كنت أظنه يراقبني… ولم أعرف الحقيقة إلا بعد رحيله

كنت أظنه يراقبني… ولم أعرف الحقيقة إلا بعد رحيله


تجمدت في مكاني. لا صراخ، ولا حركة. لم أفكر حتى في الهرب. كان ذلك النوع من اللحظات التي يتوقف فيها الجسد وحده، كأنه يقول للعقل: خُد وقتك، افهم الأول.

كان واقفًا قريبًا أكثر مما ينبغي، بجوار السرير، وكأن هذا المكان صار له مع الوقت، لا لأن أحدًا سمح له، بل لأن العادة أحيانًا أقوى من السؤال. في يده دفتر جلدي قديم، لونه باهت، وحوافه متآكلة. شيء لا يُمسك للزينة، بل لأن تركه أصعب من حمله.

قال بصوت مبحوح، صوت رجل يبدو أن النوم مرّ عليه مرورًا خفيفًا منذ سنوات: «سامحيني… أنا عارف إن ده يخوّف. بس لو ما عملتش كده، كنتِ هتتأذي».

كنت أريد أن أسأله: تتأذى إزاي؟ ومين؟ لكن الكلمات لم تخرج. صدري كان مشدودًا، والهواء في الغرفة تقيل، كأن المكان نفسه متردد. تراجع خطوة واحدة، لا أكثر، وكأنه فهم أن قربه الآن عبء. ثم أشعل المصباح الصغير بجوار السرير.

الضوء لم يُظهر ما كنت أخشاه. لم يكن هناك وحش، ولا نظرة افتراس. كان هناك رجل مُرهق. وجهه لا يحمل قسوة، بل تعبًا طويلًا. الهالات تحت عينيه لم تكن وليدة ليلة سيئة، بل أثر سنوات من القلق المتراكم. نظرته لم تكن تهديدًا، بل حذرًا دائمًا.

فتح الدفتر ووضعه بيننا. لم يدفعه نحوي، ولم يحتفظ به لنفسه. فقط تركه هناك. صور قديمة، تواريخ مكتوبة بخط غير ثابت، وأسماء يتغير شكلها من صفحة لأخرى، كأن اليد التي كتبتها لم تكن دائمًا مطمئنة.

قال وهو يشير إلى صفحة معينة: «مراتي الأولى ماتت في السرير ده… في الأوضة دي… بعد أسبوع واحد من الجواز».

لم أرتجف. لكن شيئًا باردًا مرّ في ظهري. لم يكن خوفًا مباشرًا، بل ثقل فكرة أكبر من قدرتي على استيعابها دفعة واحدة. قلب الصفحة وقال بهدوء متعب: «في الأول قلت حادثة. بعد كده قلت قضاء وقدر. بعد التالتة… ما عرفتش أكمّل الكدبة».

رفع عينيه نحوي. لم تكن نظرته حادة، ولا متوسلة. كانت نظرة شخص أنهكه التكرار: «كل ست نامت جنبي بعد الجواز حصلها حاجة. مرض. انهيار. أو موت».

حاولت أن أتنفس بشكل طبيعي. قلت لنفسي إن الهدوء هنا ضرورة، لا شجاعة. همست: «طيب… ليه أنا؟».

ضغط بإبهامه على الدفتر كأنه يثبّت نفسه، وقال: «لأن في استثناء واحد. استثناء ما حصلش مع غيرك».

شعرت بشيء يهبط في صدري. «إيه هو؟».

سكت لحظة، ثم قال وكأنه لا يحب الجملة: «اللي بيناموا… وأنا بس باصص… من غير لمس… ما بيحصلهمش حاجة».

الكلمة نفسها كانت مزعجة. يراقب. كلمة ثقيلة. تُستخدم كثيرًا لتبرير أشياء غلط. لكن صوته لم يحمل سيطرة. كان أقرب لصوت شخص خسر كل أوراقه ولم يبقَ له غير هذا.

قال بسرعة، كأنه يخشى سوء الفهم: «لفّيت على دكاترة، شيوخ، ناس بتقول إنها فاهمة. دفعت فلوس كتير. مفيش تفسير. بس النمط واحد».

نظر إليّ نظرة شخص يشعر بالذنب أكثر مما يشعر بالخطر: «ما اتجوزتكش لأني عايزك. اتجوزتك لأني عرفت إنك محتاجة أمان. وكنت مستعد أعيش باقي عمري حارس… مش زوج».

في الليلة دي لم أنم. مش لأنني كنت خائفة منه، بل لأن رأسي لم يتوقف عن إعادة ترتيب كل شيء. الغرفة بدت مألوفة وغريبة في نفس الوقت. جلست مسندة ظهري إلى السرير، وكلما نظرت إلى الكرسي في الزاوية وجدته هناك، مستيقظًا، ثابتًا، كأن وجوده وحده محاولة صدّ.

جاء الصباح، ولم يحدث شيء. لا مرض، لا انهيار. فقط ضوء النهار، وصوت الغلاية، وروتين عادي. الغريب أن هذا العادي كان مقلقًا، لأنه جعلني أتساءل: كم صباحًا كهذا جاء قبل أن تنكسر حياة غيري؟

مرت الأيام، ثم الأسابيع، ثم الشهور. لم يلمسني أبدًا. لا بعاطفة ولا بقسوة. كان يتعامل بحذر زائد، كأنه يخشى أن يفسد شيئًا لا يملكه. يتجنب الوقوف خلفي، ويتجنب أي حركة مفاجئة. وفي الليل، يعود نفس المشهد: أبواب تُفحص، إضاءة تُختبر، وكرسي يعود إلى مكانه.

كنت أظنه يراقبني. لم أفهم وقتها أنه كان يراقب غيري.

في صباح بلا إنذار، استيقظت على صمت مختلف. دخلت الغرفة فوجدته على الكرسي، رأسه مائل قليلًا، عيناه مغمضتان، والدفتر على صدره، كأنه توقف في منتصف واجبه.

اقتربت، وعرفت فورًا أن هذا ليس نومًا. كان رحيلًا.

رحل بهدوء غريب، كأن جسده استغل اللحظة الوحيدة التي سمح فيها عقله لنفسه بالراحة.

الجنازة كانت هادئة، لائقة، مليئة بكلمات لا تعرف الحقيقة. تحدث الناس عن نجاحه وتحفظه. لم يذكر أحد الكرسي، ولا الليالي.

بعد أيام، جاء المحامي. ترك لي كل شيء: البيت، المال، الاسم. كان من المفترض أن أشعر أن بابًا فُتح، لكن أكثر ما بقي في ذهني ورقة صغيرة داخل مظروف، كتب فيها بخط ثابت: «اللي كان بيحصل بينتهي معايا. ما تخليش حد يخوّفك باسم حب مسجون. عيشي».

في تلك الليلة، نمت وحدي في الغرفة لأول مرة. توقعت أن يرفض جسدي النوم، لكنه استسلم بسرعة. نمت بعمق، بلا تفاوض مع الخوف.

لم يكن هناك أحد يراقبني.

ظننت أن الحكاية انتهت. لكنها لم تنتهِ تمامًا. الدفتر ظل حاضرًا. فتحته مرة أخرى، فوجدت في آخره صفحات ملتصقة، فصلًا كاملًا لم يُفتح.

بالداخل رسائل قديمة، ملاحظات، أسماء من العائلة، وأسماء أخرى لم أسمع بها من قبل. هنا بدأت كلمة “لعنة” تفقد معناها. الحقيقة لم تكن أرحم، لكنها كانت أوضح.

زوجته الأولى لم تمت طبيعيًا. كان هناك سم بطيء، مدروس، يجعل الموت يبدو عاديًا. أشخاص قريبون، أقرب مما ينبغي، يخشون خروج الثروة عن سيطرتهم.

اكتشف ذلك متأخرًا. ومع التكرار، لجأ عقله إلى تفسير يمكن احتماله: لعنة.

في الصفحات الأخيرة كتب أنه أدرك أن الخطر كان بشريًا، وأن تمثيل دور الرجل الملعون أبعد الكثيرين، ومنحه سببًا ليكون حاضرًا دائمًا.

كتب أن موته وحده سيقنعهم بأن اللعبة انتهت.

وأنا أقرأ، سمعت حركة خفيفة في الممر. لم أرتجف. هذه المرة فهمت الفرق بين الخوف والإنذار.

وقفت، وبيدي الدفتر والمصباح. تقدمت بهدوء، وقلت بصوت ثابت: «عارفة… واللي كنتوا مستنيينه مش موجود دلوقتي».

بعد لحظات، عاد الصمت. صمت مختلف.

الأيام التي تلت لم تكن درامية. كانت عملية. غيّرت الأقفال، راجعت التفاصيل، وقطعت طرق الوصول السهلة. استخدمت ما تركه لي للأمان، لا للترف.

مع الوقت، تغيّر البيت. ليس لأن الجدران تحركت، بل لأن المعنى تغيّر.

في مساء هادئ، أغلقت الدفتر ووضعته في درج. أطفأت النور، واستلقيت.

الصمت لم يعد فخًا. كان مساحة.

نمت… بلا خوف، وبلا حراسة.

الدروس التي بقيت بعد انتهاء الحكاية

ما خرجتش من الحكاية دي بحِكمة جاهزة، ولا بجملة كبيرة تتقال في الآخر. اللي خرجت بيه كان أبسط وأثقل في نفس الوقت. فهمت إن الخوف مش دايمًا علامة خطر، أحيانًا بيكون علامة إننا مش شايفين الصورة كاملة.

اتعلمت إن الصمت له أكتر من معنى. في صمت بيخبي جريمة، وفي صمت بيحاول يحمي. الفرق مش دايمًا واضح، ومش دايمًا بيبان من أول نظرة.

وأكتر حاجة فضلت معايا إن اللي كنت فاكرها مراقبة، طلعت تدريب على الانتباه. تدريب على إن الواحد يفتح عينه مش من الرعب، لكن من الوعي. لأن اللي فاهم اللي حواليه، نادرًا ما يقع ضحية بسهولة.

وفي الآخر، عرفت إن الأمان مش دايمًا إن حد يكون موجود، أحيانًا الأمان الحقيقي إنك تفهم اللي فات، وتقفل أبوابه بإيدك، وتكمّل من غير ما تجرّ وراك خوف قديم.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان