آخر رسالة قبل الغروب
الساعة كانت ستة مساءً تمامًا، لا تزيد دقيقة ولا تنقص، وكأن الزمن اتفق مع ليلى على موعد ثابت كل يوم: موعد يفتح فيه الماضي بابًا صغيرًا ويطلّ برأسه، ثم يختفي قبل ما تتشجع وتسأله ليه جيه أصلاً. ستة مساءً كان الوقت اللي دايمًا كانت بتحب تقرأ فيه الرسائل القديمة، مش لأنها بتحب الحزن ولا لأنها بتستمتع بالوجع، لكن لأن الضوء في اللحظة دي بيبقى شبه الذكرى؛ أصفر دافي من بعيد، لكنه قريب من الغروب لدرجة إنك تقدر تحس إن كل حاجة جميلة مصيرها تروح. كانت شقتها هادئة، الصمت فيها مش صمت أمان، صمت بيت اتعود يستقبلها لوحدها، ويودعها لوحدها، حتى صوت الثلاجة في المطبخ كان بيبان كأنه أنين خفيف. ليلى وقفت عند حافة السرير وبصّت تحت السرير على المسافة الضيقة اللي مخبية فيها صندوق خشبي صغير، صندوق عليه خدوش كتير، خدوش باينة كأنها سيرة ذاتية محفورة، وكأنه عاش أكتر من عمر صاحبه. مدّت إيدها ببطء وسحبته، ومع كل سنتيمتر بيطلع كانت بتحس إن قلبها بيطلع معاه، لأن الصندوق ما كانش مجرد خشب؛ كان “آخر حاجة” سامر سابها لها قبل ما يختفي. حطته على الغطا، ومسحت عليه براحة كأنها بتطبطب على طفل نايم، وفضّلت لحظة تتأمل ركنه المكسور من ناحية، والشرخ الرفيع اللي كان في الغطا من ناحية تانية، الشرخ اللي حصل يومها لما كانت بتجري وراه من غير ما تفهم هو ليه مستعجل، ولا ليه وشه كان شاحب ومشغول، وهي بتضحك وتقول له: “متسرع ليه؟” فيرد بابتسامة كأنه بيستعيرها من حد تاني: “مش هتعرفي دلوقتي.” كانت بتفتكر تفاصيل صغيرة زي دي وتستغرب إزاي كانت بتعدّي عليها، وإزاي الحب ساعات بيخلينا نشوف اللي عايزينه بس، ونسيب الإشارات اللي بتصرخ قدامنا.
فتحت الصندوق… فطلع منها ريحة الورق القديم والورد اليابس، ريحة مختلطة بين حنين ووداع، وبين ضحكة اتقطعت في نصها. جوه الصندوق كانت صور قديمة، بعضها متني من كتر ما اتفتح واتقفل، وبعضها عليه أثر أصابعها لأنها كانت كل مرة تحاول تمسح الغبار تلاقي نفسها بتمسح عمرها. في صورة كانوا قاعدين على سور الكورنيش وقت الغروب، الشمس نازلة وراهم والنيل باين زي شريط طويل من الفضة، وهي شايلة شعرها بإيدها عشان الهوا، وهو باصّ لها كأنه شايف فيها بيت ما كانش عنده. وفي صورة تانية قدام مكتبة صغيرة، سامر ماسك كتاب وبيعمل نفسه قارئ مشهور، وهي بتضحك ضحكة عالية كانت بتخاف منها بعد ما اختفى، لأنها كانت بتحس إن الضحك ده بيخون الوجع. وفي ركن الصندوق وردة يابسة، كانت في يوم من الأيام حمرا، وبقت دلوقتي لونها باهت أقرب للبني، لكن شكلها رغم الجفاف كان لسه محتفظ بوقار غريب، كأنها مش راضية تنهار بالكامل. وفوق الورد بالضبط… كانت الرسالة، ورقة واحدة، مكتوبة بخط مهزوز، خط سامر اللي كانت تعرفه زي ما تعرف طريق البيت، لأنه كان يكتب دايمًا بسرعة كأنه بيجري من فكرة لفكرة، ومع ذلك كانت حروفه فيها حنية مريبة. ليلى سكتت شوية قبل ما تلمس الورقة، إيدها بترتعش كأنها خايفة تصدق، وخايفة في نفس الوقت ما تلاقيش حاجة جديدة غير الألم اللي اتعودت عليه. رفعت الورقة، ولما عينها وقعت على أول سطر حسّت إن صدرها اتقبض: “لو قرأتي الرسالة دي… يبقى أنا مشيت. بس عايزك تعرفي إنك كنتي أجمل حاجة حصلت لي في حياتي.” الجملة دي كانت زي فتيل نار، مش بتولع في الورق، بتولع في اللي جوهها. فكرّت نفسها فجأة باليوم اللي سامر اختفى فيه بدون أي وداع، اليوم اللي كانت متأكدة إنه حصل، لكنها عمرها ما صدقت إنه حصل فعلًا، كأن عقلها كان بيعمل صفقة مع الحقيقة: “خلّيني أعيش وأنا مش متأكدة… يمكن يرجع.”
هي فاكرة اليوم ده كويس… كانوا قاعدين على سور الكورنيش وقت الغروب، زي عادتهم، يحكوا عن أحلامهم كأن الأحلام سهلة، وكأن الدنيا ما فيهاش مفاجآت وحشّة. سامر كان بيحلم يسافر، وكان بيحكي عن السفر مش كرفاهية، كنجاة، كأنه شايف حياته هنا ضيقة على روحه، وكان بيقول لها إنه مش عايز يفضل “واقف في نفس المكان” طول عمره، وإنه عايز يبقى حد له معنى. ليلى، في المقابل، كانت بتحلم تفتح مكتبة صغيرة على النيل، مكتبة فيها ركن قهوة بسيط، ورفوف خشب، وموسيقى هادية، وتخلي الناس تقرأ وتنسى وجعها. كان حلمها بسيط لكنه كان بالنسبة لها وطن، وكانت بتحكيه وكأنها بتبني طوبة فوق طوبة. آخر مرة شافته… كان واقف بعيد شوية، وشكله مش واضح بسبب ضوء الشمس اللي كان عامل هالة حوالين ملامحه، لكن ليلى كانت حاسة إن في حاجة مختلفة، إن ضحكته ناقصة، وإن الكلام عنده متكسّر قبل ما يطلع. قربت منه وقالت: “مالك؟” فابتسم ابتسامة صغيرة ما وصلتش لعينيه، وقالها: “لو في حاجة حصلت… افتحي الصندوق ده.” هي يومها ضحكت وقالت: “بلاش دراما يا سامر.” كانت بتقولها بحب، كأنها بتعاتبه على جدّيته المفاجئة، لكنه ما ردّش، وسكت لحظة طويلة، وبص للنيل كأنه بيسلمه سر، وبعدين قال: “خليكي قوية.” الكلمة دي فضلت تتردد في ودنها سنين، لأنها ما كانتش كلمة عابرة، كانت وصية، كأنه كان عارف إن الغياب اللي جاي أكبر من قدرتها. اختفى بعدها بيوم واحد، كأن اليوم اللي بعد الغروب ده كان بداية فجر أسود بالنسبة لها. دورت عليه في كل مكان، اتصلت، بعتت رسائل، رنت على صحابه، راحت لأماكنهم المعتادة، حتى بقت تقف في الشارع قدام بيته وتستنى أي حركة، أي إشارة، لكنها كانت بتستنى الهوا.
الشرطة قالت إنه سافر بدون أوراق… كلمة ما دخلتش دماغها، لأنها تعرف سامر كويس: كان يكره الهروب، يكره اللف والدوران، كان دايمًا يقول إن الصراحة بتوجع مرة واحدة، لكن الكذب بيوجع العمر كله. أهله قالوا إنهم ما يعرفوش حاجة، لكن نظراتهم كانت غريبة؛ نظرات ناس خايفة تقول الحقيقة، أو يمكن ناس خايفة من الحقيقة نفسها. ليلى عاشت فترة طويلة بين احتمالين: يا إما سامر قرر يسيبها، يا إما سامر مجبر على الغياب. والاتنين كانوا مؤلمين، بس الاحتمال التاني كان بيخليها تتمسك بالأمل، لأنه على الأقل بيبرّئه في عينيها. السنين عدت… وليلى فضلت محتفظة بالصندوق كأنه شاهدها الوحيد، كأنه الدليل إن القصة ما كانتش وهم. كانت كل ما تحاول تبدأ من جديد تلاقي نفسها بتقف عند نفس النقطة: الغروب، الكورنيش، “خليكي قوية”، وبعدها صمت طويل. مرّت عليها عروض جواز، ومرّت عليها صداقات جديدة، ومرّت عليها أيام كانت بتحس إنها قادرة تضحك بصدق، لكن في اللحظة اللي بتقفل فيها باب الشقة لوحدها كان سامر يرجع جواها كأنه ساكن. وفي كل مرة تقول لنفسها: “خلاص، هفتح الرسالة وأقفل الموضوع.” لكنها كانت تفتحها وتسيبها، كأنها خايفة تعرف حاجة تقفل آخر باب للأمل.
في ذلك المساء، كملت قراءة الرسالة من أولها للنهاية، مش لأن قلبها اتحول لحجر، لكن لأن تعب الانتظار أكبر من خوف الحقيقة. “أنا ما سافرتش… أنا كنت مريض من زمان، والمستشفى كانت عارفة. كنت خايف أقول لك عشان ما تشوفيش الحزن في عينيا. عملت عملية قبل ما أختفي… ولو العملية فشلت، كنت عايز أسيب لك الرسالة دي.” ليلى حسّت إن الكلام بيكمل اللي ناقص، لكنه كمان بيكسرها: مريض؟ يعني وهو كان قاعد جنبها وبيحكي عن السفر كان شايل موت محتمل في جيبه؟ يعني هو كان بيضحك وهو بيخبي عنها النهاية؟ مسحت دموعها وسكتت، لأن في لحظة معينة الدموع بتبقى أقل من اللي في القلب. كملت القراءة وهي بتاخد نفسها بالعافية، كأنها بتقرأ حكمًا: “لو أنا مش موجود… ارمي الورد اليابس ده في النيل. الورد ده كان شاهد على وعدنا.” بصّت للوردة… وافتكرت الوعد، الوعد اللي ما اتكتبش في ورق رسمي، لكنه اتكتب في قلبين كانوا فاكرين إن الحب كفاية. الوردة كانت شاهد على وعدهم، والوعد كان شاهد على سذاجتها، وعلى ثقته هو في قدرته إنه يحميها من الحقيقة. قامت ببطء، وكأن جسمها بقى تقيل من مجرد الكلمات، لبست طرحة خفيفة، وطلعت من البيت من غير ما تفكر كتير، لأن لو فكرت كانت هتتراجع.
مشيت على الكورنيش والليل بدأ ينزل تدريجيًا، والأضواء على الطريق بدأت تشتغل واحدة واحدة، كأن القاهرة بتغير جلدها مع الغروب. كانت بتسمع ضحك الناس حواليها، وتشم ريحة الذرة المشوية، وتعدّي جنب عربيات واقفة، وكل ده كان بيحصل وهي حاسة إنها ماشية جوه فقاعة. وقفت قدام النيل، والنيل كان بيجري كأنه مش مهتم، زي ما كان بيجري يوم اختفى سامر، ويوم ضحكت معه، ويوم اتخانقوا وتصالحوا، ويوم وعدها إنه هيفضل جنبها. إيدها ارتعشت وهي بتسيب الوردة في الميه، والوردة مشيت مع التيار… وبعدين اختفت، اختفت بسرعة كأنها كانت مستعجلة تلحق مصيرها. ليلى ابتسمت لأول مرة من سنين، ابتسامة صغيرة مش ابتسامة سعادة، ابتسامة إنسان أخيرًا سلّم أمانة، أخيرًا عمل حاجة كانت خايف يعملها. حسّت لثوانٍ إن صدرها أخف، وإن الوجع ممكن يهدى. لكن فجأة… سمعت صوت وراها بيقول بهدوء: “كنت عارف إنك هترميها… كنت دايمًا عنيدة.” جسمها اتجمد. الصوت كان سامر؟ نفس النبرة، نفس الهدوء، نفس الطريقة اللي كان بيقول بيها “عنيدة” وهو بيضحك. اتسمرت مكانها، لأنه أحيانًا الإنسان يخاف من تحقق المعجزة زي ما يخاف من تحقق الكارثة. لفت ببطء… وببطء شديد… كأنه لو لفّت بسرعة هتتكسر الحقيقة.
شافت راجل واقف… لكن وشه غريب عليها. مش وش سامر اللي حفظته من ألف زاوية، ولا عينين سامر اللي كانت تشوف فيهم طيبة غريبة. الراجل كان في الأربعينات، لابس لبس بسيط، وواقف بثبات شخص جاي يقول حاجة مهمة وعايز يخلص. ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: “أنا اللي كتبت الرسالة… بس سامر مات قبل ما يكتبها.” ليلى حسّت إن الأرض بتتهز تحت رجلها. مات؟ يعني الرسالة دي كانت وداع فعلاً؟ طب هو اللي كان بيكلمها دلوقتي… صوته كان مين؟ كأن عقلها حاول يهرب من الإجابة، لكن الراجل كمل: “أنا الدكتور اللي كان بيعالجه… وهو طلب مني أدي الرسالة لأي واحدة اسمها ليلى… وقال لي إنه ما كانش عايزك تعرفي إنه مات… عشان آخر حاجة تفتكريها عنه… تكون الحب.” ليلى بصت له وعينيها مليانة دموع بتنزل بصمت، لأن الدموع ساعات بتبقى محترمة أكتر من الكلام. قالت بصوت مكسور: “طب ليه جيت دلوقتي؟” الراجل رد بهدوء قاتل، هدوء اللي بيقول حقيقة عارف إنها هتسيب أثر: “عشان أقول لك حاجة واحدة بس… العملية نجحت… وسامر عاش بعدها بسنتين… وكان كل يوم بييجي نفس المكان… بس… كان بيقف بعيد… لأنه كان متجوز.” الجملة دي كانت أقسى من خبر الموت نفسه، لأنها بتقول إن الألم اللي عاشت فيه كان ممكن يتغير، لكنه ما اتغيرش، وإن سامر كان قريب وبعيد في نفس الوقت، وإنه اختار يبص عليها من بعيد بدل ما يرجع يقف قدامها.
الليل سكت… كأن المدينة كلها خدت نفس واحد ووقفته. النيل كان بيجري كأنه مش مهتم، كأنه ما بيحملش غير نفسه. ليلى سألت بصوت ميت، صوت واحد بيحاول يتمسك بآخر خيط من نفسه: “اسم مراته كان إيه؟” الراجل قال: “ليلى.” الكلمة وقعت عليها زي حجر ثقيل، مش لأنها مجرد اسم، لكن لأنها نفس اسمها، كأن القدر عمل لعبة قاسية: نفس الاسم، لكن مش نفس الحكاية. الدكتور سكت لحظة وكأنه بيحاول يخفف، ثم قال إن سامر كان بييجي هنا كل يوم، يقف بعيد، يتفرج على الغروب، يمكن يتفرج عليها لو كانت بتعدّي، لكن عمره ما اقترب، لأنه كان اختار حياة تانية، والاختيار ده قفّل الباب اللي ليلى فضلت واقفة قدامه سنين. ليلى فهمت في لحظة واحدة إن الرسالة كانت مكتوبة باسمها فعلًا، وإن الصندوق كان ممكن يبقى هديتها يوم كتب كتابه، لكنه بدل ما يبقى بداية بقى نهاية مؤجلة، وأنه كان شايفها أجمل حاجة حصلت له، لكنه في النهاية سابها تعيش أجمل حاجة كذكرى، مش كواقع. وقفت شوية قدام النيل، وهي حاسة إن في داخلها حاجة بتتقفل ببطء… مش قلبها، لأ… انتظارها. ثم أخدت نفس عميق، ومسحت دموعها بإيد مرتعشة، وبصّت للسماء اللي اختفت منها الشمس، وقالت لنفسها بصوت خافت: “أنا كنت بتعلق بوردة يابسة… دلوقتي سيبتها تمشي.” وخطت خطوة، وبعدين خطوة، ومشيت بعيد عن النيل وبعيد عن الغروب، وهي عارفة إن الوجع مش هيختفي في ليلة، لكن على الأقل… بقى له اسم وحقيقة ونهاية، والنهايات رغم قسوتها أرحم من أبواب مفتوحة على المجهول.