوالدتي لأشكو لها، لكنني تراجعت. لم أرد إثارة القلق قبل أن يكون معي دليل قاطع. الساعة السابعة مساءً.. الثامنة.. التاسعة.. وأخيراً سمعت صوت مفتاح “أحمد” في الباب. دخلت “ليلى” وعيناها منتفختان وحمراوان. ركضتُ إليها: “حبيبتي!”، لكنها تملصت مني بهدوء غريب وقالت بصوت يشبه الآلة: “أنا متعبة يا أمي، تصبحين على خير.” نظر إلي “أحمد” بابتسامة صفراء وقال: “لقد لعبت طوال اليوم مع أبناء عمها، اتركيها ترتاح.” انتظرت ساعة كاملة حتى تأكدت أن “ليلى” غرقت في نوم عميق، وأن “أحمد” انشغل بمشاهدة التلفاز في الصالة. تسللت إلى غرفتها، وسحبت الحقيبة برفق. أخذت الجهاز، ركضت إلى الحمام وأغلقت الباب بالمفتاح، وضعت السماعات في أذني، وضغطت على زر التشغيل.

الشريط الذي كشف المستور

في الدقائق الأولى، كان هناك صوت ضجيج السيارة، وأغاني المذياع. ثم صوت النزول، وصوت باب شقة الجد يُفتح. سمعت صوت حماتي ترحب بليلى بصوت عالٍ ومصطنع: “أهلاً بحبيبة جدتها!”. مرت حوالي نصف ساعة من أصوات عادية (تلفاز، صوت أطباق). ثم.. تغير كل شيء. سمعت صوت باب يُغلق، واختفى الضجيج، وبدا أنهم في غرفة مغلقة. كان الصوت واضحاً جداً الآن. صوت حماتي (الجدة) بنبرة حادة ومرعبة لم أعهدها: “اسمعي يا بنت.. اجلسي هنا ولا تتحركي. اليوم ستأتي (طنط سلوى). أريدك أن تكوني مهذبة معها، فهي ستكون أمك الجديدة قريباً.” صوت “ليلى” الخائف والمرتجف: “يا تيتا، أنا عندي ماما، أنا لا أريد أماً جديدة.” ردت الحماة بقسوة: “أمك هذه مجنونة. هل تفهمين؟ هي مريضة في عقلها. والدك سئم منها ومن مشاكلها، وسيرسلها لمستشفى المجانين قريباً. إذا أخبرتها بأي شيء مما يحدث هنا، ستغضب وتضربك، وسنضطر نحن لحبسك معها.” توقف قلبي عن النبض للحظة. شعرت ببرودة تسري في عروقي. إنهم يمارسون “التسميم النفسي” على طفلتي! يقنعونها بمرضي لكي تكرهني وتخاف مني! لكن التسجيل لم ينتهِ هنا. بعد قليل، سمعت صوت جرس الباب، وأصوات ترحيب حارة. ثم صوت امرأة غريبة ودلوعة (سلوى): “يا إلهي، هل هذه ليلى؟ ما شاء الله كبرت. تعالي يا حبيبتي، انظري ماذا أحضرت لكِ.. آيباد جديد وأغلى شوكولاتة تحبينها. أرأيتِ؟ أنا أعرف كيف أدللكِ أكثر من أمكِ البخيلة.” ثم جاءت الطامة الكبرى. صوت زوجي.. “أحمد”. سمعته يضحك ضحكة لم أسمعها منه منذ سنوات، ويقول: “لا تقلقي يا سلوى، ليلى بنت ذكية وتفهم مصلحتها. هي تعرف أننا نحبها، وتعرف أن (ميرا) أصبحت لا تطاق. أليس كذلك يا ليلى؟” سكتت ليلى، فصرخ فيها بصوت منخفض ولكنه مرعب: “ردي على طنط سلوى!” قالت ابنتي بصوت باكي ومكسور: “نعم.. شكراً يا طنط.” واستمر الحديث لثلاث ساعات. كانوا يخططون لحياتهم المستقبلية، يتحدثون عن الشقة التي سيستأجرونها بعد طلاقي، وكيف سيأخذون ليلى مني بحجة “عدم أهليتي النفسية”. كان زوجي وعشيقته وأهله يتآمرون جميعاً وأنا غافلة، ويستخدمون ابنتي كأداة وشاهد صامت، مشترين صمتها بالترهيب تارة وبالهدايا تارة أخرى.

الانهيار والنهوض

نزعت السماعات ورميتها على الأرض وكأنها عقرب لدغني. جلست على أرضية الحمام أبكي بحرقة، ليس بصوت عالٍ، بل ذلك البكاء الذي يمزق الصدر. شعرت بالقهر. كيف استطاعوا؟ كيف ينام بجانبي كل ليلة وهو يطعنني في ظهري ويغتال براءة ابنته؟ لم يكن يخونني فقط، بل كان يحرق نفسية ابنته ليضمن حضانتها. غسلت وجهي بالماء البارد مراراً وتكراراً. نظرت إلى وجهي في المرآة. كانت عيناي حمراوين، لكن نظرتي تغيرت. في تلك اللحظة، ماتت “ميرا” الضعيفة، الزوجة المطيعة، الساذجة. وولدت “ميرا” القوية التي ستدافع عن ابنتها حتى آخر قطرة من دمها لو أقتضى الأمر. خرجت من الحمام بهدوء. لم أوقظ “أحمد” لأصرخ في وجهه. الغضب الآن سيكون غباءً. عدت إلى السرير وتظاهرت بالنوم، لكن عقلي كان يخطط كجنرال في معركة استحضر كل المكر. في الصباح الباكر، بمجرد أن خرج “أحمد” للعمل، بدأت التحرك. أولاً: قمت بنسخ التسجيل على جهاز الكمبيوتر، وعلى وحدة تخزين خارجية (فلاش ميموري)، وأرسلت نسخة عبر البريد الإلكتروني لأخي الأكبر وهو محامٍ. ثانياً: جمعت كل ملابسي وملابس ليلى في حقائب كبيرة. ثالثاً: اتصلت بوالدي وأخبرته بملخص الكارثة وطلبت منه أن يأتي فوراً بسيارة نقل. عندما استيقظت “ليلى” ورأت الحقائب، خافت. ضممتهتا بقوة وقلت لها: “ليلى، هل تتذكرين حين سألتني إن كنت أحبك؟ أنا أحبك لدرجة أنني سأحارب العالم كله لأجلك. نحن سنذهب لبيت جدك (والدي)، ولن تري تلك المرأة الشريرة أو تسمعي كلام جدتك القاسي مرة أخرى. أنا لست مجنونة، وأنتِ لستِ وحيدة.” انفجرت ليلى في البكاء وارتمت في حضني وكأن جبلاً انزاح عن صدرها. عرفت حينها أن ابنتي عادت إلي.

 المواجهة الأخيرة

كان من الممكن أن أرحل بصمت وأترك المحامين يتحدثون، لكن كرامتي كانت تحتاج لرد اعتبار أخير. قررت أن أنتظره. أرسلت “ليلى” مع والدي لتسبقني إلى بيت العائلة، وبقيت أنا في الشقة الفارغة إلا من جهاز التسجيل الموضوع على طاولة السفرة. عاد “أحمد” مبكراً ذلك اليوم، ربما أحس بشيء ما. عندما دخل ورأى البيت فارغاً والحقائب مختفية، ونظر إلي وأنا أجلس بكل برود على الكرسي، قال بتوتر: “ماذا يحدث؟ أين ليلى؟” لم أجب. مددت يدي وضغطت زر التشغيل. انطلق صوته من الجهاز وهو يقول لعشيقته: “ميرا مجنونة.. سأرميها قريباً..”. ثم صوت أمه وهي تهدد الطفلة. رأيت وجهه يتحول من الاستغراب إلى الرعب، ثم إلى الشحوب التام. سقطت المفاتيح من يده. حاول أن يتقدم نحوي متلعثماً: “ميرا.. اسمعيني.. هذا.. هذا مجرد كلام.. أمي هي من ضغطت علي.. أنا.. أنا أحبك!” وقفتُ أمامه بشموخ ونظرت في عينيه مباشرة وقلت بصوت هادئ كالجليد: “وفر كلماتك للقاضي يا أحمد. أنت لم تخن زوجتك فقط، هذا شيء قد أغفره. لكنك تآمرت على ابنتك، دمرت سلامها النفسي، ووصمت أمها بالجنون لكي تبرر خيانتك القذرة. ابنتك تكرهك الآن، وأنا سأحرص بالقانون أنك لن تلمس شعرة منها بعد اليوم.” حاول الإمساك بيدي، لكنني دفعته بقوة وخرجت من الباب، تاركة إياه يغرق في صمت الشقة التي كانت يوماً ما بيتاً دافئاً، وحولها هو بيده إلى ركام.

في ساحة القضاء

لم تكن المعركة القانونية سهلة. حاول “أحمد” وعائلته استخدام كل الحيل القذرة. أحضروا شهود زور ليدعوا أنني عصبية وغير متزنة. حاول محاميه الطعن في قانونية التسجيل بدعوى أنه “انتهاك للخصوصية”. لكنني كنت مستعدة. وقفت أمام القاضي، وبجانبي محامٍ بارع، وقدمنا التسجيل ليس كدليل خيانة، بل كدليل على “عنف نفسي وجسيم ضد طفلة”. عندما استمع القاضي وهيئة المحكمة لصوت الطفلة وهي تبكي وتتوسل، ولصوت الجدة وهي تهددها بالحرمان من أمها، ساد صمت رهيب في القاعة. كان التسجيل يحمل كمية من القسوة لا يمكن لبشر سوي أن يتقبلها. نظر القاضي إلى “أحمد” باشمئزاز وقال جملته التي شفيت غليلي: “الأب الذي يستخدم فلذة كبده كدرع لخياناته، ويشارك في تدمير نفسيتها، لا يستحق شرف الأبوة ولا الحضانة.” صدر الحكم: طلاق للضرر مع كامل حقوقي المالية، وحضانة كاملة لليلى، مع منع الجدة والأب من رؤية الطفلة إلا بوجودي، ولمدة ساعتين فقط أسبوعياً، لحين تحسن حالة الطفلة النفسية.

بداية جديدة

مرت سنتان الآن على تلك الليلة المشؤومة. الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. خضعت أنا وليلى لجلسات علاج نفسي طويلة لتجاوز آثار الترهيب والخوف. كانت ليلى تستيقظ أحياناً تظن أن جدتها ستأخذها، لكنني كنت هناك دائماً لأطمئنها. اليوم، أجلس في شرفتي الجديدة، أنظر إلى ليلى وهي تراجع دروسها وتضحك مع صديقاتها عبر الهاتف. لقد عادت ضحكتها، وعاد النور إلى وجهها. أما “أحمد”، فقد علمت أنه تزوج “سلوى”، لكن المشاكل دبت بينهما سريعاً وسمعت أنهما تطلقا، فهو رجل لا يؤتمن، ومن خان الأولى سيخون الثانية. تعلمت من قصتي درساً أريد أن أقوله لكل أم: “حدسك هو سلاحك الأول. لا تتجاهلي دموع طفلك، ولا تصدقي من يخبرك أنك تبالغين. أحياناً، يكون الوحش الذي يجب أن نحمي أطفالنا منه، هو الشخص الذي ينامون في بيته.” أنا لست “ميرا” المرأة المطلقة المكسورةالضعيفة . أنا “ميرا” الأم التي انتصرت، والتي أنقذت ابنتها بصندوق أسود صغير كشف كل الحقائق.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان