الليلة التي توقفت فيها أنفاسي: قصة رعب نفسي حقيقية

الليلة التي توقفت فيها أنفاسي: قصة رعب نفسي حقيقية


الهمس في الظلام: ليلة لا تُنسى داخل شقتي

يا جماعة… أنا بجد مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد. الجملة دي مش بس رفعت قلقي لدرجة ما كنتش متوقعة، لكنها بقت تدور في دماغي كل ساعة، كل دقيقة، وكأنها شريط ما بيخلصش. كل مرة أحاول أهدى أو أقنع نفسي إن ده مجرد توتر أو إجهاد، أرجع أفتكر تفاصيل صغيرة، كانت تبدو عادية في البداية، لكن لما تتحط جنب بعضها، كأنها قطع بازل، بتكوّن صورة كاملة غريبة، صورة ما كنتش مستعدة أشوفها.

طول عمري كنت شخص عملي. مش من النوع اللي بيصدق بسهولة في الظواهر الغريبة أو يسمع صوته الداخلية ويستسلم للخوف. لو اتخضيت من ظل أو صوت فجأة كنت أضحك على نفسي وأكمل يومي عادي. لكن الأسبوع ده كان مختلف. كان في شيء يتراكم بهدوء… بداية صغيرة، بسيطة، لكنها زادت مع الوقت لدرجة إنها تحوّلت لحمل ثقيل على قلبي، لدرجة إني بقيت أراجع نفسي وأسأل بصوت عالي: يا جماعة أنا مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد.

الأحداث بدأت بتفاصيل صغيرة جدًا، لدرجة إني كنت بضحك على نفسي من كتر السهر والتعب. ريموت التليفزيون، على سبيل المثال، بسيبه على الكنبة وأرجع ألاقيه واقع على الأرض في نص الصالة. أقول لنفسي: أكيد وقع لما قمت، أو يمكن خبطته برجلي من غير ما آخد بالي. مرة اتنين تلاتة، وكل مرة دماغي تختار التفسير الأسهل، بس اللي حصل كان بيستمر في الضغط على إحساسي الداخلي.

بعد يومين صحيت الساعة تلاتة الفجر على صوت تزييق خفيف في المطبخ. الصوت كان واطي لكنه واضح جدًا، كأنه خشب بيتحرك أو درج بيتقفل ببطء. وقفت على السرير أستمع للصمت بعده، وكأن الصمت نفسه ثقيل وواقف على صدري. شربت مية ورجعت أنام، وأنا بقنع نفسي: دي مواسير قديمة أو الخشب بيتوسع مع الحرارة. حاولت أطمن نفسي، لكن في قلبي حس غريب، إحساس إن في شيء مريب حواليا.

اللي حصل بعد كده كان مختلف تمامًا. البيت كان هادي بطريقة تخوف. مش هدوء عادي، لا… هدوء ثقيل يخنق، كأن الهواء نفسه واقف. كنت قاعدة في الصالة، لوحدي، وبحاول أركز في أي حاجة قدامي عشان ما أسيبش دماغي تسرح. وفجأة… سمعت همس.

مش صوت عالي، مش صرخة. همس قريب جدًا، واضح جدًا، بينطق اسمي بهدوء: “يا سارة…”
جسمي كله اتجمد. الدم توقف تقريبًا في عروقي. حاولت أقول لنفسي: ده صوت من بره، يمكن جيران، يمكن حد في الشارع… لكن إحساس القرب ما كانش منطقي. الصوت كان جاي من جوه، من ناحية أوضتي تحديدًا.

ولما اتكرر تاني، كان أقرب، كأن الشخص واقف ورا الباب مباشرة، يراقبني بصمت. لم يكن صدى أو تخيل، كان نداء مباشر، ثابت، متعمد. قلبي بدأ يدق بسرعة، رقبتي ارتجفت، ورغم كل شجاعة حاولت أظهرها لنفسي، رجلي كانت ثقيلة كأنها مش بتاعتي. ومع ذلك قمت، خطوة خطوة، نحو الباب.

الطرقة كانت ضلمة، ونور الصالة مش واصل غير خط خفيف على الأرض. وأنا واقفة قدام باب الأوضة، شفته بيتحرك ببطء شديد. الباب ما كانش مفتوح… كان بيتفتح وحده. الصوت الخفيف لاحتكاك الخشب بالأرض في السكون ده كان أقسى من أي صرخة ممكن تتخيلها. حاولت أصرخ، لكن صوتي مات. جسمي كله مش قادر يتحرك، مش قادر أرجع، بس عيناي معلقة على الفتحة الصغيرة، مستنية أشوف أي حاجة تظهر.

في اللحظة دي، فجأة، الموبايل رن في إيدي. الرنة كسرت الصمت بعنف. اتخضيت لدرجة إن دموعي نزلت من غير ما أحس. كانت ماما بتعمل فيديو كول. فتحت الخط وأنا بنهج وبسألها فورًا: “أنتي رجعتي؟ أنتي جوه الشقة؟”
ردها كان طبيعي جدًا… لدرجة إنه كان مرعب. قالت إنها لسه في السوبر ماركت ولسه قدامها وقت عشان ترجع. وبعدين قالت حاجة خلت جسمي يبرد أكتر: إنها شاكّة إنها ممكن تكون سابت باب الشقة مش مقفول كويس.

بصيت لباب أوضتي. كان مفتوح على الآخر. البيت قدامي كان فاضي تمامًا، مفيش صوت، مفيش حركة. وفجأة، شاشة الموبايل اسودت. فصلت فجأة رغم إن الشحن كان عالي. ما كانش عندي وقت أفكر، مجرد غريزة. خدت مفاتيحي وجريت. نزلت السلم بسرعة، قلبي بيدق كأنه هايخرج من صدري. ما بصيتش ورايا، بس كنت حاسة إن في حاجة ورايا، حاجة غريبة، حاجة ما كنتش شايفاها، بس حاسة بيها.

وصلت عند باب صاحبتي وبخبط عليها بجنون. فضلت أقف هناك وأتنفس بعمق، أحاول أسيطر على قلبي اللي مش عايز يستقر. وبعد ما فتحتلي، دخلت وأنا لسه مش مصدقة اللي حصل. كل تفاصيل البيت، كل أصواته، كل الظلال… بقت عالقة في دماغي، وكل مرة أفتكرها قلبي يقف مرة ثانية.

كل يوم اللي بعده، أي صوت بسيط، أي خروشة، أي حركة… بتخليني أفتح عيني فجأة. بقيت أسيب نور خفيف شغال في الطرقة طول الليل، أتأكد من الباب عشر مرات قبل ما أنام. قلبي مش قادر يهدى، دماغي مش قادر تفهم: يا جماعة أنا مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد.

حاولت أضحك على نفسي أوقات، أحكي لنفسي: كل ده إجهاد، كل ده توتر، ممكن أي حد يمر بموقف يخليه يشك في إدراكه للحظة. لكن أوقات تانية، لما أفتكر الهمس بنفس النبرة، بنفس القرب، بحس إن في حاجة ما زالت ناقصة… حاجة ما اتفسرتش، حاجة لسه موجودة في البيت حتى لو مش شايفاها.

أيام طويلة عدت وأنا مش عارفة أنام بسلام. أي صوت بسيط بيفزعني. أي حركة في البيت بحس إنها أكبر مما هي. حتى أصوات الطبيعة بره الشباك… أي خربشة من الشجرة… بتخليني أرجع أفكر في اللحظة دي، اللحظة اللي خلتني أقف وأسأل نفسي بصوت عالي: يا جماعة أنا مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد.

حاولت أرجع الشقة بعد أيام، مع صاحبتي، عشان أطمن. فتشنا كل ركن، كل باب، كل غرفة، كل زاوية. كل شيء طبيعي. مفيش أثر لأي حد. مفيش صوت. مفيش حركة. الباب مقفول كويس. الصمت كان طبيعي. ومع ذلك… إحساسي لم يهدأ. إحساسي داخلي إن اللي حصل مش مجرد صدفة. حاجة كانت موجودة… حاجة كانت مستنية اللحظة اللي هشوفها فيها.

ومهما حاولت، مهما حاولت أفكر بعقلانية، قلبي بيقولي الحقيقة اللي ما اقدرش أتجاهلها: يا جماعة أنا مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد. وساعات لما أغمض عيني وأحاول أنام، أسمع همس بعيد… أو أحس بظل يمشي في البيت… وأرجع أفتح عيني بسرعة، أتنفس عميق، وأكرر لنفسي: يمكن ده مجرد توتر… يمكن ده مجرد خيال… لكن قلبي مش مصدق.

القصة مستمرة جوايا. كل يوم جزء جديد من الرعب النفسي يظهر. أي صوت، أي حركة، أي طاقة في البيت… بتخليني أعيش مرة تانية اللحظة اللي وقفت فيها قدام باب الأوضة، والهمس بيناديني باسمي. واللي أكيد… مش هنساه أبدًا.

مش عارفه هل ده هيتفسر يومًا، ولا هيفضل دايمًا علامة في حياتي، علامة على لحظة ما قدرتش أفهمها، لحظة خلتني أقول بصوت عالي: يا جماعة أنا مش عارفة اللي حصل ده حقيقي ولا أنا بدأت أتجنن بجد.

انضم للمجتمع

ألاء الشافعي
ألاء الشافعي