بين المراية والباب… اكتشفت اللي محدش قاله

بين المراية والباب… اكتشفت اللي محدش قاله


ليلة الدخلة ما كانتش زي ما كنت متخيلاها، ولا حتى شبه الحكايات اللي البنات بتحكيها لبعض قبل الجواز. مفيش ضحك مكسوف، ولا صمت دافي يتفهم على إنه خجل، ولا حتى توتر لطيف. كان في هدوء غريب، هدوء تقيل، كأن الشقة نفسها واقفة بتتفرج علينا، مستنية تشوف هيحصل إيه.

بعد ما باب الشقة اتقفل، وقفت مكانها شوية، ماسكة طرف فستان الفرح بإيد متوترة. كانت مستنية أي كلمة، أي حركة، أي حاجة تكسر الصمت ده. ليل كان واقف قصادها، هادي بشكل مريب، بصّ لها نظرة طويلة، وبصوته الواطي قال: ادخلي غيري هدومك ونامي.

الجملة نزلت عليها براحة مفاجئة، كأنها كانت مستنياها من غير ما تعرف. دخلت الأوضة بسرعة، من غير ما تبص وراها، خلعت الفستان اللي كان تقيل عليها فجأة، ودخلت شاور أطول من اللازم، واقفة تحت الميه بتحاول تهدي دقات قلبها وتفهم ليه مش حاسة بالفرحة اللي المفروض تحسها.

لبست قميص نوم بسيط، وقعدت على السرير مستنية. الدقيقة عدت، وبعدها عشرة، وبعدها وقت ما قدرتش تحسبه. كل شوية تبص على الباب، وكل شوية تقول لنفسها يمكن داخل دلوقتي. بس ليل ما دخلش. النعاس غلبها من غير ما تحس، نامت وهي لسه مستنياه، نوم تقيل من غير أحلام.

صحيت على صوته الصبح. قومي يا كيان، أهلك بره. فتحت عينها ببطء، شافته واقف بعيد شوية، ملامحه ثابتة، نظرته هادية زيادة عن اللزوم. غطت نفسها بسرعة وقالت صباح الخير. رد بنفس الهدوء: صباح النور، يلا البسي.

لبست عباية استقبال وطلعت. أهلها كانوا واقفين، ابتسامات، دعوات، عصير وجاتوه. كل حاجة شكلها طبيعي جدًا. بس كيان كانت حاسة إن في حاجة ناقصة، حاجة مش قادرة تمسكها. نظرات أهل ليل كانت غريبة، مش فرح كامل، ومش حزن، نظرات فيها شفقة مكتومة.

قعدوا شوية، ضحكوا، اتكلموا، وبعدها الناس مشيت. أول ما الباب اتقفل، ليل قام من غير كلام ودخل أوضة الأطفال. فضلت قاعدة مكانها، بتبص حواليها، بتحاول تفهم ليه قلبها مش مطمّن. ليه منمتش جنبه؟ وليه سايبها كده؟

غيرت هدومها ولبست بيجامة خفيفة. كانت جعانة، قررت تعمل أي فطار. قبل ما تدخل المطبخ، وقفت قدام أوضة الأطفال وخبطت بخفة. دخلت بعد ما سمح لها. كان قاعد على السرير الصغير، ضهره مستقيم، إيده باينة شاحبة وساقعة.

قالت: أنا هعمل فطار، تحب تاكل معايا؟ رد من غير ما يبصلها: لا، مليش نفس. سكتت شوية وبعدين قالت: ممكن نتكلم؟ بصّ لها لحظة، وبعدين قال: اتكلمي.

قعدت جنبه، من غير ما تبص في عينه. مسكت إيده، حسّت ببرودة غريبة. إنت لازم تاكل، إيدك ساقعة. قال: مش جعان. بصّت له وقالت: وعشان خطري؟

بصّ لها نظرة طويلة، قرب شوية، كيان غمضت عينها بتوتر، لكنه بعد فجأة. قال: تمام. قامت تجهز الفطار وهي بتحاول ترتب أفكارها. جواز صالونات، شاب هادي، محترم، أهله طيبين. عمره ما آذاها. طب ليه حاسة بالخوف؟

اليوم عدّى ببطء. ليل قليل الكلام، يتحرك بحذر، ياكل لقيمات بسيطة. كانت بتراقبه من غير ما تحس. في الليل، كانت على السرير بتحاول تنام، حسّت بحركة وراها. ليل حضنها من ضهرها، دفن راسه عند رقبتها.

اتوترت. ليل؟ رد بهمس: أمم. إنت جيت إمتى؟ قال: لسه. إنت كويس؟ قال: أيوه. مالك متوترة؟ قالت: مش عارفة، بس امبارح منمتش جنبي. قال: سبتك تجهزي. تجهز لإيه؟ قال: سامحيني يا كيان.

في اللحظة دي حسّت ببرودة غريبة. مش بس برودة إيده، برودة دخلت جسمها كله. حاولت تبعده، حسّت بقوة غير طبيعية. بصّت للمراية قدام السرير، وشافت اللي خلّى نفسها يقطع. ليل مكنش ليه خيال.

صرخت وهي بتترعش: إنت مين؟ صوته اتغير، بقى تقيل وفيه صدى: ليل الحقيقي مش هنا. ليل الحقيقي مات من أسبوع. التفاصيل كلها رجعت مرة واحدة. برودة إيده، قلة أكله، نظرات أهله.

بدأ يختفي قدام عينيها وهو بيقول: العهد كان لازم يتم. فتحت عينيها وهي بتنهج، لقت نفسها واقفة في المطبخ، السكينة في إيدها. ليل واقف وراها بهدوء.

كيان، روحتي فين؟ لفّت برعب. إيده دافية. بصّت في المراية، خياله موجود. قالت بتلخبط: أنا كنت بسرح؟ قال: ممكن، بس خلي بالك وإنتي ماسكة سكينة.

لاحظت أثر رمل ناعم على الأرض، والمكان اللي كان واقف فيه كان ساقع. حاولت تقنع نفسها إن ده توتر. الفطار عدّى في صمت. ليل وقف في البلكونة، باصص للسما، من غير ما يرمش.

بالليل الخوف رجع. ليل نام وراها. نفسه ساقع. همس: إنتي صاحية؟ قالت: آه. حضنها. لمست إيده، ملمسها خشن، زي قماش قديم. صرخت ونطت من السرير.

بصّ لإيده، كانت ملفوفة بشاش قديم وعليه بقع غامقة. قال بهدوء مرعب: التراب بياكل فيا. جريت ناحية الباب. الباب مش موجود. مكانه طوب.

سمعت خبط شديد وصوت أمها. النور ولع. ليل اختفى. الباب اتكسر. دخلوا الناس. الأوضة كانت مهجورة، مليانة تراب. كانت لسه بفستان الفرح.

أمها حضنتها وهي بتعيط: ليل مات ليلة الفرح. انتي قفلتي على نفسك يومين. وقعت على الأرض. شافت بدلة فرحه على السرير وعليها رمل، وعلى الحيطة مكتوب: أنا مستني.

بعد سنة، كيان قاعدة في مصحة نفسية، هادية، ماسكة دبلة. بتبتسم للفراغ. الممرضة شافت في مراية الباب خيال راجل واقف وراها، وكيان كانت مبتسمة، كأنها أخيرًا وصلت للمكان اللي كان مستنيها فيه.

بعد كل اللي حصل، ما طلعش في إيدي حكمة جاهزة ولا معنى واضح أعلّقه على الحكاية. اللي فضِل جوايا كان إحساس تقيل إن الخوف مش دايمًا بييجي من حاجة غريبة أو مخيفة، أحيانًا بيطلع من حاجة قريبة أوي، من تفاصيل يومية بنعديها ونقنع نفسنا إنها عادية.

فهمت إن الصمت مش دايمًا علامة رضا، ومش دايمًا علامة شر. في صمت بيحاول يحمي، وفي صمت بيخبي، والفرق بينهم ساعات ما بيبانش غير بعد فوات الأوان. الحكم السريع بيخلّصنا من التفكير، لكنه مش دايمًا بيحمينا.

اتعلمت كمان إن العقل لما يتضغط قوي، يقدر يبني عالم كامل عشان يهرب من الصدمة، عالم شكله طبيعي من برّه، لكنه متصدّع من جوّه. وإن اللي ما نواجهوش في الأول، بيرجع لنا متأخر، بس بشكل أقسى.

وأكتر حاجة فضلت معايا إن الأمان مش شرط يكون في وجود حد جنبك، أحيانًا الأمان الحقيقي إنك تعرف إمتى تسأل، وإمتى تشك، وإمتى تعترف إن في حاجة غلط، حتى لو مش قادرة تفسّرها.

انضم للمجتمع

شيماء شعبان
شيماء شعبان