قالها وهو بيعدّ الفلوس… وماكنش عارف إن الحساب هيبقى عليه
قالها حسام من غير ما يطرف له جفن. صوته كان هادي بشكل يخوّف، كأنه بيطلب خدمة عادية من نوع الخدمات اللي الناس بتستسهلها لما تنسى إن اللي قدامها روح مش ورق.
“يا دكتور… أنا عايز مراتي تخرج من أوضة العمليات دي… ما ترجعش.”
وحط الشنطة قدام الدكتور. شنطة جلد صغيرة، اتفتحت بسهولة، وطلعت منها رزمة فلوس متسوية، جديدة، ريحتها لسه فيها أثر البنك.
“٢٥٠ ألف. بس… خلّصني.”
الدكتور فؤاد ما اتفاجئش بالطريقة اللي كانت متوقعة. بص للفلوس، وبص لحسام، وابتسم ابتسامة قصيرة، باردة، زي ابتسامة موظف بيسمع طلب غريب ومش عايز يعلّق.
“تمام يا حسام بيه… اديني عشرين دقيقة.”
خرج حسام من المكتب وهو حاسس إن صدره اتفتح. كان ماشي في ممر المستشفى زي واحد رايح يستلم حُكم نهائي لصالحه. مش شايف الناس، ولا سامع صوت عربيات الإسعاف، ولا حتى عامل اعتبار لعيون الأمهات اللي مستنية على الكراسي. كان شايف باب واحد بس… باب نهاية “الكابوس”، زي ما كان بيسميه.
أصل الحكاية
ريم كانت من النوع اللي بيصدق. مش سذاجة… قد ما هو قلب بيحب يستند على كلمة حلوة. كانت بتحب الكلام البسيط اللي يطمن، والوعود اللي تتقال بنبرة ثابتة، والرجالة اللي تبان “هادية” وكأنها أمان.
حسام في الخطوبة كان نسخة مدهشة: رقيق، حاضر، صوته واطي، وعينه ما بتزوّغش. كان يقعد قدامها ويقول:
“إنتِ نصيبي… وأنا مش هكسرك.”
وعشان كده وافقت. دخلت الجواز وهي مطمّنة، مقتنعة إنها اختارت صح، وإن ربنا أخيرًا عوّضها بإنسان قبل ما يعوّضها ببيت.
لكن الحقيقة إن في ناس بتعرف تمثّل الحب… كويس قوي.
بعد شهور قليلة، ومع أول خبر للحمل، حسام اتغير. مش مرة واحدة. التغيير كان زي الصدأ… بطيء، بس بيكسب في كل يوم مساحة جديدة.
الأول كانت تعليقات صغيرة:
“كرشك كبر.”
“شكلك مبقاش زي الأول.”
ريم كانت تبتسم وتقول لنفسها: “طبيعي… دي فترة وهتعدي.”
بس التعليقات ما وقفتش. اتحولت لكلام جارح، وبعدين لشك، وبعدين لاحتقار واضح.
في يوم، وهي واقفة قدام المراية بتحاول تظبط هدومها، سمعته بيقول من وراها بنبرة مشدودة:
“أنا اتجوزت واحدة غير اللي قدامي.”
الكلمة خبطت جواها، لكن كانت لسه بتدافع عن الحلم، بتدافع عن فكرة إن الراجل اللي اختارها مستحيل يبقى كده.
الغلّ لما بيتحوّل لقرار
حسام راح لوالده وقاله بوضوح إنه عايز يتجوز تاني. كان بيتكلم كأنه بيشتري حاجة ناقصة في حياته، مش كأنه بيتكلم عن بيت وامرأة حامل.
والده رفض رفض قاطع. اتخانقوا. الصوت علي. والتهديد اتقال.
ومن ساعتها… حسام بقى شخص تاني.
كره ريم ما بقاش مجرد ضيق. بقى “غلّ”. غلّ ساكن، بارد، مش محتاج صراخ كتير، محتاج بس فرصة.
البيت بقى تقيل. الهواء نفسه بقى كأنه واقف. ريم بقت تتحرك بحذر، وتتكلم بحذر، وتضحك بحذر، وتعيط كمان بحذر… لأن كل حاجة ممكن تقلب عليه “سبب”.
وهي حامل… كانت بتخاف على اللي في بطنها أكتر ما بتخاف على نفسها.
في ليلة، وبعد خناقة كبيرة، حسام فقد أعصابه. ريم حسّت إن المسافة بين الغضب وبين الكارثة بقت خطوة واحدة.
طلعت جري على بيت أهلها وهي بترتعش. كانت فاكرة إن باب أبوها هو “الملجأ”.
لكن أبوها استقبلها بوش ناشف وصوت أشد قسوة من اللي كانت هربانة منه:
“الناس هتاكل وشنا. الست ملهاش غير بيت جوزها.”
وأمها… كانت ساكتة. بصت في الأرض، وقالت كأنها بتقول جملة حفظاها:
“ارجعي يا بنتي… ربنا يهديه.”
ريم حاولت توريهم آثار اللي عاشته، مش بالكلام… بالجسد. لكن في بيوت كتير، “الخوف من كلام الناس” بيبقى أعلى من خوفهم على بنتهم.
رجعت ريم… مكسورة. مش مقتنعة، بس محاصرة.
يوم الولادة
الأيام عدت تقيلة. ريم بقت بتعدّ الليالي مش بالأيام، بل بعدد المرات اللي بتصحى فيها مفزوعة. ما بقتش تتابع حملها زي الأول. كانت كل مرة تفكر تروح تكشف، ترجع تقول: “مش قادرة… مش ناقصة.”
وفي يوم، وهي نازلة تشتري طلبات للبيت، فجأة حسّت بوخزة حادة. وجع خلّاها تقف مكانها. حاولت تمشي… رجليها خانتها.
صوتها طلع صرخة قصيرة، وبعدها الدنيا اسودت. وقعت في الشارع، والناس اتلمّت حواليها، حد نادى إسعاف، وحد حاول يطمنها، وحد قال: “استغفروا.”
اتنقلت لأقرب مستشفى. داخل غرفة الكشف، الدكتور قعد لحظة أطول من الطبيعي وهو بيبص في التقارير. وبعدين قال بجدية:
“الحالة محتاجة تدخل فورًا. في علامات خطر… ومش هنضيّع وقت.”
وبهدوء شديد كأنه بيشرح قانون، قال:
“بس لازم توقيع الزوج.”
ريم كانت بتتوجع، وبتبكي، وبتحاول تتنفس.
“أبوس إيدك يا دكتور… أنا ماليش حد.”
الدكتور هز راسه بحزم:
“مش بإيدي.”
فضلوا يحاولوا يوصلوا لحسام. تليفونات كتير… مفيش رد. الوقت كان بيعدّي ببطء قاتل، والوجع بيزيد، وريم بتتمسك بفكرة واحدة: “هو لازم ييجي… لازم.”
ست ساعات كاملة… وهي بين الألم والانتظار.
وفجأة… ظهر حسام.
ريم شافته فافتكرت إن ربنا استجاب. حاولت ترفع إيديها ناحيته. حاولت تقول اسمه. كانت مستنية منه نظرة واحدة تطمنها.
لكنه ما بصش في وشها.
سحب الدكتور على جنب، وهمس له، من غير ما يهتم إن في حياة بتنهار على بعد مترين:
“يا دكتور… خلّص. النهارده.”
والدكتور رد عليه ببرود غريب:
“تمام.”
خلف الباب المقفول
دخلت ريم غرفة العمليات وهي بتترعش. مش بس من الألم… من نظرة غريبة كانت شايفاها في عين حسام قبل ما الباب يتقفل.
الدكتور فؤاد طلب من الممرضات يخرجوا بحجة إن في “ترتيبات خاصة”. الباب اتقفل… وبقت ريم لوحدها معاه.
كانت بتبصله بدموع، وبتهمس:
“ابني ملوش ذنب… لو خيروك بيني وبينه… خلّيه هو يعيش.”
الدكتور قرب منها، بس بدل ما يجهز أدواته فورًا، وطّى بصوته وقال بسرعة:
“اسمعيني يا ريم… جوزك دفع فلوس عشان تموتي.”
ريم ما فهمتش الجملة في الأول. عينها وسعت، وبعدين الدنيا اسودت في عينيها من الصدمة.
“إيه؟… حسام؟!”
الدكتور كمل وهو ثابت:
“أنا ابتسمتله عشان آخد الفلوس… بس مش عشان أعمل اللي طلبه. أنا دكتور. وأنا هعمل العملية… وهتنجي إنتِ وابنك.”
سكت جزء من الثانية، وبعدين قال:
“بس لازم نمثل عليه… ونأمّن نفسنا.”
ريم كانت بتبكي، بس لأول مرة دموعها ما كانتش بس خوف… كانت امتنان ممزوج برعب.
الخبر اللي اتقال… والواقع اللي اتخبّى
بعد وقت، خرج الدكتور فؤاد من غرفة العمليات. وشه كان ثابت، لا فرح ولا حزن.
حسام قام بسرعة، قال بلهفة:
“ها يا دكتور؟”
الدكتور مسح إيده في فوطة، وقال بصوت رسمي:
“البقاء لله يا حسام بيه… حاولنا… بس مقدرناش.”
حسام حاول يعمل وش مكسور، لكنه كان بيغالب ابتسامة. سأل بسرعة:
“والطفل؟”
الدكتور رد:
“الطفل حي… في الحضانة.”
حسام هز راسه، كأنه بيقول في سره: “مش مهم.”
وبسرعة بدأ يتصل بأهله وأهل ريم، ويعيد نفس الجملة بصوت مصطنع البكاء:
“ريم… ماتت وهي بتولد!”
البيت اتقلب. صريخ. ندم. أم ريم كانت بتقول: “أنا اللي رجعتها.” أبوها كان واقف ساكت زي واحد اتجلد من جوّه.
اللحظة اللي قلبت الطاولة
بعد ساعات، دخل حسام مع والده ووالد ريم علشان يستلم الإجراءات. الممر كان هادي، بس في آخره كان في صوت طفل بيعيط… وصوت ست بتهمس.
الباب اتفتح… وخرجت ريم.
شاحبة… بس عايشة.
ماسكة ابنها في حضنها، وعيونها فيها وجع قديم، لكن فيها برضه قرار جديد.
حسام اتسمر مكانه. لونه اتبدّل. صوته طلع متحشرج:
“إنتِ… إنتِ إزاي؟!”
وقبل ما يكمل، الدكتور فؤاد ظهر ومعاه فردين أمن، وقال بهدوء وهو بيرفع موبايله:
“تقصد التسجيل ده؟… اللي بتقول فيه: مراتي لازم تموت… وهدفع ٢٥٠ ألف؟”
السكوت وقع زي مطر تقيل.
والد ريم اتراجع خطوة… وبعدين ركع قدام بنته وهو بيبكي، كأنه لأول مرة يفهم إن “كلام الناس” ما يساويش لحظة واحدة من ضنا بيضيع.
نهاية مفتوحة لحياة جديدة
اتقبض على حسام بتهمة التحريض على القتل. الفلوس اللي كان فاكرها بتشتري النهاية… بقت جزء من الدليل.
ريم خرجت من المستشفى… مش بس بولدها، لكن بوعي جديد: إن اللي يبيع الرحمة بسهولة… ممكن يبيع أي حاجة.
وقفت على باب المستشفى للحظة، بصّت للسماء، وحضنت ابنها أقوى، وقالت في سرها:
“أنا مش هرجع لنفس السجن… مهما كان اسمه.”
تمت.