طرد من الماضي: الحكاية التي غيّرت حياتي

طرد من الماضي: الحكاية التي غيّرت حياتي


طرد من الماضي: حين عاد ما لا يعود

لم أكن أؤمن بالصدف التي تتجاوز المنطق. كنت دائمًا أرى الحياة سلسلة من الأحداث الطبيعية: سبب ونتيجة. لكن ذلك اليوم علّمني أن بعض الأشياء لا تخضع لهذا القانون. بعضها يأتي من أماكن لا نفهمها، من أزمنة لا نعرفها، كرسالة ضائعة تبحث عن صاحبها.

كان الوقت يقترب من الرابعة عصرًا. يوم عادي لا يحمل أي إشارة إلى ما سيحدث. كنت جالسًا في المنزل، أتنقل بين التطبيقات على هاتفي بلا هدف. لا رسائل مهمة، لا أخبار تستحق الانتباه. مجرد لحظات ساكنة تشبه آلاف اللحظات التي سبقتها.

ثم خُبط الباب.

خَبْطٌ خفيف في البداية، كأنه تردد قبل أن يعلن عن نفسه. نظرت نحو الباب، ثم نهضت ببطء. لا أحد ينتظرني اليوم. لم أطلب شيئًا. لم أكن أتوقع زائرًا. لكن الفضول دفعني لفتحه.

كان عامل توصيل يقف أمام الباب. مظهره عادي للوهلة الأولى، لكن شيئًا ما في هيئته أثار انتباهي. ملابسه قديمة بعض الشيء، كأنها مرت بتجارب طويلة. عينيه كان فيهما نظرة سريعة، لا تستقر على شيء. كأنه يريد إنهاء المهمة والرحيل فورًا.

مد لي كرتونة متوسطة الحجم دون أن يتكلم كثيرًا. قال جملة قصيرة: “اتفضل”. لم يسألني عن اسمي، ولم يطلب توقيعًا. مجرد تسليم ثم رحيل سريع. حاولت أن أسأله عن المرسل، لكنه كان قد ابتعد قبل أن أتمكن من قول شيء.

وقفت أمام الكرتونة. لم أطلب أي شحنة. لم أنتظر شيئًا. الغريب أنها كانت مغطاة بطبقة خفيفة من الغبار، كأنها مرت عبر أماكن بعيدة. ليست طازجة من المخزن، بل تبدو وكأنها ظلت في مكان ما طويلًا قبل أن تصل إليّ.

أخذتها ودخلت إلى الداخل. الفضول بدأ يتسلل إليّ. من أرسلها؟ ولماذا إليّ؟ العنوان المكتوب عليها كان صحيحًا: شقتي الجديدة التي انتقلت إليها منذ شهر فقط. لم أخبر الكثيرين عن عنواني. كيف عرفه المرسل؟

وضعتها على الطاولة وبدأت أفتحها. كانت مغلقة بإحكام، كأنها لم تُفتح منذ زمن بعيد. عندما رفعت الغطاء، ظهرت رائحة خفيفة تشبه الغبار والقدم. ليست رائحة كريهة، لكنها غريبة. كأنها قادمة من مكان لم يعد موجودًا.

داخل الكرتونة كان هناك شيء واحد: كاميرا فورية قديمة. من نوع لا نراه كثيرًا هذه الأيام. بولارويد. متربة، لكنها سليمة. لم أكن أتذكر أنني رأيت مثلها إلا في الصور القديمة. كاميرا تبدو كأنها خرجت من زمن آخر.

مسكتها بين يدي. كانت ثقيلة قليلًا. لا علامات كسر. لا شيء يوحي بأنها معطلة. ضغطت على زر التشغيل، فصدر صوت خفيف يدل على أنها تعمل. لم يكن فيها فيلم أو صور جاهزة. لكنني شعرت بدافع غريب لتجربتها.

وضعتها أمامي وضغطت زر التصوير، رغم أنني لم أوجهها إلى شيء محدد.

انتظرت لحظة.

ثم بدأت الورقة البيضاء الصغيرة تخرج من الكاميرا.

ببطء.

كما في الأفلام القديمة.

في البداية كانت بيضاء تمامًا. ثم بدأت الملامح تتشكل.

توقفت أنفاسي.

كانت الصورة لي.

أنا جالس في الصالة.

نفس المكان الذي أجلس فيه الآن.

نفس القميص الذي أرتديه.

نفس الوضع.

لكن الصورة لم تكن حديثة.

كانت باهتة، صفراء، كأنها مأخوذة منذ عقود.

صورة من الماضي.

كيف؟

أنا لم ألتقطها.

قلبت الصورة.

على ظهرها كتابة بخط يد قديم.

خط مهتز، يشبه خط شخص كتب الرسالة على عجل.

تعرفت على الخط فورًا.

كان يشبه خط جدي الذي رحل منذ سنوات.

الجملة كانت قصيرة، لكنها أصابتني بقشعريرة:

«لا تنظر للمرآة… لقد استبدلوك بالفعل»

تجمدت مكاني.

ماذا يعني هذا؟

استبدلوني؟

من؟

ولماذا المرآة؟

نظرت حولي.

كل شيء طبيعي.

الصالة كما هي.

الضوء كما هو.

لكن شيئًا في الهواء كان مختلفًا.

كأن الصمت أصبح أثقل.

كأن المكان يراقبني.

في تلك اللحظة، سمعت صوتًا خافتًا.

ضحكة.

جاءت من الحمام.

ضحكة قصيرة، ليست واضحة.

كأن شخصًا يحاول ألا يُسمع.

شعرت أن الدم تجمد في عروقي.

لا يوجد أحد في المنزل غيري.

إذن من يضحك؟

قمت ببطء.

خطواتي ثقيلة.

قلبي يخفق بسرعة.

ذهبت نحو الحمام.

الباب كان نصف مفتوح.

دفعتُه قليلًا.

الداخل هادئ.

لا شيء غريب.

لكن المرآة…

المرآة كانت تنتظرني.

وقفت أمامها.

نظرت إلى انعكاسي.

في البداية كان كل شيء طبيعيًا.

أنا.

وجهي.

ملابسي.

لكن بعد ثانية…

حدث شيء لا يمكن تفسيره.

الانعكاس لم يتحرك.

أنا رفعت يدي.

لكن الصورة في المرآة بقيت ثابتة.

أنا تحركت خطوة.

الانعكاس لم يتحرك.

شعرت بالبرد.

هذا غير ممكن.

المرايا تعكس الحركة دائمًا.

اقتربت أكثر.

حدقت في عيني انعكاسي.

كانت تنظر إليّ…

لكنها لم تكن عيني.

النظرة مختلفة.

باردة.

غريبة.

ثم رأيت شيئًا جعل قلبي يتوقف.

الانعكاس كان لابسًا ملابس مختلفة.

ملابس قديمة.

من زمن بعيد.

قميص واسع.

بنطال قديم.

ليس ما أرتديه.

كيف؟

وفوق ذلك…

كان يمسك الكاميرا.

نفس الكاميرا التي وجدتها في الكرتونة.

الكاميرا في يد الانعكاس.

ووجهه…

كان يبتسم.

ابتسامة لا تشبهني.

ليست ابتسامة إنسان.

فجأة، رفع الانعكاس الكاميرا.

صوبها نحوي.

ثم صدر فلاش قوي.

ضوء أبيض عمى عيني لثوانٍ.

سقطت على الأرض.

قلبي يطرق بعنف.

ماذا يحدث؟

عندما فتحت عيني…

كان كل شيء مختلفًا.

لم أكن في الحمام.

لم أكن في شقتي.

كنت في مكان آخر.

مكان يشبه المرآة.

عالم باهت.

الألوان خافتة.

الجدران ليست جدرانًا حقيقية.

الأرض ليست أرضًا.

كل شيء خفيف.

كأنه صورة قديمة.

ثم فهمت.

أنا داخل المرآة.

داخل الانعكاس.

وما كان يبتسم هناك…

خرج.

إلى عالمي.

إلى حياتي.

رأيت من بعيد باب الحمام.

لكنه لم يعد بابًا حقيقيًا.

كان إطارًا يطل على عالم آخر.

رأيت نفسي…

أو ما كان أنا.

الشخص الذي خرج من المرآة.

يمشي بهدوء.

يأخذ الكرتونة.

يخرج من الحمام.

يلتفت نحوي للحظة.

يبتسم.

تلك الابتسامة لا يمكن وصفها.

ليست ابتسامة فرح.

ليست ابتسامة تحدٍ.

كانت ابتسامة شخص يعرف أنه انتصر.

أنه سيعيش حياتي.

بينما أنا هنا.

محبوس في مكان لا أعرفه.

لا أشبه العالم الذي جئت منه.

لا أشبه الحلم.

ولا أشبه الواقع.

حاولت أن أصرخ.

لكن الصوت لم يخرج.

حاولت أن أركض.

لكن الأرض كانت لينة.

كأنني أغوص فيها.

حاولت العودة إلى المرآة.

لكن لا مرآة هنا.

لا طريق للعودة.

فهمت الحقيقة المتأخرة:

الطرد لم يكن صدفة.

الكاميرا لم تكن لعبة قديمة.

الصورة كانت الباب.

الجملة كانت التحذير.

لكنني لم أفهمه في الوقت المناسب.

«لا تنظر للمرآة… لقد استبدلوك بالفعل».

الاستبدال حدث.

أنا الآن خارج العالم.

والآخر في مكاني.

يعيش حياتي.

يرد على أصدقائي.

يرتدي ملابسي.

يجلس على أريكتي.

لكنه ليس أنا.

وأنا؟

أنا هنا.

محبوس في صورة.

في انعكاس.

في مكان لا يعرفه أحد.

أنت تقرأ هذه القصة.

تتخيلها.

تظن أنها خيال.

لكن ماذا لو وصلت إليك الكرتونة يومًا؟

ماذا لو فتحتها؟

وماذا لو كانت فيها كاميرا؟

وصورة؟

وجملة؟

هل ستنظر إلى المرآة؟

أنا لم أكن أعرف.

والآن لا أعرف كيف أعود.

ربما يومًا ما يفتح شخص آخر الكرتونة.

ويرى الصورة.

ويقرأ التحذير.

ويفهم.

وعندها…

ربما أعود.

لو كان هناك مكان للعودة.

الوداع.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي