الوجع اللي ملوش صوت.. حكاية ألم لم يسمعه أحد
لم يكن البيت يوم عادت مريم من المستشفى يشبه البيوت التي تراها في الصور، تلك الممتلئة بالبالونات والضحكات العالية وأصوات التهاني المتقاطعة. كان هادئًا، مرتبًا، مستعدًا لاستقبال طفل جديد، لكنه لم يكن مستعدًا لاستقبال الألم الذي عاد معها دون أن يراه أحد. كانت تمشي بخطوات صغيرة محسوبة، لا لأنها تخاف أن توقظ صغيرها، بل لأنها تخاف أن تخونها قدماها فجأة. أسبوعان فقط مرا على ولادتها، لكن هذين الأسبوعين كانا كافيين ليزرعا في جسدها شيئًا ثقيلًا لا يشبه التعب العادي، ولا يشبه الإرهاق المتوقع بعد الولادة. كان هناك ألم يسكن ظهرها كأنه ضيف غير مرغوب فيه، دخل دون استئذان ورفض أن يغادر.
في البداية، حاولت أن تتجاهله. كانت تقول لنفسها إن كل النساء يمررن بهذا، وإن الشكوى لن تفيد. كانت تسمع دائمًا جملة تتكرر في أذنها منذ طفولتها: “الست تستحمل.” فقررت أن تتحمل. كانت تستيقظ قبل الجميع، تعد الفطور، ترتب المطبخ، تغسل الأطباق، تمسح الأرض، ثم تعود لتحمل طفلها وتبتسم له كأن العالم بخير. لم تكن تريد أن يشعر إيهاب، زوجها، بأنها ضعيفة أو كثيرة الشكوى. كان يعمل لساعات طويلة، يعود مرهقًا، وهي لا تريد أن تكون عبئًا إضافيًا فوق كتفيه.
لكن الوجع اللي ملوش صوت لا يحترم الكبرياء، ولا يهتم بمحاولات التجاهل. هو فقط يكبر، يتمدد، ويتعمق.
صار الألم يوقظها ليلًا. كانت تستيقظ فجأة على إحساس حاد في أسفل ظهرها، كأن أحدهم يغرس شيئًا صلبًا في عمودها الفقري. تحاول أن تتحرك ببطء حتى لا توقظ الطفل، تضع يدها خلفها وتضغط، علّ الضغط يخفف شيئًا، لكنه لم يكن يخفف إلا للحظات. كانت تبتسم في الصباح كأن شيئًا لم يحدث، تمشط شعرها، وتخفي شحوب وجهها خلف ابتسامة متعبة.
في إحدى الليالي، جلست بجوار إيهاب بعد أن نام الطفل. كان يمسك هاتفه ويتصفح الأخبار بلا اهتمام. قالت بهدوء: “أنا ضهري بيوجعني أوي.” لم تكن تبالغ، لم ترفع صوتها، فقط قالت الحقيقة كما هي. رفع عينيه إليها وقال: “طبيعي يا مريم، دي أعراض بعد الولادة. متقلقيش، وهتعدي.” لم يكن يقصد التقليل منها، كان يظن أنه يطمئنها. لكنها شعرت أن كلماتها سقطت في فراغ، لم تلامس قلبه.
مرت الأيام، وبدأ التنميل يظهر في ساقها اليسرى. في البداية كان خفيفًا، كأن قدمها نائمة وتحتاج إلى بعض الحركة. لكنها لاحظت أن الإحساس لا يعود بالكامل. كانت أحيانًا تتعثر دون سبب واضح، تمسك بالحائط بسرعة حتى لا تسقط. كانت تخاف أن تخبره، تخاف أن تسمع نفس الرد مرة أخرى. صارت تبتلع ألمها كما تبتلع دموعها.
كانت حماتها تقيم معهما منذ الولادة لمساعدتها. كانت امرأة عملية، تؤمن أن الحركة علاج، وأن الراحة المفرطة تفسد الجسد. حين رأت بطء مريم، قالت لها: “لازم تتحركي أكتر. القعدة الكتير بتعمل كده.” كانت مريم تهز رأسها موافقة، رغم أنها في داخلها تعرف أن الأمر أكبر من مجرد كسل عضلات.
في يوم طويل، بينما كانت تحمل طفلها لتغير له ملابسه، شعرت بوخزة حادة جعلتها تجلس فجأة على الأرض. لم تصرخ، فقط أغمضت عينيها بقوة. دخلت حماتها على الصوت، نظرت إليها للحظة، ثم ساعدتها على النهوض. بعد قليل، عادت بحقنة وقالت: “دي مسكن قوي، هيريحك.” سألتها مريم بتردد: “أكيد آمنة؟” أجابت بثقة: “طبعًا، دي بتتاخد عادي.”
أخذت الحقنة، وشعرت بعدها بهدوء غريب. الألم خف، وكأن أحدهم أطفأ نارًا كانت مشتعلة في ظهرها. تنفست بارتياح لأول مرة منذ أيام. ظنت أن الأمر انتهى. لكنها لم تكن تعلم أن ما هدأ لم يكن السبب، بل الإحساس فقط.
تكرر الأمر أكثر من مرة. كلما اشتد الألم، جاءت حقنة جديدة. وكل مرة كانت تشعر بتحسن مؤقت، ثم يعود الألم أشد. صار التنميل أعمق، يمتد من أسفل ظهرها حتى أطراف أصابع قدمها. أحيانًا كانت تشعر أن قدمها لا تستجيب كما ينبغي. كانت تمشي بحذر، تراقب خطواتها كما لو كانت تتعلم المشي من جديد.
إيهاب لم يكن يلاحظ التفاصيل الصغيرة. كان يرى أنها تتحرك، تطبخ، تعتني بالطفل، فيظن أن كل شيء تحت السيطرة. لم يكن يدرك أن كل حركة منها كانت مجهودًا مضاعفًا، وأن كل ابتسامة تخفي خلفها وجعًا حقيقيًا.
في ليلة هادئة، كان يجلس وحده يتصفح تسجيلات كاميرا المراقبة التي ثبتها منذ أشهر بدافع الاطمئنان. لم يكن يبحث عن شيء محدد، فقط فضول عابر. مرر التسجيلات بسرعة، حتى توقف فجأة. رأى مريم في الصالة، تمشي ببطء شديد، تمسك بطرف الطاولة، ثم تجلس على الأرض فجأة وهي تضم طفلها. لم يكن سقوطًا تمثيليًا، كان حقيقيًا، مؤلمًا.
ثم رأى أمه تدخل، تساعدها، وبعد دقائق تعود بحقنة. رأى التردد في وجه مريم، رأى التعب في عينيها، رأى ما لم يره في الواقع. أعاد المشهد أكثر من مرة، كأنه لا يصدق. شعر بشيء ثقيل يسقط داخله. هل كان مخطئًا طوال الوقت؟
في الصباح، حاولت مريم أن تقف، لكن قدمها اليسرى لم تتحرك كما ينبغي. سقطت على السرير، ونظرت إليه بخوف صامت. هذه المرة لم يقل إنها تبالغ. حملها بسرعة، ونزل بها إلى السيارة، وقاد إلى المستشفى وقلبه يخفق بعنف.
بعد الفحوصات والأشعة، جلس الطبيب أمامه بوجه جاد. شرح له أن هناك انزلاقًا غضروفيًا حادًا، وأن الحالة تفاقمت بسبب استخدام حقن كورتيزون بجرعات غير منضبطة، ما أدى إلى ضغط شديد على الأعصاب. قال بوضوح إن التأخر كان خطيرًا، وإن التدخل الجراحي ضروري لتفادي مضاعفات دائمة.
شعر إيهاب أن الكلمات تضربه بقوة. تذكر كل مرة قال فيها “طبيعي”، كل مرة قلل من شكواها، كل مرة ظن أن الأمر بسيط. لم يكن يقصد أن يؤذيها، لكنه أدرك أن عدم التصديق يمكن أن يكون أذى في حد ذاته.
المواجهة مع أمه لم تكن سهلة. لم يصرخ، لكنه كان مضطربًا. سألها لماذا أعطتها هذه الحقن دون استشارة طبيب. قالت إنها كانت تريد مساعدتها، وإنها ظنت أن المسكن سيخفف عنها. لم تكن النية سيئة، لكن النتيجة كانت مؤلمة. أدرك أن الطيبة وحدها لا تكفي، وأن الجهل قد يجرح مثل القسوة.
دخلت مريم غرفة العمليات، ومرت الساعات ثقيلة. جلس إيهاب في الممر الأبيض، ينظر إلى الأرض، ويشعر بأن الصمت يضغط على صدره. كان يفكر في تفاصيل صغيرة لم ينتبه لها: كيف كانت تمشي ببطء، كيف كانت تتجنب الانحناء، كيف كانت تبتسم رغم التعب. كان يرى الصورة كاملة الآن، لكن بعد أن تأخر كثيرًا.
حين خرجت من العملية، كان وجهها شاحبًا، لكنها كانت واعية. جلس بجوارها، أمسك يدها، ولم يجد كلمات كافية. نظرت إليه طويلًا، وقالت بصوت خافت: “كنت محتاجة بس تصدقني.” لم يكن في صوتها عتاب حاد، بل حزن بسيط. ذلك الحزن الذي لا يصرخ، لكنه يترك أثرًا عميقًا.
شعر أن الوجع اللي ملوش صوت لم يكن في ظهرها فقط، بل في المسافة التي نشأت بينهما حين لم يُصغِ جيدًا. وعدها أن يكون مختلفًا، لا بالكلمات فقط، بل بالفعل. لم يكن الوعد سهلًا، لكن الشعور بالذنب كان أثقل.
بدأت رحلة العلاج الطبيعي. كانت تمشي خطوات صغيرة، تمسك بيده، تركز في كل حركة. أحيانًا كانت تشعر بالإحباط، تبكي في صمت، لكنه هذه المرة كان يسمع. لم يعد يفسر دموعها على أنها مبالغة، بل صار يسألها عما تشعر به، ويستمع حتى النهاية.
البيت تغير. لم يعد الصمت يعني تجاهلًا، بل صار مساحة للإنصات. صارت تقول له إن ظهرها يؤلمها دون خوف، وصار يسألها قبل أن تسأله. تعلم أن القوة لا تعني التحمل وحدك، وأن الشراكة تعني أن تحمل معًا.
مرت الشهور ببطء، لكن التحسن كان موجودًا. عادت تمشي بثبات أكبر، وإن لم تعد كما كانت تمامًا. كان هناك أثر باقٍ، تذكار صامت لما حدث. لكنه لم يعد مجرد ألم، بل درس.
أدرك كلاهما أن بعض الأوجاع لا تصرخ. بعضها يهمس فقط. وإن لم نصغِ لذلك الهمس، قد يتحول يومًا إلى صرخة متأخرة. تعلم إيهاب أن التصديق لا يحتاج دليلًا مرئيًا، وأن الكاميرات قد تكشف الحقيقة، لكنها لا تبني الثقة.
أما مريم، فتعلمت أن الصمت لا يحمي أحدًا. وأن طلب المساعدة ليس ضعفًا، بل شجاعة. لم تعد تخجل من أن تقول إنها تتألم. لم تعد تخاف أن تُتهم بالمبالغة.
وفي مساء هادئ، بينما كان طفلهما يلعب على الأرض، نظرت إليه وقالت بابتسامة خفيفة: “فاكر أول مرة قلت لك إني تعبانة؟” ابتسم بخجل، وقال: “فاكر… وندمان.” هزت رأسها وقالت: “المهم إننا اتعلمنا.”
لم تكن حياتهما مثالية بعد ذلك، ولم تختفِ كل الخلافات. لكن شيئًا أساسيًا تغير: صار هناك إنصات حقيقي. صار الألم يُسمع قبل أن يكبر. صار الوجع اللي ملوش صوت يجد أذنًا تصغي إليه قبل أن يتحول إلى كارثة.
وهكذا، لم تكن الحكاية عن مرض فقط، ولا عن حقن خاطئة، ولا عن عملية جراحية. كانت عن الثقة، عن التصديق، عن تلك المسافة الصغيرة التي قد تتسع بين قلبين حين لا يسمع أحدهما الآخر. كانت عن درس بسيط، لكنه عميق: أحيانًا، كل ما يحتاجه الإنسان ليس علاجًا فوريًا… بل أن يشعر أن ألمه حقيقي في عيون من يحب.