تليفوني رن… ولما رديت اكتشفت إن اللي بيتصل… أنا، قصة تشويقية غامضة

تليفوني رن… ولما رديت اكتشفت إن اللي بيتصل… أنا، قصة تشويقية غامضة


تليفوني رن… ولما رديت اكتشفت إن اللي بيتصل… أنا

اسمي ندى. عندي اثنان وعشرون عامًا، وأعيش في شقة صغيرة في الدور الرابع من عمارة قديمة تطل على شارع جانبي هادئ، بالكاد تمر فيه السيارات بعد منتصف الليل. حياتي كانت بسيطة، رتيبة، مستقرة إلى درجة تجعل الأيام تتشابه كأنها نسخ مكررة من بعضها. أستيقظ كل صباح على صوت منبه هاتفي، أذهب إلى عملي في الصيدلية الصغيرة أسفل الشارع، أعود مساءً، أتناول العشاء مع أمي، أتابع شيئًا خفيفًا على هاتفي، ثم أنام. لم أكن أبحث عن مغامرة، ولم أكن أتخيل أن شيئًا غير عادي قد يحدث لي. كنت أعتقد أن القصص الغريبة تحدث للآخرين فقط، لأولئك الذين يعيشون في مدن بعيدة أو في أفلام لا تشبه الواقع.

لكن كل شيء تغير في ليلة واحدة. ليلة عادية جدًا، هادئة جدًا، حتى إنني أذكر أنني قبل النوم قلت لنفسي إن الغد سيكون نسخة أخرى مملة من اليوم. أطفأت الأنوار، وضعت هاتفي على الكومودينو بجوار سريري، وأغمضت عيني. لا أعرف كم مر من الوقت، لكنني استيقظت فجأة على صوت رنين الهاتف. كان الوقت 1:43 بعد منتصف الليل.

مددت يدي بتثاقل وأنا بين النوم واليقظة، نظرت إلى الشاشة، وشعرت أن قلبي توقف للحظة. الرقم المتصل كان رقمي. نفس الأرقام، بنفس الترتيب، دون أي اختلاف. حدقت في الشاشة طويلاً، معتقدة أنني ما زلت أحلم، أو أن عيني تخدعانني بسبب الظلام. لكن الرنين استمر، حادًا، متكررًا، كأنه يطالبني بالرد.

ترددت لثوانٍ، ثم ضغطت زر الإجابة. وضعت الهاتف على أذني، ولم أتكلم. كان هناك صمت قصير، ثم صوت أنفاس خافتة. وبعدها، همسة أعرفها جيدًا.

“مترديش…”

كان صوتي أنا.

ليس صوتًا يشبهني، بل هو أنا تمامًا. نفس النبرة، نفس الارتجافة، نفس الطريقة التي أمد بها الحروف حين أكون خائفة. تجمدت في مكاني، وشعرت ببرودة تسري في أطرافي. أغلقت المكالمة بسرعة، كأنني أستطيع محو ما حدث بمجرد الضغط على زر.

لكن الهاتف رن مرة أخرى. نفس الرقم. هذه المرة لم أرد. جلست على سريري أحدق في الشاشة، أراقبها كما لو كانت كائنًا حيًا يتنفس أمامي. توقف الرنين، ثم وصلت رسالة نصية.

“متبصيش وراكي.”

شعرت أن جسدي كله أصبح ثقيلًا. كنت وحدي في غرفتي، الباب مغلق، والنافذة مغلقة بإحكام. ومع ذلك، لم أستطع مقاومة الرغبة في الالتفات. استدرت ببطء شديد. لم يكن هناك أحد. فقط خزانتي، وستارتي، وظلال مألوفة. عدت بنظري إلى الهاتف، فوصلت رسالة أخرى.

“انتي لسه بصيتي.”

في تلك اللحظة، لم أستطع التحمل. حملت وسادتي وخرجت إلى غرفة أمي، وطلبت أن أنام بجوارها بحجة أنني رأيت كابوسًا. لم أستطع أن أشرح لها ما حدث، لأنني أنا نفسي لم أكن أفهمه.

في اليوم التالي، فتحت سجل المكالمات. لم أجد شيئًا. لا مكالمة من رقمي، ولا رسائل. كأن كل شيء لم يحدث. حاولت إقناع نفسي أنها هلوسة بسبب الإرهاق. لكن إحساسًا عميقًا داخلي كان يقول إن ما حدث حقيقي.

مر أسبوع كامل دون أي شيء غريب. بدأت أهدأ تدريجيًا، حتى ظننت أن الأمر انتهى. لكن في أحد الأيام، بينما كنت أقف وحدي خلف الكاشير في الصيدلية، رن الهاتف. نظرت إلى الشاشة، وشعرت أن الدم انسحب من وجهي.

نفس الرقم.

هذه المرة رددت فورًا. جاء الصوت سريعًا ومضطربًا:
“امشي من المكان… دلوقتي.”

لم أفكر. خرجت من خلف الكاشير خطوتين فقط. وفي اللحظة التالية، سقط رف كامل من الأدوية في نفس المكان الذي كنت أقف فيه. تناثر الزجاج، وارتطم المعدن بالأرض بقوة. لو لم أتحرك، لكان سقط فوق رأسي.

وقفت مصدومة، أتنفس بصعوبة. عدت إلى الهاتف وقلت:
“انتي مين؟”

الصمت طال قليلًا، ثم جاء الرد:
“أنا… انتي.”

وانقطع الخط.

منذ ذلك اليوم، بدأت أعيش في حالة ترقب دائم. الهاتف قد يرن في أي لحظة. أحيانًا تحذرني من حادث بسيط، أحيانًا من شيء أكبر. مرة قبل أن يتعطل المصعد الذي كنت على وشك ركوبه، ومرة قبل أن تعبر سيارة مسرعة الشارع. كل مرة كانت تنقذني.

ثم في إحدى الليالي، قالت لي:
“أنا انتي بعد ست شهور.”

شعرت أن العالم يميل تحت قدمي. قالت لي ألا أذهب إلى العمل يوم 17 نوفمبر. لم تشرح لماذا. فقط طلبت مني ألا أذهب.

حين جاء ذلك اليوم، بقيت في المنزل. عند الثانية وست وعشرين دقيقة ظهرًا، سمعت سيارات إسعاف في الشارع. نظرت من الشرفة، فرأيت الناس متجمعين أمام الصيدلية. انهار جزء من السقف فوق مكان الكاشير.

مكاني.

جلست على الأرض أبكي. رن الهاتف بعدها بدقائق.
“انتي أنقذتيني.”

قالت بهدوء:
“لسه.”

ثم أضافت:
“في يوم… هتستلمي مكالمة… ومش هقدر أرد.”

لم أفهم وقتها معنى كلامها.

حتى جاءت ليلة 17 مايو.

كنت وحدي في غرفتي. الساعة تقترب من الثالثة فجرًا. رن الهاتف. لكن هذه المرة، الرقم لم يكن رقمي. كان رقمًا غريبًا.

تذكرت كلماتها فورًا.

ترددت طويلًا، ثم ضغطت زر الإجابة.
“ألو؟”

جاءني صوت مرتجف:
“مترديش…”

كان صوتي.

لكن هذه المرة، أنا في الجهة الأخرى من الخط.

قالت:
“لو سمعتي الرسالة دي… يبقى كل حاجة بدأت.”

سألتها:
“انتي مين؟”

ردت:
“أنا… انتي.”

ثم قالت الجملة التي غيرت كل شيء:
“أنا اللي هتتسبب في موتنا.”

وانقطع الخط.

في تلك اللحظة، شعرت بشيء غريب يحدث داخل رأسي. صور سريعة، مشاهد غير واضحة، إحساس بذكريات لم أعشها بعد. رأيت نفسي بعد شهور، متوترة، خائفة، تحاول إصلاح خطأ ما. رأيت لحظة قرار، لحظة ثقة في شخص لا يجب الوثوق به، لحظة صغيرة لكنها كافية لتغيير كل شيء.

أدركت الحقيقة أخيرًا وراء “تليفوني رن… ولما رديت اكتشفت إن اللي بيتصل… أنا”. لم يكن هناك شبح، ولا نسخة غامضة، ولا خلل في الهاتف. كان الزمن نفسه ينثني حولي، يعطيني فرصة لتغيير ما سيحدث.

نظرت إلى هاتفي، فوجدت رقمًا محفوظًا تلقائيًا باسم واحد:
“أنا.”

فهمت دوري في هذه الدائرة.

من الآن فصاعدًا، سأكون أنا من يتصل. أنا من يحذر. أنا من يحاول إنقاذ نفسي من قرار لم أتخذه بعد.

بدأت ألاحظ كل خطوة أخطوها. كل كلمة أقولها. كل شخص أدخله حياتي. كنت أبحث عن الخطأ الذي سيؤدي إلى النهاية التي حذرتني منها. لكنني لم أكن أعرف ما هو.

أحيانًا كنت أستيقظ في منتصف الليل وأتخيل أن الهاتف سيرن. أحيانًا كنت أتمنى ألا يرن أبدًا. لأن كل رنة تعني أن هناك خطرًا جديدًا يقترب.

أصبحت أعيش بين زمنين. الحاضر الذي أراه، والمستقبل الذي ينتظرني. أعرف أن يومًا ما سأجلس في هذه الغرفة، أمسك الهاتف، وأتصل برقم أعرفه جيدًا. سأسمع نفسي ترد. وسأهمس لها بنفس الكلمات:
“مترديش…”

لا أعرف متى سيحدث ذلك. لا أعرف ما هو الخطأ الذي سأرتكبه. لكنني أعرف أن الدائرة بدأت، وأنها لن تتوقف حتى أجد الطريقة لكسرها.

كلما نظرت إلى الشاشة في منتصف الليل، أتذكر أن قصتي لم تبدأ فقط حين رن الهاتف لأول مرة. بدأت حين قررت أن أصدق الصوت. حين قررت أن أستمع. حين قبلت أن أكون أنا المنقذة… وأنا السبب.

وإلى أن يأتي اليوم الذي أفهم فيه كيف يمكن لإنسانة أن تكون ضحيتها ومنقذتها في الوقت نفسه، سأبقى مستعدة. لأنني أعرف أن الرنة التالية قد تكون بداية النهاية… أو بداية إنقاذ جديد.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي